في الدول التي عانت من نزاعات طويلة وصراعات دامية، لا يكون السلام مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو عملية عميقة تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي الحالة السورية، تبدو العدالة واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية. فبعد سنوات من الحرب، والانتهاكات الواسعة، والدمار الاجتماعي والاقتصادي، لم يعد مطلب العدالة ترفًا سياسيًا أو شعارًا حقوقيًا، بل أصبح ضرورة وجودية لبقاء الدولة ذاتها. إن التأخير في تطبيق العدالة لا يعني فقط تأجيل المحاكمات، بل يعني تأجيل الاستقرار، وتأجيل المصالحة، وتأجيل المستقبل.
أولى عواقب تأخير العدالة تكمن في تآكل الثقة العامة بمؤسسات الدولة. فحين يشعر المواطن أن القانون لا يُطبق بعدالة، أو أن الجرائم الكبرى تمر دون مساءلة، تتزعزع صورة الدولة كحامٍ للحقوق وكمرجع للإنصاف. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفجوة إلى قطيعة نفسية واجتماعية بين الشعب ومؤسساته. في مثل هذا المناخ، تنتشر الشائعات، وتزدهر نظريات المؤامرة، ويضعف الانتماء الوطني لصالح الانتماءات الضيقة، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو مناطقية.
اشترك بالنشرة الاخبارية








