في قمة الإعلام العربي بدبي، قدم الرئيس أحمد الشرع رؤيته لـ”سوريا المستقبل” بين اقتصاد يستهدف 50 مليار دولار والاستثمار ورفع العقوبات والدور الإقليمي
لم يأتِ ظهور الرئيس السوري “أحمد الشرع” في دبي، اليوم الثلاثاء 15 أيلول 2026، مجرد مشاركة في فعالية إعلامية، بل حمل عرضاً سياسياً واقتصادياً متكاملاً لما تسميه دمشق “سوريا المستقبل”. ففي الجلسة الرئيسية لقمة الإعلام العربي 2026، وضع الشرع الاقتصاد والاستثمار ورفع العقوبات واستعادة الدور الإقليمي في صلب خطابه، معلناً أن سوريا التي كان يُنظر إليها باعتبارها “مشكلة كبيرة” تحولت إلى “فرصة عظيمة”، ومتوقعاً وصول حجم الاقتصاد السوري إلى 50 مليار دولار خلال العام الحالي، مع طموح بالوصول إلى 200 مليار دولار خلال 5 إلى 10 سنوات.
الشرع في قمة الإعلام العربي: سوريا تعرض رواية جديدة
اختارت القمة للشرع جلسة حوارية رئيسية بعنوان “سوريا المستقبل”، في دورة تمتد من 15 إلى 17 أيلول في مركز دبي التجاري العالمي، وتعد الأكبر في تاريخ القمة، بمشاركة أكثر من 400 متحدث من 23 دولة وفي أكثر من 175 جلسة، مع حضور متوقع لنحو 10 آلاف من الإعلاميين والمهتمين بالقطاع.
ومن هذه المنصة، ركز الشرع على فكرة أساسية: أن سوريا تريد الانتقال من دولة كانت تُدار في سياق الحرب والعقوبات إلى دولة تبحث عن الاستثمار والإنتاج والتجارة والاندماج الإقليمي.
وقال إن موقع سوريا الجغرافي يعيدها إلى دور مؤثر في المنطقة، وإن استقرارها يمثل مصلحة مشتركة، مشيراً إلى فرص استثمارية كبيرة يمكن أن تستفيد منها دول الخليج والدول المحيطة وأوروبا.
اقتصاد سوريا.. من 32 ملياراً إلى 50 مليار دولار
احتل الاقتصاد المساحة الأبرز في خطاب الشرع، وبحسب ما عرضه، بلغ حجم الاقتصاد السوري نحو 32 مليار دولار في 2025، بينما يتوقع وصوله إلى نحو 50 مليار دولار خلال 2026. كما تحدث عن هدف أكبر يتمثل في رفع حجم الاقتصاد إلى 200 مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات.
اللافت هنا ليس الرقم وحده، بل الرسالة السياسية التي ترافقه. فالشرع يحاول تقديم الاقتصاد السوري باعتباره مشروعاً قابلاً للنمو، لا مجرد اقتصاد يحتاج إلى مساعدات وإعادة إعمار.
وتحدث في هذا السياق عن تحول اقتصادي نحو نظام أكثر انفتاحاً ودور أكبر للقطاع الخاص، مع السعي لجذب الاستثمارات العربية والأوروبية.
رفع العقوبات يفتح الباب.. لكن الاستثمار يحتاج أكثر من المال
ربط الشرع المرحلة الاقتصادية الجديدة برفع العقوبات، واعتبر أن خروج سوريا من منظومة العقوبات يمثل تحولاً أساسياً في مسار البلاد ويفتح مجالاً أوسع أمام الاستثمار والتجارة.
وأشار إلى وجود مشاريع استثمارية كبيرة ومذكرات تفاهم دخلت حيز التنفيذ، إضافة إلى مشاريع يجري بحثها مع مستثمرين إماراتيين.
لكن انتقال سوريا من مرحلة رفع القيود إلى اقتصاد منتج لا يتوقف على تدفق الأموال وحده. فنجاح هذا التصور يرتبط أيضاً بقدرة الدولة على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وتطوير البنية التحتية، وضبط المؤسسات، وتوسيع دور القطاع الخاص.
سوريا تريد العودة إلى الخريطة التجارية والطاقة
لم يقدم الشرع سوريا كوجهة استثمارية فقط، بل طرح موقعها الجغرافي باعتباره أحد أهم أصولها الاقتصادية، وتحدث عن إمكانية تحول البلاد إلى ممر تجاري آمن لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب، وعن دورها في إمدادات الطاقة، مستنداً إلى موقعها الذي يربط منطقة الخليج والبحر المتوسط والأسواق المحيطة.
