الرئيس الأمريكي دونالد ترمب

بين الضغط الدبلوماسي وفوبيا التدخل العسكري، يطرح الرئيس الأميركي فكرة يرفضها الجميع تقريباً.. فماذا يريد بالضبط؟

في الأسابيع الأخيرة، صار حديث دونالد ترامب عن “دور سوري” في مواجهة حزب الله تكراراً يصعب تجاهله: من قمة مجموعة السبع في فرنسا إلى مقابلة مع “فوكس نيوز”، ومن قوله إن سوريا “قد تقوم بعمل أفضل من إسرائيل” إلى تأكيده أنه “اقترب من تسليم الملف” للرئيس أحمد الشرع. غير أن قراءة متأنية لمجمل ما صدر عن دمشق توضح أمراً واحداً لا لبس فيه: ما يُطرح في واشنطن ليس بالضرورة ما تقبله أو تنويه القيادة السورية، التي حسمت موقفها مراراً بأن لا نية لها لأي تدخل عسكري في الشأن اللبناني.

فالرئيس السوري أحمد الشرع لم يترك مجالاً للتأويل: “ما يُتداول حول نية سوريا الدخول عسكرياً إلى لبنان مجرد شائعات”، وموقف دمشق “ينطلق من السعي إلى وقف الحرب في لبنان، وليس الانخراط فيها”. وكرر ذلك أكثر من مرة، آخرها في مقابلته مع الإعلامي طوني خليفة، حيث شدد على أن دمشق “لا تنوي إلا كل خير للبنانيين”، وأن سوريا “تدعم لبنان دبلوماسياً ولا تحارب حزب الله”. وأوضح مستشار الرئاسة السورية أحمد زيدان أن واشنطن طرحت فكرة الدور السوري، لكن دمشق رفضتها، مؤكداً أن بلاده “لا تنوي القيام بأي تدخل أمني أو عسكري في لبنان”، وأن دعم الدولة اللبنانية يجب أن يمر عبر مؤسساتها الشرعية وليس عبر أي تدخل عسكري خارجي، من أي طرف كان.

سقف واضح من دمشق، وضغط متكرر من واشنطن

هذا التناقض بين تكرار ترامب لطرحه ووضوح الرفض السوري له يكشف شيئاً عن طبيعة الفكرة نفسها: أنها أقرب إلى أداة ضغط تفاوضي أميركي على إيران بالأساس، وربما على إسرائيل نفسها، منها إلى خطة منسقة بين واشنطن ودمشق. فمصادر سورية أكدت أن التصريحات الأميركية “نوع من خلط الأوراق” يندرج في إطار التصريحات التفاوضية وبث رسائل إلى طهران، وأنه “ولغاية الآن لا يوجد طلب أميركي رسمي من دمشق يتعلق بأي شكل من أشكال التدخل العسكري السوري في لبنان”. والأهم أن المصادر نفسها استبعدت تماماً “الدخول في مستنقع الحرب، وإدخال قوات عسكرية بشكل أحادي الجانب”، واعتبرت أنه “من المبكر جداً جداً الحديث عن احتمال دخول قوات سورية مؤازرة للجيش اللبناني”.

وما يعزز هذه القراءة أن الموقف السوري المعلن جاء واضحاً أيضاً من زاوية إقليمية: فما تقترحه دمشق هو دور إيجابي عبر دعم الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها الرسمية وفتح قنوات التواصل بين مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله نفسه، وليس عبر فتح جبهة قتال جديدة. والرئيس الشرع كان واضحاً في قوله إن “أمن لبنان واستقراره يمثلان مصلحة سورية مباشرة”، وإن “أي اضطراب في لبنان ينعكس على سوريا، والعكس صحيح”، داعياً إلى حلول “خارج الصندوق” تتجاوز منطق المواجهة العسكرية التقليدية الذي فشل لعقود في حل الأزمة.

موقف دمشق لم يتغير: الحوار بديل الحرب، ودعم الدولة اللبنانية يمر عبر مؤسساتها وليس عبر السلاح.

ذاكرة ثقيلة: من 1976 إلى 2005

وأي حديث عن “دور سوري” في لبنان يصطدم فوراً، في الوعي اللبناني والسوري على حد سواء، بذاكرة ثقيلة لا يمكن تجاوزها بجملة عابرة. فالتجربة السابقة لم تكن مهمة محدودة الزمن، بل امتدت من 1976 إلى 2005 – تسعة وعشرون عاماً كاملة. دخلت القوات السورية أول مرة بطلب رسمي من الرئيس اللبناني وقتها سليمان فرنجية، وبغطاء من الجامعة العربية بصفتها “قوة ردع عربية”، ومهمتها المعلنة كانت إخماد الحرب الأهلية لا أكثر. لكن المهمة “المؤقتة” تحولت تدريجياً، عبر محطات معقدة شهدت أيضاً اشتباكات مباشرة بين الجيشين السوري واللبناني خلال “حرب التحرير” التي قادها العماد ميشال عون عام 1989، إلى وصاية سياسية كاملة: معاهدة “الأخوة والتعاون والتنسيق” عام 1991 منحتها غطاء قانونياً للبقاء، وتحول عنجر – مقر استخباراتها – إلى عاصمة ظل تُدار منها تعيينات الرؤساء وتشكيل الحكومات.

