مضيقي هرمز وباب المندب (مؤسسة جولان)

قبل أن تبلغ الحرب سوريا، تبلغها فاتورتها. وفي ثلاثة أسابيع تبدّلت الحسابات في واشنطن وتل أبيب معاً. ففي 3 تشرين الثاني خسر ترامب مجلسي الكونغرس لصالح الديمقراطيين، وفي 7 تشرين الثاني قرر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، على أن يتسلم التكليف رسمياً اليوم. وعلى الأرض يواصل الحوثيون ضرب السعودية، وتواصل قطر وساطتها بين واشنطن وطهران، ويبقى باب المندب مفتوحاً تحت التهديد.

هذه التطورات تفتح مسارين متعاكسين أمام المنطقة: ضربة كبيرة لإيران تُغلق معها المضائق، أو تهدئة تُنهي الحرب على مراحل. وتقف سوريا أمام سؤالين جديدين مع كل مسار: هل ترسل جنوداً إلى اليمن بطلب سعودي، وهل تنضم إلى حلف مكة؟

أولويات المرحلة

واشنطن: حسم الديمقراطيون مجلس الشيوخ (54 مقعداً مقابل 44 حتى الآن) ومجلس النواب (أكثر من 250 مقعداً)، وربط ناخبون كثيرون تصويتهم بالأسعار والحرب على إيران. ما زال ترامب يلمّح إلى استئناف الضربات، وقال في الوقت نفسه إن اتفاقاً مع طهران “قد يحدث”. ويباشر الكونغرس الجديد عمله في كانون الثاني بأدوات تمويل ورقابة تضيّق على أي حرب جديدة.

تل أبيب: أفرزت انتخابات 27 تشرين الأول برلماناً بلا أغلبية: 53 مقعداً لكتلة نتنياهو، و48 للمعارضة، و19 للأحزاب العربية. أوصى 67 نائباً بآيزنكوت مقابل 46 لنتنياهو، وأمامه 28 يوماً لتشكيل الحكومة قابلة للتمديد 14 يوماً. يبقى نتنياهو رئيساً للحكومة إلى أن تنال حكومة جديدة الثقة، وتفيد تقارير بأنه يضغط على ترامب لضرب إيران بعد انتخابات التجديد.

طهران: تتفاوض عبر الوساطة القطرية على اتفاق مرحلي يمهّد لمحادثات نووية ولإعادة فتح مضيق هرمز، وتشترط تلبية شروطها أولاً: رفع العقوبات النفطية، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، والإفراج عن أموال مجمدة. وتتوعد بردّ “بلا حدود جغرافية” على أي هجوم. وقال مسؤول إيراني كبير في 3 تشرين الثاني إن الطرفين ما زالا بعيدين عن اتفاق. انقضت الانتخابات الأمريكية التي قيل إنها سبب مماطلة طهران، وبقيت الشروط على الطاولة.

موسكو: تعرض الوساطة، وفي 16 تشرين الأول علّق ترامب جزءاً كبيراً من عقوبات روسيا ورسومها.

الرياض: تحمي أجواءها وتدعم هجوم اليمن لاستعادة محيط باب المندب، وتجمع الدعم من حلفائها. ووقّعت مع دمشق في 4 تشرين الثاني اتفاق تعاون دفاعي بين وزارتي الدفاع، مع قروض ميسّرة بقيمة 403 ملايين دولار.

الحضور الغربي وحلف مكة

لم تعد السعودية وحدها في مواجهة الصواريخ والمسيّرات. ففي 20 تشرين الأول أعلنت بريطانيا إرسال مقاتلات تايفون لحماية المدن والبنية التحتية السعودية، على أن تقتصر مهامها على الاعتراض دون ضربات داخل اليمن. وسبقتها بطائرة تزويد بالوقود ومستشارين عسكريين، ثم طائرة نقل من طراز A400M.

ووافقت فرنسا على نشر أصول دفاعية وأفراد عسكريين، بينما يعمل أكثر من مئة مستشار أمريكي في قيادة مشتركة جديدة تقدم الاستخبارات ودعم الاستهداف. وعلى الضفة الإسلامية وقّعت السعودية وتركيا وباكستان حلف مكة للدفاع المشترك في 7 آب، ويعدّ الاعتداء على أحدها اعتداءً على الجميع. وأعلنت الدول الثلاث في 5 تشرين الأول بدء تنفيذ التزاماتها ونشر قوات في السعودية، ولم تعلن أنقرة ولا إسلام آباد حتى الآن هجمات على الحوثيين.

هذا تحالف دفاعي بالمعنى العملي وإن لم يُعلن حلفاً رسمياً، وهو يعكس إدراكاً غربياً وإسلامياً بأن أمن البحر الأحمر وإمدادات الطاقة السعودية أصبحا جزءاً من أمن أوروبا والإقليم. لكنه يحمل خطراً أيضاً: كلما اتسع الحضور الأجنبي، توسعت دائرة الأهداف المحتملة.

ثلاثة مسارات أمام المنطقة

تغيير الحكومة في إسرائيل لا يعني تلقائياً تغيير الهدف تجاه إيران. فآيزنكوت رئيس أركان سابق، ويطرح “حكومة طوارئ وطنية” على أساس أربعة مبادئ، منها تدمير القدرة العسكرية والحكمية لحماس. وما زال بعيداً عن الثقة: يحتاج 61 صوتاً، ويدعوه نتنياهو إلى “حكومة وحدة” تضم كل حلفائه، وهو يرفض الجلوس تحت قيادته. وإذا أخفق في المهلة ينتقل التكليف إلى مرشح آخر، وقد يكون نتنياهو. لذلك يتوزع المشهد على ثلاثة مسارات.

