تدور خلف الكواليس وفي دهاليز المؤسسات العامة معركة صامتة لا يقل أثرها خطورة عن المواجهات المسلحة. إنها معركة الهوية المؤسساتية والثقافية؛ صدام محتدم بين فئتين يحمل كل منهما تصوراً متناقضاً تماماً لشكل الحياة والإدارة. الفئة الأولى تشمل مئات الآلاف من الوافدين والمهجرين قسراً من مختلف المحافظات السورية (دمشق، حمص، حلب، وريفها)، والذين يحملون معهم رغبة عارمة في بناء نموذج إداري مرن ونظيف يعتمد على الكفاءة والشفافية كبديل حقيقي عن المنظومة التي ثاروا ضدها. أما الفئة الثانية، فتتمثل في بقايا الجهاز البيروقراطي والموظفين الذين استمروا في مواقعهم بعد سقوط النظام البائد، والذين تشربوا على مدار عقود “ثقافة الأسد البائد” القائمة على الفوضى المنظمة، المحسوبية، الرشوة، والاستبداد
هذا التناحر لا يقف عند حدود التنافس على منصب أو رتبة وظيفية، بل هو صراع وجودي بين مدرستين: مدرسة تحاول انتزاع حقوقها وبناء مجتمع مؤسساتي سليم، ومدرسة تعتاش على الروتين والفساد، وترى في القانون والشفافية تهديداً مباشراً لامتيازاتها التاريخية ووجودها الاعتباري.
اشترك بالنشرة الاخبارية








