في زوايا الأسواق الشعبية، وعند إشارات المرور المزدحمة، يقف أطفال صغار يبيعون علب المناديل أو أكياس البسكويت، بعيونٍ تحمل تعباً أكبر من أعمارهم. هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد باعة متجولين، هم شهود أحياء على حربٍ طويلة تركت خلفها جيلاً كاملاً بلا مظلة حماية، وبلا من يسأل عنهم بعد أن غابت المدرسة، وغاب الأب، وغاب الأمان. لكل طفل من هؤلاء حكاية. طفل فقد والده في القصف، وآخر تشرد مع عائلته من مدينة إلى أخرى بحثاً عن مأوى، وثالث يعيل إخوته الصغار بعد أن أنهك الفقر بيته المتصدع. الحرب التي شنها نظام الأسد البائد على شعبه لم تُخلّف دماراً في الحجر فقط، تركت أثراً أعمق في الإنسان، وتحديداً في أضعف حلقاته: الطفل. اليوم، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تتحمل مسؤولية تاريخية أمام هذا الملف. المطلوب ليس بياناً أو أقوال أو حملة توعية موسمية، المطلوب تدخل عاجل وممنهج يعيد لهذا الطفل حقه في الطفولة، وحقه في مقعد دراسي، وحقه في أن يكبر إنساناً وليس رقماً في إحصائيات العمالة المبكرة. الحل يبدأ بخطة واضحة: حصر ميداني دقيق لأطفال الشوارع في كل محافظة، ومتابعة كل حالة على حدة، لأن كل طفل يحمل ظرفاً مختلفاً يستدعي معالجة مختلفة. بعد ذلك تأتي مرحلة إعادة الإدماج، عبر برامج تربوية وتعليمية تراعي الفارق العمري والفجوة الدراسية التي عاشها هؤلاء الأطفال سنوات طويلة بعيداً عن الصفوف. الدعم المادي لن يكون رفاهية، هو حق يفرض وهو الضمانة الوحيدة التي تجعل الأسرة الفقيرة تختار المدرسة على حساب لقمة العيش التي يوفرها عمل الطفل في الشارع. ولضمان استمرارية هذا المشروع، يمكن للوزارة أن تفرض مساهمات مالية منظمة على المحال التجارية الكبرى والشركات والوكالات العاملة في البلاد، ضمن إطار قانوني واضح يحدد النسبة والآلية، بحيث تتحول هذه الموارد إلى صندوق دائم لدعم تعليم أطفال الشوارع وتأمين حياة كريمة لهم ولأسرهم. هذا النوع من التمويل المجتمعي معمول به في دول كثيرة خرجت من أزمات مشابهة، وأثبت قدرته على تحويل الأزمة إلى مشروع تنموي مستدام. التأخير في معالجة هذا الملف له ثمن باهظ. الطفل الذي يُترك اليوم بلا رعاية، قد يجد نفسه غداً فريسة سهلة لشبكات العصابات وتجارة المخدرات، التي تستغل حاجته المادية وغياب الرقابة عنه. حماية أحلام الطفولة مسؤولية وبعد ذلك هي استثمار مباشر في أمن المجتمع واستقراره على المدى الطويل. سوريا التي خرجت من عباءة الاستبداد تستحق جيلاً من الأطفال يكبر بكرامة، وليس جيلاً يكبر في الشارع. ووزارة الشؤون الاجتماعية اليوم أمام فرصة حقيقية لتكون صاحبة السبق في صياغة نموذج وطني ناجح، يعيد لكل طفل حقه في مدرسة، وفي بيت آمن، وفي غدٍ يستحقه.













