دعني أبدأ باعتراف صغير: أنا أيضًا أحن أحيانًا. أحن إلى أيام كانت فيها الكهرباء تأتي أربعًا وعشرين ساعة، وكانت ربطة الخبز تساوي عشرين ليرة، وكانت البنت تمشي في شارع بغداد وحدها في العاشرة مساءً دون أن تخاف. هذا الحنين ليس جريمة، لأن الحنين بطبيعته شيء إنساني خالص. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحنين إلى أيديولوجيا، وحين تُختزل خمسة وخمسون عامًا من نظام استبدادي في جملة واحدة ظالمة: “كان أفضل”. في الأسابيع الماضية، وأنا أتابع النقاشات السورية على فيسبوك وتويتر وفي المجالس الخاصة، لاحظت شيئًا محيرًا. هناك فئة، ليست صغيرة وليست هامشية، تقارن بين سوريا الأمس وسوريا اليوم، وكأنها تقارن بين جنة وفوضى. تتحدث عن الأسعار، وعن الأمن، وعن المؤسسات، لكنها تتحدث بصيغة الحنين وتستبعد التحليل. كأن الأعوام الخمسة والخمسين لم تكن عقودًا من القمع والفساد والطائفية الكامنة والاقتصاد المتهالك، وكأنما كانت مجرد “مرحلة سابقة” اختل فيها بعض الترتيب. تعالَ نكون صادقين: أي مقارنة بين عصر كامل بكل بنيته الفاسدة، وبكل أجهزته

اشترك بالنشرة الاخبارية

Subscription Form
Scroll to Top