في البدء كانت الأم.. تلك الجذوة التي لا تخبو، والحضن الذي يتسع لكل الوجع. في سوريا، حيث تآمرت الجغرافيا على بنيها وتواطأ التاريخ مع الظلم، كانت الأم هي الثابت الوحيد في معادلة متغيرة، هي السند الذي لم ينهار حين انهارت الأعمدة، وهي الصوت الذي ظل يهمس بالحياة في آذانٍ أرهقها الموت. لكن ثمة أمهاتٍ حملن وطأةً مضاعفة، أمهات الجولان، اللواتي كتب عليهن أن يكنّ أولى النازحات وأكثر المتعبين بؤساً، وأصبرهن على امتحان الزمن. منذ متى صار الحزن مهنةً تُتقنها المرأة كما تُتقن الخبز؟ منذ متى صار الانتظار فعلاً يومياً، يُمارَس عند الفجر مع أول أذان، وعند الغروب مع آخر خبر؟ في سوريا، لم يكن للأم أن تختار الدور الذي فُرض عليها؛ فقد استيقظت ذات صباح من ربيع لم يكتمل، لتجد أن البيت الذي بنته حجراً حجراً، وطناً صغيراً تحرسه يداها، قد صار جبهةً، وأن الأبناء الذين أرضعتهم من ثديها صاروا إما شهداء تُغسَّل أجسادهم بالدموع، أو معتقلين تُعدّ لهم الأيام كأنها

اشترك بالنشرة الاخبارية

Subscription Form
Scroll to Top