الرئيس السوري أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة (معرفات رئاسة الجمهورية)

لم تكن كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب بروتوكولي لرئيس دولة يقف على منبر دولي، بل كانت محاولة واضحة لتقديم صورة سياسية متكاملة عن سورية الجديدة: دولة خرجت من الحرب، بدأت تستعيد مؤسساتها، وتبحث عن موقعها الطبيعي في النظامين الإقليمي والدولي.

وفي خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في 23 أيلول/سبتمبر 2026، وضع الشرع عنواناً مختلفاً للمرحلة. فإذا كان قد قال في العام الماضي إن «سورية عادت»، فقد جاء هذا العام ليقول إن «سورية تنهض»، مستعرضاً ما اعتبره إنجازات تحققت خلال عام من المرحلة الانتقالية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطاب. فالمسألة لم تعد مجرد إعلان عودة سورية إلى الساحة الدولية، وإنما محاولة إثبات أن هذه العودة تحولت إلى مسار سياسي ودبلوماسي واقتصادي وأمني قابل للاستمرار.

أولاً: الرسالة الأهم… سورية لم تعد دولة حرب

أراد الشرع أن يقول للمجتمع الدولي إن الصفحة السورية تغيرت. تحدث عن توحيد البلاد من شمالها إلى جنوبها، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، وانطلاق مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار، وبدء مسار العدالة الانتقالية والعمل على معرفة مصير المفقودين.

وهذه الرسائل ليست تفصيلاً في الخطاب. فالدولة التي كانت لسنوات عنواناً للحرب والنزوح والدمار والعقوبات، تريد اليوم أن تقدم نفسها باعتبارها دولة تبحث عن الاستقرار وإعادة البناء.

وقد ذهب الشرع إلى أبعد من ذلك عندما تحدث عن عودة أكثر من 3.5 ملايين نازح ولاجئ، مقدماً ذلك باعتباره مؤشراً على انتقال سورية من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التعافي.

وبغض النظر عن تقييم كل رقم أو كل إنجاز، فإن الرسالة السياسية واضحة: سورية تريد أن ينتقل النقاش الدولي من سؤال: ماذا يحدث في سورية؟ إلى سؤال: ماذا يمكن أن نبني مع سورية؟

ثانياً: سقوط جدار العزلة

ربما كان الجانب الدبلوماسي أحد أكثر أجزاء الخطاب دلالة. فالشرع تحدث عن فتح قنوات تواصل مع نحو 100 دولة، وعن عودة البعثات الدبلوماسية والتواصل الدولي مع دمشق، معتبراً أن سورية بدأت تستعيد موقعها بين الدول.

وهنا تظهر إحدى أهم التحولات التي شهدتها سورية خلال المرحلة الجديدة. فلسنوات طويلة كان الملف السوري يُناقش في العواصم الدولية من دون حضور سوري فاعل في كثير من الأحيان، وكانت سورية في قلب العقوبات والعزلة السياسية.

أما اليوم، فإن الخطاب الرسمي في دمشق يريد أن يثبت أن البلاد أصبحت طرفاً في المعادلات الدولية، لا مجرد موضوع لها.

ولهذا كان قول الشرع إن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى من دون سورية يحمل رسالة تتجاوز دمشق نفسها. فالذي يعنيه هذا الطرح سياسياً هو أن تجاهل سورية في ترتيبات الشرق الأوسط لن يكون، من وجهة نظر دمشق، خياراً قابلاً للاستمرار.

ثالثاً: الرسالة التي ربما لم يتوقعها خصومه

أحد أهم عناصر المفاجأة في الخطاب أن الشرع لم يقدم نفسه أمام العالم باعتباره رئيساً يريد الحصول على اعتراف سياسي فقط، بل قدم مجموعة من الملفات التي أراد من خلالها إظهار أن سورية الجديدة تسعى إلى بناء علاقات طويلة الأمد مع المجتمع الدولي.

تحدث عن مكافحة شبكات المخدرات والجريمة العابرة للحدود، وعن التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعن إعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، وملف المفقودين.

وهذه النقطة مهمة جداً، لأن خصوم أي مرحلة سياسية جديدة يستطيعون التشكيك في الشعارات، لكنهم يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف عندما تبدأ الدولة الجديدة في بناء علاقات ومؤسسات واتفاقيات وتعاون دولي.

ومن هنا يمكن فهم جانب من ردود الفعل السلبية تجاه الخطاب. فمن كان ينتظر أن تظهر سورية الجديدة أمام العالم باعتبارها دولة معزولة أو عاجزة عن التواصل الدولي، وجد أمامه رئيساً يتحدث عن الشراكات الدولية وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين واستعادة العلاقات الدبلوماسية.

وهذه ليست مسألة رأي؛ إنها جزء من الوقائع التي استعرضها الخطاب نفسه، مع ضرورة ترك تقييم مدى تحقق كل منها للمتابعة والاختبار على الأرض.

رابعاً: المفاجأة الأكبر… الجولان لم يسقط من قاموس دمشق

ربما كان أكثر الملفات وضوحاً في خطاب الشرع هو ملف الجولان. فالخطاب الذي تحدث عن السلام والانفتاح والشراكة الدولية لم يتضمن، في المقابل، أي تنازل عن الموقف السوري من الجولان.

بل أكد الشرع أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، واعتبر إجراءات الضم باطلة استناداً إلى قرار مجلس الأمن 497، كما دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وأكد الالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وهنا كانت الرسالة السياسية شديدة الوضوح: الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن السيادة السورية.

والأكثر دلالة أن الشرع لم يغلق باب السلام. فقد تحدث عن إمكانية قيام سلام عادل يحفظ حقوق الأطراف، في الوقت الذي رفض فيه فرض واقع جديد بالقوة على الأراضي السورية.

