الأحزاب السياسية ليست ترفاً ديمقراطياً كما يشاع، بل هي إحدى أهم الأدوات الأساسية لتنظيم الحياة العامة في الدولة الحديثة. فحين تغيب الأحزاب الفاعلة، لا يختفي الصراع السياسي، بل ينتقل غالباً من المجال المؤسسي إلى أشكال أقل شفافية: الولاءات الشخصية، والعصبيات المناطقية، والاصطفافات الطائفية أو القومية، وتتحول السياسة من تنافس البرامج إلى تنازع النفوذ. ويكتسب هذا المعنى أهمية خاصة في البيئات التي عانت طويلًا من الاستبداد أو من ضعف المؤسسات؛ إذ تميل السلطة المنفردة إلى النظر إلى الأحزاب باعتبارها تهديداً، لا لأنها شريرة بطبيعتها، بل لأنها تكسر احتكار القرار وتفتح المجال أمام التعدد والمساءلة.  ومن هنا يمكن فهم لماذا يخشى المستبد الحزب السياسي: لأنه يخشى ظهور صوت آخر، ويخشى وجود بديل، ويخشى كلمة “لا” حين تتحول من اعتراض فردي إلى موقف منظم له سند شعبي وبرنامجي. غير أن أهمية الأحزاب لا تقف عند حدود تنظيم التنافس السياسي، بل تتجاوز ذلك إلى وظيفة أعمق تتعلق بإنتاج الطبقة السياسية نفسها.

اشترك بالنشرة الاخبارية

Subscription Form
Scroll to Top