لم تنتهِ تلك الوصاية بقرار سوري طوعي، بل تحولت إلى انفجار سياسي مفصلي: اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005، وقرار مجلس الأمن 1559 الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية وحل الميليشيات، و”ثورة الأرز” التي أخرجت آخر جندي سوري من الأرض اللبنانية بعد ضغط شعبي ودولي غير مسبوق. هذا التاريخ – الذي عاشته القيادة السورية الجديدة نفسها كجزء من ذاكرة سوريا الجماعية، وليس كحدث منفصل عنها – يفرض سؤالاً مشروعاً: كيف تتحول “مهمة محدودة” إلى ما يشبه الاحتلال لثلاثة عقود؟ الجواب يكمن في غياب جدول زمني واضح وآلية انسحاب مضمونة، وفي تشابك مصالح إقليمية يجعل البقاء أسهل من الرحيل.

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الأمس واليوم: فسوريا 1976 دخلت من موقع نظام إقليمي راسخ، يملك قراراً مركزياً مستقراً منذ سنوات. أما القيادة السورية الجديدة اليوم فتصف نفسها، على لسان رئيسها، بأنها لا تزال في طور بناء الدولة وتثبيت الاستقرار الداخلي بعد سنوات الحرب، وتقدّم نفسها كحالة مختلفة جوهرياً عن النظام السابق، حالة تقيس نجاحها بإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وليس بمدى النفوذ العسكري خارج حدودها. وهذا بالضبط ما يفسر، من منظور دمشق نفسها، رفضها القاطع لتكرار أي مشهد يشبه تجربة الماضي، بصرف النظر عمّا تطرحه واشنطن أو ترفضه تل أبيب.

درس قسد: الضمانة قبل النيات

ويستدعي كثيرون، في معرض الحديث عن قدرة دمشق على إيجاد حلول “بأقل الخسائر”، تجربة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كنموذج لنهج الحكومة السورية الجديدة القائم على التفاوض بدل المواجهة. والاستدعاء له ما يبرره: فاتفاق العاشر من مارس/آذار 2025 بين الرئيس الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي أدى في نهاية المطاف إلى دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتسليم المعابر والموارد، وتأكيد وحدة الأراضي السورية، أي إلى ما تصفه دمشق بأنه نجاح لنهج الحوار الذي تتبناه القيادة الجديدة، مقابل خروج الأطراف الأميركية المنخرطة في الملف بسلاسة ودون أي خسائر تُذكر.

لكن الدقة تقتضي الإشارة إلى أن الطريق إلى ذلك الاتفاق لم يكن خطاً مستقيماً: فقد تعرض التنفيذ لأشهر من التأخير والتعطيل المتبادل، وشهدت حلب اشتباكات وهجمات بمسيّرات قبل أن تُستكمل التفاهمات. وما يستحق التوقف عنده أكثر من “سهولة الحل” هو الدرس الأعمق: أن العبرة ليست في تجنب كل الصعوبات، لكنها في إصرار القيادة السورية على معالجتها بالتفاوض والصبر السياسي بدل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وهو ذات النهج الذي يكرره الرئيس الشرع اليوم بشأن لبنان، حين يصف الحوار بأنه “البديل الوحيد عن الحرب” ويؤكد استعداد دمشق للجلوس مع كل الأطراف اللبنانية دون استثناء، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته في آن واحد.

ما الذي يريده ترامب فعلاً؟

بين هذا كله، يبقى المؤكد أن إحباط الرئيس الأميركي من أداء إسرائيل العسكري في لبنان حقيقي ومُعلن: فقد عبّر صريحاً عن “خيبة أمله” من الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل مع حزب الله، منتقداً أسلوباً عسكرياً لم يحقق له إنجازاً يُذكر منذ سنوات سوى مزيد من الدمار. وهذا الإحباط الأميركي من النموذج الإسرائيلي شيء، وتسويق فكرة بديلة لا تجد قبولاً من الطرف المفترض أن يطبّقها شيء آخر تماماً. فحين رفضت دمشق علناً، ورفضت بيروت أي وجود عسكري أجنبي على أراضيها، سورياً كان أو غيره، يصبح من الإنصاف القول إن واشنطن ما تزال تبحث عن صيغة ضغط فعالة على حزب الله وإيران، أكثر من كونها تملك خطة منسقة مع سوريا ولبنان لتنفيذ أي تدخل ميداني.

وهذا الموقف السوري الثابت، دعم سياسي ودبلوماسي كامل للدولة اللبنانية، ورفض قاطع لأي انخراط عسكري خارج الحدود، هو وحده ما يملك مقومات الاستمرار والمصداقية، لأنه يستند إلى قراءة سورية واعية لتاريخها هي نفسها، ولحدود قدرتها الحالية، وليس إلى رغبة في ملء فراغ إقليمي أو استعراض نفوذ. فما تحتاجه المعادلة اللبنانية ليس مزيداً من الأطراف الخارجية المتدخلة عسكرياً، سواء كانت إسرائيلية أو غير إسرائيلية، بل تحتاج مساراً سياسياً وطنياً تتحمل فيه الدولة اللبنانية بمؤسساتها مسؤوليتها كاملة، بدعم إقليمي يقوم على الحوار وليس على السلاح.

الخلاصة

يبقى التقارب السلمي والتعاون بين دمشق وبيروت، القائم على احترام سيادة كل منهما واستقلال قرارهما، هو الخيار الأمثل والوحيد القابل للحياة فعلياً. وما يُطرح من أفكار في واشنطن قد يتغير من تصريح إلى آخر، لكن الموقف السوري الذي عبّرت عنه القيادة الجديدة مراراً، حوار بدل الحرب، ودولة لبنانية قوية بمؤسساتها بدل الفراغ الذي يملؤه السلاح أو التدخلات الخارجية، هو ما يستحق أن يكون الأساس الذي تُبنى عليه أي معالجة حقيقية ومستدامة للأزمة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top