خرج السوريون، بكل أطيافهم – مؤيدون، معارضون، ورماديون – من تجربة لم تكن مجرد ثورةٍ سياسية، بل زلزالاً وجودياً أعاد تشكيل المجتمع من جذوره. حربٌ لم تكتفِ بإسقاط البيوت، بل تسللت إلى النفوس، فمزّقت الروابط، وأعادت تعريف الإنسان في ذاته وعلاقته بالآخر. قُتل شبابٌ كانوا عماد المستقبل، وامتلأت الجغرافيا السورية بالمقابر، بعضها معلوم، وأكثرها غارق في صمتٍ ثقيل. لم تعد المأساة فردية، بل أصبحت قاعدة عامة: قلّ أن تجد عائلة لم تفقد أحدًا، بل إن عائلاتٍ بأكملها اندثرت من السجل الحيّ. وفي الضفة الأخرى، لم يكن المجتمع القريب من بنية النظام المخلوع بمنأى عن التآكل؛ فقد تسللت إليه هشاشة قاسية: فقر، وانهيارات اقتصادية، وسرقات، وتحولات أخلاقية فرضتها قسوة البقاء. امتهنت فئاتٌ ما لم تكن تتخيله يوماً، ووجد تجار واقتصاديون أنفسهم أمام خسارات فادحة، لا بسبب السوق وحده، بل بفعل منظومةٍ امتصّت ما تبقى من مواردهم، مقابل امتيازاتٍ واهية، أو مجرد ضمان البقاء على قيد الحياة.

اشترك بالنشرة الاخبارية

Subscription Form
Scroll to Top