من حفل توديع الترام في بلجيكا تصوير (رضوان محير) خاص مؤسسة جولان

حين تُطفئ المدن عجلات تاريخها، فإنها لا تكتفي بتحديث شوارعها، بل تطوي صفحةً من وجدان أهلها. هذا تماماً ما رصفته أنتويرب البلجيكية في وداعها لأيقونتها، ترامّات “الـPCC” الحمراء والبيضاء، بعد ستة عقود ونصف من الدوران في شرايين المدينة. المشهد كان طقساً جماعياً لاحتضان الذاكرة البصرية، وتذكيراً بأن الحديد حين يعتاد خطوات الناس، يتحول إلى جزء من أرواحهم، وبأن المدن الكبرى لا تُقاس باتساع أرصفتها فحسب، بل بسعة قلوب أبنائها وقدرتهم على احتضان أثر من رحلوا.

هذا الاحتفاء الأوروبي الراقي بالماضي الحركي للمدن، يضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلة شجية وحارقة عن ذاكرتنا المكانية نحن أبناء المشرق، وتحديداً في المدن السورية التي طالما حفظت شوارعها إيقاعات العجلات وحكايات العابرين، وكانت صاعقة الأيام والسنوات اختباراً قاسياً لمدى قدرة الحجر والبشر على حراسة حكاياتهم.

فحين نتأمل تلك العربات الراحلة هناك، تتداعى في مخيلتنا مباشرةً صور إرثنا المدني العريق الذي رافق تحولات المجتمع وأحلامه، ابتداءً من “ترام دمشق” الذي انطلق مع آذان الفجر في أوائل القرن العشرين (تحديداً منذ عام 1907)، عابراً ساحة المرجة بكل صخبها وتجارتها، متسللاً نحو العفيف وأزقتها الهادئة، ومخترقاً باب توما برائحة التاريخ وعراقة الحارات القديمة، مروراً بحلب الساحرة التي عرفت قطاراتها الكهربائية وشوارعها العريضة ذات النبض التجاري الفريد وحركة الأسواق النابضة بالحياة. ولم تكن تلك البدايات مقتصرة على القضبان وحدها، بل تجسدت لاحقاً في باصات النقل الداخلية الحمراء ذات الطابقين التي غزت شوارع دمشق وحلب منذ منتصف القرن العشرين (في حقبتي الخمسينيات والستينيات وما بعدهما)، لتصبح تلك الأيقونات تمنح جالس مقعدها العلوي الأمامي شعوراً بالتحليق فوق تفاصيل المدينة وسكّانها، كأنما يطلّ المرء من نافذة طائرة ورقية على بساتين دمشق أو أحياء حلب القديمة وأزقتها الملتوية، وصولاً إلى حكايات “السيرفيس” والتكسي العمومي التي رافقت تفاصيل يومياتنا لعقود طويلة، وتحولت إلى صالونات متنقلة تتسع لهموم الناس وأفراحهم، وتضج بأحاديث الصباح المترعة برائحة القهوة والياسمين وأشرطة الكاسيت المعلقة كتمائم صغيرة تصدع بأصوات العمالقة وتطرد وحشة الطرقات.

تلك الوسائط لم تكن قطع حديدية تسير على سكك أو عجلات، بل كانت مسارح صامتة لاجتماع العائلات، ودفاتر مفتوحة لقصص الحب الصامتة، وشهوداً على تحولات مجرّدة وموجعة في آنٍ واحد. كانت الحاضنة الدافئة التي يتقاسم فيها الغريب مع الغريب سكون الصباح أو تعب الظهيرة، حيث يقطع المحصل التذاكر بآلته المعدنية النحاسية وسط إيقاع مألوف يتكرر كل يوم كأنه نبض قلب واحد للمدينة، وحيث تُصنع ذكريات الطفولة على زجاج نديّ ترسم عليه أصابع الصغار قلوباً وأشكالاً تتلاشى مع حرارة الأنفاس.

الأمم الحية هي التي تقرأ تاريخها في كل تفصيل، لا في الكتب والمتاحف الكبرى وحدها، بل على أرصفة الشوارع، وفي تصاميم المركبات التي حفظت وجوه أجدادنا وأسرارهم. وحين تتسابق مدن العالم لحفظ هذا الإرث المتحرّك من النسيان، فإنها تحمي هويتها من التآكل تحت وطأة الحداثة العشوائية، وتصون ذاكرتها الجمعية من أن تذوب في زحام الزمن السريع.

ما فعلته أنتويرب توديع لقطار هو درس بليغ في وفاء المدن لذاكرتها. وهو يدعونا بكل ما تعجّ به الذاكرة السورية من غنى، وحنين، وتفاصيل دافئة، ومن أرصفة حملت أوجاع الفراق وأحلام اللقاء، ومن شرفات شهدت زغاريد العائدين ودعوات الأمهاتإلى إعادة الاعتبار لكل حكاية تركناها على مقعد حافلة، أو زاوية ترام قديم، أو نافذة باص تعانق غبار الشام وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودير الزور وكل شبر من هذا المشرق الحبيب، لتبقى عجلات الذاكرة دائرة، ولا تموت المدن في قلوب محبيها مهما اشتدت عواصف النسيان.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top