1001116546

 من رماد الحرب إلى أفق البناء

في تحول استراتيجي يطوي صفحة دامية من تاريخ الفرات الأوسط، استعاد قلب سوريا الشرقي نبضه بافتتاح رسمي واسع النطاق لمطار دير الزور الدولي، يوم الأربعاء 5 أغسطس 2026… الحدث لم يكن مجرد إعادة تشغيل لمرفق جوي طاله الدمار، بل شكّل محطة مفصلية تعلن بوضوح نهاية سنوات من الحصار والتهميش.

وسط حضور رسمي رفيع المستوى ترأسه وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، وضم حقائب وزارية محورية، أُسدل الستار على مرحلة استخدمت فيها مقدرات المنطقة الشرقية كورقة محروقة، ليبدأ عهد جديد عنوانه إعادة الإعمار، والربط الاستراتيجي، والتنمية المتوازنة التي تقودها الدولة بمتابعة مباشرة من رئيس الجمهورية أحمد الشرع.

الخلفية التاريخية: دير الزور.. ثروات مهدرة وتضحيات جسام

لكي ندرك الأهمية الاستراتيجية للتحولات الجارية اليوم، لابد من قراءة متأنية في السياق التاريخي للمنطقة الشرقية عموماً، ودير الزور خصوصاً… عُرفت المحافظة لعقود طويلة بأنها خزان الأمن الاقتصادي والغذائي لسوريا، إذ احتضنت حقول النفط والغاز الكبرى، إضافة إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المنتجة للقمح والقطن.

إلا أن هذه الأهمية الاستراتيجية ترافقت، للأسف، مع عقود من السياسات المركزية التي حرمت أبناء الفرات من جني ثمار ثرواتهم، فاتسمت البنية التحتية بالهشاشة وغياب الاستثمارات الحقيقية… ومع اندلاع الحرب السورية، دفع أهالي دير الزور ثمناً باهظاً، فتضررت البنى الخدمية، وحُصر المطار في أتون الصراع العسكري ليتحول بقدرة القهر إلى نقطة تموضع وإلقاء للقنابل، قبل أن تعاني المدينة حصاراً مطبقاً ودماراً واسعاً شلّ كافة مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

مطار دير الزور: من منصة عسكرية للقنابل إلى صلة وصل دولية

في كلمة مرئية بثّت خلال حفل الافتتاح، وضع الرئيس أحمد الشرع الإطار السياسي والرمزي لعودة المطار، مؤكداً بعبارات حاسمة أن مطار دير الزور تحول من مكان كان يُستخدم لإلقاء القنابل على الدور والمزارع إلى صلة وصل تُعيد ربط الداخل السوري ببعضه وبالعالم الخارجي.. هذا التوصيف لا يعكس فقط تعافياً عسكرياً، بل يمثل إعادة اعتبار معنوية لأهالي المحافظة الذين شدد الرئيس على أنهم يستحقون الأفضل نظراً لتضحياتهم الجسام.

ميدانياً، لم تتأخر ترجمة هذه الرؤية، فقد استعاد المطار نشاطه الجوي الفعلي باستقبال رحلتين مبدئيتين قادمتين من العاصمة دمشق ومن دولة الكويت، في إشارة واضحة إلى بدء تدفق المغتربين ورجال الأعمال نحو محافظتهم الأم.

وفي ذات السياق، أعلن رئيس هيئة الطيران المدني، أن أعمال التأهيل أُنجزت في وقت قياسي وبأعلى معايير السلامة الدولية… وكشف عن خطط طموحة لإنشاء مركز متطور للشحن الجوي داخل المطار، بما يخدم حركة التصدير الزراعي والصناعي نحو الأسواق الإقليمية والدولية، مؤكداً أن الخطوة تندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية لتفعيل كافة المطارات السورية واستقطاب الشركات العالمية.

طي صفحة التهميش: رؤية وزارة الخارجية لشرق سوريا

التصريحات السياسية الأبرز جاءت على لسان وزير الخارجية والمغتربين، أسعد  الشيباني، الذي ارتقى المنبر ليوجه رسائل بالغة الدلالة إلى الداخل والخارج… أكد الشيباني أن دير الزور تمثل حاضرة الفرات وبوابة الجزيرة، وممر التواصل بين الشام والرافدين، وركناً متيناً من أركان الثورة السورية.

وأشار وزير الخارجية بشفافية إلى أن المحافظة واجهت إرثاً ثقيلاً من الحرمان الجائر رغم تمويلها لاقتصاد البلاد لأجيال، مشدداً على حقيقة استراتيجية مفادها أن سوريا لن تستعيد عافيتها كاملة إلا بتعافي شرقها وعودة الحياة إلى ربوعه…

هذه المقاربة تؤشر إلى تحول جوهري في فلسفة الحكم نحو اللامركزية التنموية ورد الاعتبار للمناطق المهمشة.

