لم يكن إلغاء محكمة الإرهاب في سورية مجرد قرار إداري بإنهاء عمل محكمة، ولا مجرد إلغاء لقانون أنشأها، وإنما هو ملف قانوني ودستوري يرتبط مباشرة بمرحلة الانتقال من القضاء الاستثنائي إلى القضاء الطبيعي، ومن منطق الاستثناء إلى سيادة القانون.
فمحكمة الإرهاب أُحدثت بموجب القانون رقم /22/ لعام 2012، لملاحقة آلاف السوريين. وبعد سقوط النظام البائد، أصبح وجود هذه المحكمة ومفاعيل الأحكام الصادرة عنها محل مراجعة قانونية ودستورية واسعة.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل كان إلغاء محكمة الإرهاب يحتاج أصلاً إلى قانون جديد من مجلس الشعب، أم أن الإعلان الدستوري كان قد حسم المسألة مسبقاً؟
الإعلان الدستوري حسم المبدأ
الإجابة تبدأ من المادة /44/ من الإعلان الدستوري، التي نصت على أن إنشاء المحاكم وتحديد اختصاصاتها يكون بقانون، مع التأكيد على حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية. كما جاءت المادة /48/ أكثر وضوحاً عندما نصت على إلغاء جميع القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان، وعلى إلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة.
وهنا تظهر المسألة الجوهرية: الإعلان الدستوري لم يكتفِ بالدعوة إلى مراجعة محكمة الإرهاب، بل وضع اتجاهاً دستورياً واضحاً نحو إنهاء القوانين الاستثنائية وإزالة آثارها.
كما أن المادة /51/ من الإعلان الدستوري قررت استمرار العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها. ومن الناحية القانونية، فإن ذلك يفسر الحاجة إلى معالجة تشريعية للقوانين السابقة، حتى لا يبقى التعارض بين النصوص قائماً.
فما هو دور مجلس الشعب؟
هنا تأتي أهمية ما قام به مجلس الشعب في 16 أيلول 2026، عندما أقر بالإجماع مشروع قانون إلغاء محكمة الإرهاب وإبطال مفاعيل أحكامها. ويتضمن المشروع معالجة الدعاوى القائمة، وإحالتها إلى المرجع القضائي المختص بحسب الحالة، فضلاً عن معالجة موضوع الممتلكات المصادرة.
وبالتالي، يمكن التمييز بين مستويين: الأول، المستوى الدستوري، وهو الذي وضع القاعدة والمبدأ: لا مكان للقضاء الاستثنائي، ولا بد من إلغاء القوانين الاستثنائية وإزالة آثار الأحكام الجائرة. والثاني، المستوى التشريعي، وهو الذي يتولى تحويل المبدأ الدستوري إلى إجراءات تفصيلية قابلة للتطبيق: ماذا يحدث للقضايا التي ما زالت منظورة؟ أين تذهب؟ كيف تعالج الأحكام السابقة؟ كيف تعاد الممتلكات؟ ومن هي الجهة التي تملك صلاحية إصدار القرارات اللازمة؟
وهنا تكمن أهمية قانون مجلس الشعب.
الإلغاء ليس نهاية الملف
الخطأ سيكون في الاعتقاد أن إلغاء المحكمة يعني انتهاء الملف بمجرد إغلاق أبوابها.
فالمشكلة الحقيقية ليست في اسم المحكمة فقط، وإنما في الآثار التي تركتها عشرات الآلاف من الملفات والأحكام والإجراءات.
أن مشروع القانون يتعامل مع ملف واسع شمل أكثر من 90 ألف قضية، وأن لجاناً قضائية متخصصة ستتولى معالجة آثار الأحكام وإعادة الممتلكات المصادرة، إضافة إلى حفظ الدعاوى القائمة أو إحالتها إلى القضاء المختص بحسب الحالة.
وهذا يعني أن العدالة لا تتحقق بإلغاء المحكمة وحده، وإنما بإعادة بناء المراكز القانونية للأشخاص الذين تضرروا من الأحكام والإجراءات السابقة.
بين الإلغاء والإبطال ورد الحقوق
هناك فرق قانوني مهم بين إلغاء المحكمة وبين إلغاء مفاعيل الأحكام الصادرة عنها.
