كلمة “الجدبة” في سوريا تحمل معنى أكبر بكثير من كونها تعبيراً شعبياً متداولاً. فهي تختصر تجربة عاشها السوريون لعقود، وتعكس أسلوباً في التعامل مع الحياة تشكل تحت ضغط الظروف الاقتصادية والإدارية، حتى أصبحت مهارة يكتسبها الناس مع الوقت، ووسيلة يعتمد عليها كثيرون لتجاوز تعقيدات الحياة اليومية؛ فمن لا يجدبها، يُسحق. الجدبة، في جوهرها، تواطؤ صامت بين طرفين يعرف كل منهما أن الآخر يعرف. المذيع يقرأ خبراً يعلم أنه كذب، والمستمع يستمع إليه وهو يعلم أنه كذب، وكلاهما يكمل المشهد إلى النهاية دون أن يجرؤ أحد على كسر القاعدة. فهذه اللعبة لا تحتاج إلى قناعة، يكفيها أداء متقن. وليس المطلوب منك أن تُصدّق، لا يهم.. فقط تتظاهر بالتصديق بإتقان كافٍ يُبقيك بعيداً عن الأذى. الرمادية كخط دفاع آخر بين الأبيض الذي يعني الولاء الكامل، والأسود الذي يعني المعارضة الصريحة، اخترع السوريون مساحة رمادية واسعة، صمدوا فيها لعقود. فالرمادية ليست موقفاً سياسياً بحتاً بقدر ما هي استراتيجية نجاة، تعني: أن لا تقول “نعم” بحماسة تُثير

اشترك بالنشرة الاخبارية

Subscription Form
Scroll to Top