هذه الرؤية تمنح الجغرافيا السورية قيمة اقتصادية مختلفة. فبدلاً من التعامل مع الموقع باعتباره عاملاً جيوسياسياً فقط، تحاول دمشق تقديمه باعتباره أساساً لمشاريع النقل والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، برزت الاستثمارات المرتبطة بمرفأ طرطوس وموقع سوريا البحري ضمن الخطاب الاقتصادي الذي يقدّم البلاد كحلقة محتملة في حركة التجارة الإقليمية.
الغذاء والزراعة ضمن الرؤية الجديدة
وسّع الشرع النقاش الاقتصادي ليشمل الأمن الغذائي، مقدماً سوريا باعتبارها دولة تملك إمكانات زراعية يمكن أن تتجاوز احتياجات السوق المحلية.
وتضمنت الرؤية التي عرضها في دبي الحديث عن قدرة سوريا على الإسهام في الأمن الغذائي الإقليمي، في ظل امتلاكها مساحات زراعية وموقعاً يسمح بتطوير الإنتاج والتصدير.
وهذه الرؤية تضع الزراعة ضمن مشروع اقتصادي أوسع، لا كقطاع تقليدي منفصل عن الاستثمار والتجارة، خصوصاً إذا تمكنت سوريا من إعادة تأهيل شبكات الري والطاقة والنقل المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
الرسالة السياسية: الاستقرار جزء من الاقتصاد
لم يفصل الشرع في خطابه بين الاقتصاد والسياسة، وقال إن استقرار سوريا مرتبط بتهدئة الصراعات في المنطقة، وإن خروج سوريا من دائرة الصراع لا يكفي وحده لضمان استدامة الاستقرار الإقليمي. كما شدد على أهمية الدعم العربي في هذه المرحلة.
وهذه الرسالة تعني أن دمشق تربط نجاح مشروعها الاقتصادي ببيئة إقليمية أكثر استقراراً. فالموانئ والطرق والطاقة والاستثمار لا يمكن أن تعمل بمعزل عن الأمن السياسي والحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
وبذلك يتحول “الاستقرار” في الخطاب السوري من مطلب سياسي إلى شرط اقتصادي أيضاً.
الإمارات في قلب الرسالة الجديدة
لم يكن اختيار دبي لاستضافة هذا الخطاب تفصيلاً بروتوكولياً، فالإمارات تستضيف القمة، والشرع التقى على هامشها “محمد بن راشد آل مكتوم”، الذي أكد تفاؤله بعودة سوريا إلى مسار التنمية ومكانتها العالمية. كما عبّر الشرع عن تقديره للدعم الإماراتي والاستضافة، في وقت تتحدث فيه دمشق عن مشاريع استثمارية مع مستثمرين إماراتيين.
وتمنح هذه العلاقة الخطاب الاقتصادي بعداً سياسياً واضحاً. فالشرع لا يقدم سوريا للسوق الخليجية بوصفها دولة خارجة من حرب فحسب، بل باعتبارها مساحة استثمارية يمكن أن ترتبط بمشاريع إقليمية أوسع.
لماذا قمة إعلامية وليست اقتصادية؟
اختيار قمة إعلامية منصة لعرض هذه الرؤية يحمل دلالة بحد ذاته، القمة، التي تجمع قيادات إعلامية وصناع قرار ومؤسسات اقتصادية وإعلامية وشخصيات سياسية من المنطقة، تتيح للشرع الوصول في وقت واحد إلى جمهور واسع من صناع الرأي والمستثمرين والفاعلين الإقليميين.
كما أن عنوان الجلسة نفسها، “سوريا المستقبل”، سمح للشرع بتقديم الرواية السورية الجديدة بصيغة تتجاوز الملفات الأمنية والسياسية اليومية: دولة تعيد بناء مؤسساتها، وتفتح اقتصادها، وتبحث عن موقع في حركة التجارة والطاقة، وتريد استعادة حضورها الإقليمي.
من خطاب إعادة الإعمار إلى خطاب الاستثمار
التحول الأوضح في تصريحات الشرع هو الانتقال من مفهوم “إعادة الإعمار” إلى مفهوم أوسع هو “الاستثمار”.
إعادة الإعمار تفترض بلداً خرج من حرب ويحتاج إلى إصلاح ما دمرته الحرب، بينما الاستثمار يفترض وجود سوق وفرص وربحية وموقع جغرافي وقدرة على النمو.
لهذا كان التركيز على القطاع الخاص، والموانئ، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات الخليجية والأوروبية، جزءاً من محاولة تغيير الطريقة التي يُنظر بها إلى سوريا اقتصادياً.
لكن نجاح هذا التحول سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحويل التوقعات المعلنة إلى مؤشرات قابلة للقياس، وعلى تحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية توفر وظائف وإنتاجاً وإيرادات للدولة.
- محمد جابر