إلغاء المحكمة ينهي وجودها واختصاصها، أما إلغاء مفاعيل الأحكام فيعني الدخول إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتعلق بالسجل العدلي، والحقوق المدنية، والأموال المصادرة، والقيود العقارية، والآثار المترتبة على الأحكام السابقة.
وهذا تحديداً ما جعل المادة /48/ من الإعلان الدستوري ذات أهمية خاصة، لأنها لم تتحدث فقط عن المحكمة، وإنما عن مفاعيل الأحكام الجائرة، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على مجلس الشعب وحده، بل تمتد إلى السلطة القضائية والجهات المختصة بتنفيذ القانون.
المطلوب بعد إلغاء محكمة الإرهاب ليس ترك الجرائم بلا محاسبة، وإنما نقل المحاسبة من القضاء الاستثنائي إلى القضاء الطبيعي المختص، وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية وضمانات المحاكمة العادلة.
فالانتقال من محكمة استثنائية إلى القضاء الطبيعي لا يعني إسقاط المسؤولية الجنائية عن من تثبت بحقه جرائم حقيقية، وإنما يعني أن المحاكمة يجب أن تتم أمام الجهة القضائية المختصة، وبموجب قانون واضح، وأدلة قابلة للمناقشة، وحقوق دفاع كاملة.
وهذه نقطة أساسية حتى لا يتحول شعار إلغاء القضاء الاستثنائي إلى شعار آخر لإلغاء العدالة نفسها.
لجان قضائية لمعالجة الملفات
لقد بدأ مجلس القضاء الأعلى، بحسب وزارة العدل، منذ 17 نيسان 2025 بتشكيل لجان قضائية متخصصة لدراسة الملفات ومعالجتها، استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري، وبهدف رد الحقوق ومعالجة الآثار المترتبة على المحاكم الاستثنائية.
واليوم يأتي قانون مجلس الشعب ليضع إطاراً تشريعياً أكثر وضوحاً لهذه المعالجة.
وهنا يجب أن تكون المرحلة المقبلة قائمة على ثلاثة عناوين واضحة: إلغاء الاستثناء، مراجعة الأحكام، ورد الحقوق.
فلا يكفي أن نقول إن محكمة الإرهاب انتهت، بل يجب أن يعرف كل شخص صدر بحقه حكم منها: ما مصير حكمه؟ وما مصير أمواله؟ وما وضعه القانوني؟ وهل ستتم إعادة محاكمته أمام القضاء الطبيعي إذا كانت هناك دعوى تستوجب ذلك؟
سورية أمام اختبار حقيقي
إن إلغاء محكمة الإرهاب يمكن أن يشكل محطة مهمة في بناء دولة القانون، لكن قيمة هذه الخطوة لن تقاس فقط بتاريخ صدور القانون، وإنما بما سيحدث بعده.
فالعدالة الحقيقية لا تكتفي بإغلاق المحكمة، وإنما تعالج آثارها. ولا تكتفي بإلغاء القانون، وإنما تعيد الاعتبار للقانون. ولا تكتفي بإعادة الممتلكات، وإنما تعيد للإنسان مركزه القانوني وكرامته وحقه في محاكمة عادلة.
وبين الإعلان الدستوري ومجلس الشعب، لا ينبغي النظر إلى المسألة باعتبارها تعارضاً بين سلطتين، بل باعتبارها تدرجاً قانونياً من المبدأ الدستوري إلى التنفيذ التشريعي.
الإعلان الدستوري وضع الاتجاه: إنهاء القوانين والمحاكم الاستثنائية وإزالة آثارها.
ومجلس الشعب تولى ترجمة هذا الاتجاه إلى قانون وإجراءات عملية.
أما الاختبار الحقيقي، فهو أن تتحول هذه النصوص إلى عدالة ملموسة لكل من طالته آثار تلك المحكمة.
فالقانون الذي يُغلق محكمة استثنائية لا يكتمل أثره إلا عندما تُفتح أبواب القضاء الطبيعي أمام الجميع، ويصبح القانون وحده هو الفيصل بين الاتهام والبراءة، وبين المسؤولية والحقوق.






