مفتش أسلحة تابع للأمم المتحدة يجمع العينات خلال تحقيقات في عين ترما، بالقرب من دمشق 2013. المصدر DW

بينما تتصدر أحكام الإعدام الفردية عناوين الصحف، تتكشف في الشمال السوري قصة أعقد بكثير: عشرات الصواريخ والقنابل الكيماوية، وثمانية عشر موقوفا، وملف قد يفضح أن “العدالة” التي نراها اليوم ليست سوى الطبقة الأولى من جبل جليد.

في مايو/ أيار الماضي، وبينما كانت أنظار السوريين معلّقة على قاعات المحاكم في دمشق، كانت فرق سورية تعمل بصمت -بالتعاون مع مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية- في مواقع غير معلنة على طول الساحل السوري والمناطق الوسطى. النتيجة: أكثر من سبعين صاروخا وقنبلة جوية، ومواد خام لإنتاج غاز السارين من بينها مادة الهكسامين، وذخائر كيماوية لم يُفصح عنها من قبل. جرى توقيف ثمانية عشر شخصا يُشتبه بتورطهم في البرنامج. والمهمة، بحسب المنظمة الدولية، لم تكتمل بعد، فثمة ما يصل إلى مئة موقع آخر ينتظر التفتيش.

هذا الاكتشاف لا يحمل الدراما البصرية لحكم إعدام ينطق به قاضٍ في قاعة مكتظة. حيث لا صراخ ذوي ضحايا، ولا عناوين عريضة تتصدّر نشرات الأخبار المسائية. لكنه، في جوهره، قد يكون الملف الأكثر دلالة على ما إذا كانت سوريا الجديدة قادرة فعلاً على تفكيك آلة القمع، أم أنها تكتفي بمعاقبة من نفّذوا الأوامر بينما يبقى من صمّم البرنامج وموّله وغطّاه بعيدا عن أي مساءلة.

فرق بين “من قتل” و”من صمّم آلة القتل”

عاطف نجيب، الذي حُكم عليه بالإعدام قبل أيام، كان ضابطا ميدانيا نفّذ حملة قمع في محافظة واحدة. أما برنامج الأسلحة الكيماوية فمختلف بطبيعته: فهو ليس فعلا ارتكبه فرد في لحظة غضب أو انفلات أمني، هي منظومة صناعية وعسكرية متكاملة، احتاجت إلى كيميائيين ومهندسين، وخطوط إمداد للمواد الخام، وقيادة عسكرية تُصدر أوامر القصف، وطيارين ينفذونها، وغطاء سياسي ودبلوماسي يحمي البرنامج من الرقابة الدولية لعقد كامل على الأقل.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وثّقت من قبل تسع حوادث استخدام منفصلة لهذا السلاح على يد قوات الأسد، من بينها هجوم دوما عام 2018 الذي قتل فيه الكلور 43 شخصا موثقا بالاسم، وهجوم الغوطة الشرقية عام 2013 بغاز السارين الذي أودى بحياة نحو 1400 إنسان. تحقيقات أممية ودولية خلصت إلى أن سلاح الجو السوري نفّذ هجوم دوما انطلاقا من قاعدة الضمير، وأن قوات روسية كانت متمركزة في القاعدة ذاتها وقت الهجوم. بعبارة أخرى: هذا لم يكن “جريمة فرد”،كان جريمة دولة، بمشاركة أو تغطية من حليف خارجي.

سؤال لا يملك السوريون وحدهم إجابته

هنا تكمن المفارقة: يمكن لمحكمة دمشق أن تحاكم عاطف نجيب وتحكم عليه، لأن الجريمة المنسوبة إليه محلية، والفاعل معروف، والضحايا يشهدون أمام القضاء بأنفسهم. لكن من قرر تصنيع السارين؟ من وقّع على أوامر القصف؟ ومَن مِن خارج سوريا، أمّن الغطاء الدبلوماسي الذي جعل تسع هجمات كيماوية موثقة تمر دون رادع حقيقي طوال سنوات؟ هذه أسئلة تتجاوز حدود محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل، وتتطلب تعاونا دوليا لم يعد مضمونا اليوم بعد سقوط النظام الذي قدّم غطاء سياسيا له لسنوات.

هناك من يرى في تعاون دمشق الجديدة مع مفتشي لاهاي إشارة مشجعة: حكومة كانت غائبة عن التعاون مع المجتمع الدولي باتت اليوم تفتح مواقع سرّية وتسلم موقوفين، بعد أن كان النظام السابق -بحسب مواقف غربية متكررة- يرفض التعامل بجدية مع فرق التحقيق الدولية ويُغرق الملف بروايات مضادة. هذا التحول، إن استمر، قد يمثل سابقة نادرة لدولة خارجة من نزاع تفتح ملف أسلحة الدمار الشامل الخاصة بنظامها السابق طواعية.

لكن آخرين يحذّرون من أن توقيف ثمانية عشر شخصا -مهما كانت رتبهم- قد يتحول بسهولة إلى “عدالة الوسطاء”: محاسبة الكيميائيين والفنيين الذين نفّذوا الأوامر، بينما تبقى الحلقة الأعلى -من اتخذ قرار الاستخدام، ومن أدار غطاءه السياسي محليا ودوليا- بعيدة عن أي منصة قضائية، إما لأنها هربت خارج البلاد، أو لأن محاسبتها تستدعي مواجهة دول أكبر لا تملك دمشق الجديدة رفاهية مواجهتها الآن.

الاختبار الحقيقي لعدالة ما بعد الأسد

إذا كانت أحكام الإعدام الفردية، كحكم عاطف نجيب، تمنح السوريين شعورا سريعا بأن القانون عاد إلى بلدهم، فإن ملف الكيماوي هو الذي سيُظهر ما إذا كانت هذه العدالة تملك عمقا مؤسسيا حقيقيا. فالفارق بين الاثنين ليس فارقا في درجة الجريمة فحسب، إنما في نوع المساءلة المطلوبة: الأولى تحتاج شجاعة قضائية محلية، والثانية تحتاج إرادة سياسية تمتد إلى ما هو أبعد من حدود سوريا -نحو موسكو، ونحو كل من ساعد في حماية هذا البرنامج من العقاب طوال سنوات الحرب.

وحده الزمن سيكشف أي الاختبارين ستنجح دمشق في اجتيازه: تسليم الجناة الأفراد لحبال المشانق، أم تفكيك المنظومة التي صنعت جرائمهم من الأساس.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top