في ليالي رمضان القديمة، كان للمساء هيبةٌ خاصة، وكأن الزمن نفسه يهدأ احترامًا لتلك الساعات. بعد الإفطار بدقائق، يتحوّل البيت إلى خلية نحل صغيرة؛ أمي تُسرع في ترتيب الصحون، وأبي يضبط صوت التلفاز، ونحن نتحلّق أمام الشاشة بلهفةٍ لا نخجل منها. كان الأمر موعدًا يوميًا ننتظره كما ننتظر زيارة عزيز. ما إن تبدأ شارة ألف ليلة وليلة حتى يسكن كل شيء. ينساب صوت شهرزاد دافئًا: “بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد…”. كنا نغادر الغرفة الصغيرة إلى عوالم القصور والبحّارة والكنوز، نعيش المغامرة بكل خيالنا، ونرافق شهرزاد وهي تنسج حكاياتها لتنقذ حياتها من سيف شهريار. وعندما يقترب الفجر، كانت تلتفت إليه بحكمة تعرف كيف تؤجّل المصير، فتُوحي بأن في الغد تتمّة أعجب، وتتركه وتتركنا معلّقين بين الدهشة والانتظار. كنتُ أتضايق من صياح الديك، أشعر أنه يسرق منّا الحكاية قبل أن تكتمل.

اشترك بالنشرة الاخبارية

Subscription Form
Scroll to Top