حين تُطفئ المدن عجلات تاريخها، فإنها لا تكتفي بتحديث شوارعها، بل تطوي صفحةً من وجدان أهلها. هذا تماماً ما رصفته أنتويرب البلجيكية في وداعها لأيقونتها، ترامّات “الـPCC” الحمراء والبيضاء، بعد ستة عقود ونصف من الدوران في شرايين المدينة. المشهد كان طقساً جماعياً لاحتضان الذاكرة البصرية، وتذكيراً بأن الحديد حين يعتاد خطوات الناس، يتحول إلى جزء من أرواحهم، وبأن المدن الكبرى لا تُقاس باتساع أرصفتها فحسب، بل بسعة قلوب أبنائها وقدرتهم على احتضان أثر من رحلوا.
هذا الاحتفاء الأوروبي الراقي بالماضي الحركي للمدن، يضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلة شجية وحارقة عن ذاكرتنا المكانية نحن أبناء المشرق، وتحديداً في المدن السورية التي طالما حفظت شوارعها إيقاعات العجلات وحكايات العابرين، وكانت صاعقة الأيام والسنوات اختباراً قاسياً لمدى قدرة الحجر والبشر على حراسة حكاياتهم.
فحين نتأمل تلك العربات الراحلة هناك، تتداعى في مخيلتنا مباشرةً صور إرثنا المدني العريق الذي رافق تحولات المجتمع وأحلامه، ابتداءً من “ترام دمشق” الذي انطلق مع آذان الفجر في أوائل القرن العشرين
اشترك بالنشرة الاخبارية