حزمة المشاريع الاستراتيجية: أبعاد تنموية واقتصادية وصحية

لا يقتصر المشهد الجديد على الرمزية السياسية وفتح الأجواء، بل يمتد ليشمل خططاً هيكلية متكاملة تستهدف محافظات المنطقة الشرقية، وتهدف إلى معالجة الخلل التنموي المزمن… وقد تضمنت الحزمة المعلنة عدة مشاريع كبرى:

1. القطاع الصناعي والتصدير المباشر

أعلن الرئيس أحمد الشرع عن مشروع لإنشاء مدينة صناعية كبرى في دير الزور، تتركز فيها صناعات غذائية وبتروكيماوية متطورة… وتكمن أهمية هذه المدينة في تمكين المنتجين المحليين من التصدير المباشر للخارج، مما سيخلق آلاف فرص العمل للشباب ويقضي على البطالة المقنعة التي عانت منها المنطقة لسنوات.

2. القطاع الصحي والإنساني: مستشفى السرطان

استجابةً للوضع الإنساني الملح، تقرر البدء الفوري بإنشاء مستشفى متخصص لأمراض السرطان في دير الزور بتكلفة تقديرية تبلغ 21 مليون دولار.. هذا المشروع سيوفر على المرضى وعائلاتهم مشقة وعناء السفر الطويل نحو دمشق أو خارج البلاد لتلقي العلاج الكيماوي والإشعاعي المتقدم.

3. البنية التحتية وشبكات النقل: طريق دمشق – دير الزور الدولي

تدرك الحكومة أن النهوض الاقتصادي مستحيل دون شرايين نقل آمنة وسريعة… وفي هذا السياق، كشف عن قرب انطلاق أشغال مشروع الطريق الدولي (دمشق – دير الزور) ذهاباً وإياباً بعد استكمال دراساته الهندسية، بتكلفة إجمالية تتراوح بين 275 و300 مليون دولار، وفق أحدث المواصفات الدولية لتأمين انسيابية الحركة التجارية والبشرية.

الأبعاد السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية للتحول

  •   البعد السياسي: يكرس هذا التوجه رغبة الدولة في بسط نموذج تنموي شامل يثبت حضورها الفاعل في المناطق الشرقية، ويوجه رسالة طمأنة للسكان المحليين وللشركاء الإقليميين بأن مرحلة الاستقرار وإعادة الإعمار باتت واقعاً ملموساً.

 

  • البعد الاقتصادي: يعيد ربط الثروات الوطنية بدورتها الإنتاجية السليمة، محولاً دير الزور من منطقة استهلاك معتمدة على الإغاثة إلى قطب اقتصادي وتجاري ولوجستي يربط الداخل بالعمق العراقي والخليجي.

 

  • البعد الاجتماعي والنفسي: يساهم تدشين المطار وعودة المغتربين، فضلاً عن المشاريع الخدمية كالقطاع الصحي، في ردم الهوة النفسية التي خلفتها سنوات الحرب، مانحاً الأجيال الشابة بصيص أمل بغدٍ أفضل واستقرار مستدام.

خلاصة وقراءات استباقية للسيناريوهات المحتملة

يُجمع  على أن افتتاح مطار دير الزور وإطلاق حزمة المشاريع التنموية بمليارات الدولارات يمثلان نقطة تحول تاريخية لا يمكن الاستخفاف بها.. مع ذلك، يبقى النجاح الكامل مرهوناً بعدة عوامل تنفيذية وأمنية دقيقة.

ويمكن رسم سيناريوهين أساسيين للمرحلة المقبلة:

  • مسار الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي المباشر: مع عودة حركة الطيران وبدء توافد المغتربين، من المتوقع أن تشهد المحافظة حراكاً تجارياً فورياً ينعكس إيجاباً على الأسواق المحلية، ويوفر فرص عمل سريعة لأبناء المنطقة، ويسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي.

 

  • ​مسار التحول الاستراتيجي والتنمية المستدامة: يتجلى في الأثر المستقبلي للمشاريع الكبرى المعلنة، كالمدينة الصناعية وطريق (دمشق – دير الزور)… هذا المسار سيحول المنطقة الشرقية تدريجياً خلال السنوات القادمة إلى قطب صناعي وتجاري يربط الإنتاج المحلي بالأسواق الخارجية، محققاً نهضة تنموية شاملة.

مهما يكن من أمر، فإن مجرد كسر طوق العزلة وفتح الأبواب أمام طائرات المدن والعالم يعني أن دير الزور قد حفرت طريقها بقوة نحو المستقبل، واضعاً حجر الأساس لسوريا جديدة تقوم على الشراكة والإنماء المتوازن.

  • بشرى الموسى

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top