أي أن المعادلة التي قدمها أمام العالم كانت: سلام نعم… ولكن ليس على حساب السيادة والحقوق.

خامساً: الرد الإسرائيلي يكشف حجم أهمية الرسالة

لم يكن لافتاً فقط ما قاله الشرع، بل أيضاً ما جاء بعد الخطاب. فقد رد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بالقول إن الجولان سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية «إلى الأبد»، وهو رد مباشر على تأكيد الشرع أن الجولان أرض سورية.

وهنا نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي واضح: منبر الأمم المتحدة تحول إلى ساحة مواجهة سياسية بين روايتين حول مستقبل الجولان. الرواية السورية تستند إلى موقفها من القانون الدولي وقرار مجلس الأمن 497، والرواية الإسرائيلية تؤكد استمرار السيادة الإسرائيلية على الجولان. وبالتالي فإن القضية لم تعد مجرد تصريح إعلامي، وإنما أصبحت جزءاً من السجال السياسي والدبلوماسي المباشر بين دمشق وتل أبيب.

سادساً: أين تكمن “خيبة” خصوم الشرع؟

لا يمكن القول إن جميع خصوم أحمد الشرع أصيبوا بالخيبة؛ فالخصوم السياسيون ليسوا كتلة واحدة، ومواقفهم تختلف من قضية إلى أخرى. لكن يمكن الحديث عن خيبة بعض الأطراف من النتيجة السياسية للخطاب. فمن كان يراهن على أن تبقى سورية الجديدة محاصرة دولياً، وجد خطاباً يتحدث عن علاقات مع أكثر من 100 دولة.

ومن كان يريد اختزال المرحلة الجديدة في ملف أمني أو أيديولوجي، وجد رئيساً يطرح أمام الأمم المتحدة ملفات الاقتصاد والإعمار واللاجئين والعدالة الانتقالية والعلاقات الدولية.

ومن كان يعتقد أن الحديث عن السلام يعني التخلي عن الحقوق السورية، سمع موقفاً واضحاً من الجولان. ومن كان يتوقع أن تنكفئ دمشق عن محيطها، سمع من على أعلى منبر دولي أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتجاهل سورية.

لهذا فإن “الخيبة” هنا ليست بالضرورة شعوراً نفسياً يمكن إثباته لدى كل خصم، وإنما يمكن قراءتها سياسياً من خلال الفجوة بين التوقعات التي كان بعض خصوم المرحلة الجديدة يطرحونها وبين الصورة التي حاولت دمشق تقديمها عن نفسها أمام العالم.

سابعاً: الشرع نقل المعركة من الداخل إلى القانون والدبلوماسية

من أبرز ما تغير في الخطاب أيضاً أن المعركة السورية لم تعد تُعرض باعتبارها معركة عسكرية فقط. الشرع تحدث عن القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، واتفاق فض الاشتباك، والعدالة الانتقالية، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أي أن دمشق تحاول نقل جزء كبير من صراعها إلى ساحات القانون والدبلوماسية والمؤسسات الدولية. وهذه نقطة تستحق الانتباه. فالدولة لا تقاس فقط بما تملكه من قوة عسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء مؤسساتها، وإدارة علاقاتها الخارجية، والدفاع عن مصالحها في المنظمات الدولية.

ثامناً: الخطاب وحده لا يكفي

ومع كل ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي ألا يتحول خطاب الأمم المتحدة إلى شهادة نهائية على نجاح المرحلة الانتقالية. فالخطابات السياسية تعكس رؤية أصحابها وأهدافهم، بينما يبقى الاختبار الحقيقي في التنفيذ.

هل ستترسخ وحدة الدولة؟ هل تنجح مؤسسات العدالة الانتقالية في تحقيق العدالة للضحايا؟ هل يعرف مصير جميع المفقودين؟ هل تتحول وعود إعادة الإعمار إلى مشاريع فعلية؟ هل تستمر عودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة وطوعية؟ هل تستطيع سورية تثبيت سيادتها على أراضيها؟ وهل تتحول العلاقات الدولية الجديدة إلى شراكات اقتصادية وسياسية مستدامة؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل المرحلة.

سورية الجديدة أمام اختبار التاريخ

في النهاية، لم تكن أهمية كلمة أحمد الشرع في أنها كلمة لرئيس سوري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فقط. أهميتها أنها جاءت بعد عام من خطابه السابق، ولذلك أراد أن يقارن بين مرحلتين: سورية التي كانت تبحث عن العودة… وسورية التي تقول اليوم إنها بدأت تنهض. قد يختلف السوريون في تقييم هذه المرحلة، وقد يختلف خصوم الشرع وأنصاره حول مستقبلها، وهذا طبيعي في أي مرحلة انتقالية.

لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً: سورية لم تعد القضية التي يمكن للعالم أن يناقشها من دون السوريين. لقد عاد اسم دمشق إلى المنابر الدولية، وعادت قضاياها السيادية إلى النقاش، وعاد الحديث عن الإعمار والاقتصاد واللاجئين والعدالة الانتقالية والجولان إلى صدارة المشهد.

أما خصوم المرحلة الجديدة، فإن أمامهم اليوم واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي كان قائماً قبل سنوات. فالمواجهة لم تعد فقط مع سلطة داخل دمشق، وإنما مع مشروع سياسي يحاول أن يثبت نفسه أمام المجتمع الدولي. والحكم النهائي لن تصدره لا دمشق ولا خصومها ولا وسائل الإعلام. سيصدره التاريخ، وستكتبه أفعال السوريين على الأرض.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top