المسار الأول: ضربة موجعة وإغلاق المضيقين

ممكن أن يحدث هذا إذا حسم ترامب قراره بعد الانتخابات وانضمت إليه الحكومة الإسرائيلية، سواء بقيادة نتنياهو أو بقيادة آيزنكوت. تتوعد إيران بردّ بلا حدود جغرافية، وتتحدث تقارير عن مئات من ضباط الحرس الثوري في اليمن يدعمون الحوثيين في مسعى لإغلاق باب المندب. عندها يبقى هرمز مغلقاً ويُغلق باب المندب معه، ويخسر العالم طريقه الأصلي وبديله. وتحدث محللون عن برنت قرب 120 دولاراً في هذا السيناريو. أما الضغط الداخلي الأمريكي فيخفف الاحتمال دون أن يلغيه: الكونغرس الجديد لا يستلم مهامه قبل كانون الثاني، وفانس نفسه ربط الخسارة الانتخابية بالحرب.

المسار الثاني: حرب صورية تحفظ ماء الوجه ثم تهدئة

نموذجه بدأ يظهر في ضربات “دفاعية” محدودة على جزيرة قشم بين 30 تشرين الأول و3 تشرين الثاني، يعلن بعدها ترامب أنه ردّ، ثم يمرّ اتفاق مرحلي برعاية قطر يعيد فتح هرمز. وهذا المسار يناسب رئيساً خسر الكونغرس ويحتاج إلى خفض الأسعار قبل أي معركة جديدة. وللمسار سابقة: حين وُقّع الاتفاق المرحلي في حزيران هبط برنت إلى قرابة 79 دولاراً. لكن الاتفاق ذاك انهار في الصيف، ولذلك يبقى الحذر واجباً. وحتى في هذا المسار قد تستمر حرب اليمن بمعزل عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، فيبقى خطر باب المندب قائماً بدرجة أقل.

المسار الثالث: المراوحة

لا اتفاق ولا ضربة كبرى: برنت قرب 105 دولارات بعد أن تراجع نحو 6% في 2 تشرين الثاني على أمل التسوية، وضربات متقطعة، وهجمات حوثية مستمرة. وما دام آيزنكوت لم ينل الثقة وترامب لم يحسم، يبقى هذا المسار الأقرب في الأسابيع القليلة المقبلة. وكلفته على سوريا أسعار مرتفعة ومستقرة، دون صدمة جديدة ودون تراجع.

لماذا باب المندب هو الخطر الأكبر؟

أعاقت الحرب مرور النفط عبر هرمز بحدة، فأعادت السعودية توجيه صادراتها عبر خط الشرق-الغرب إلى ينبع على البحر الأحمر. وبذلك قفز مرور النفط عبر باب المندب إلى 8.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني. ومنذ أن أعلن الحوثيون حصار الشحن السعودي في 20 تموز تراجعت العبورات إلى نحو النصف، وارتفعت أجور الناقلات.

والجبهة ما زالت مفتوحة. سيطر الحوثيون في منتصف أيلول على المخا وجزر قرب المضيق، ثم أعلنت القوات اليمنية الموالية للرياض في 5 و6 تشرين الأول استعادة المخا وذباب ومحيط باب المندب، وسط نفي حوثي. وبحسب روايات الطرفين لم يحسم القتال بعد: أعلنت القوات الحكومية في 5 تشرين الثاني السيطرة على سلسلة جبلية في الجوف، وقال الحوثيون في 6 تشرين الثاني إنهم سيطروا على مواقع في جبهة خبوب قرب المضيق. وتتواصل الهجمات الحوثية على المطارات السعودية.

المضيق لم يُغلق فعلياً بعد، والحوثيون يقولون إن الملاحة فيه طبيعية وإن أهدافهم سعودية فقط. لكن الشركات لا تنتظر الإغلاق الكامل لتغيّر مسارها. وإغلاقه مع هرمز يعني أن العالم خسر طريقه الأصلي وبديله معاً.

وقد حذّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية من أن تعطل أحد المضيقين قد يدفع برنت فوق 100 دولار. وبلغ برنت ذروة جديدة في نهاية تشرين الأول مع توقع ضربة أمريكية بعد الانتخابات، ثم تراجع نحو 6% في 2 تشرين الثاني إلى قرابة 105 دولارات على أمل التسوية. هذا السعر الذي يتحرك بالخبر وحده يختصر هشاشة المرحلة.

أثر ذلك على سوريا

سوريا تستورد المحروقات بحراً وتربط أسعارها بالدولار منذ تشرين الثاني 2025. لذلك حين ارتفع النفط رفعت الشركة السورية للبترول الأسعار بين 17 و29% في أيار. وفي 13 أيلول قفز سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة بزيادة تقارب 40%، وسط احتجاجات في بعض المناطق. ومنذ شباط تضاعف سعر المازوت أكثر من مرتين، بينما ارتفع برنت نحو 44%، أي أن الوقود المحلي ارتفع بوتيرة أسرع من النفط نفسه.

وتحركت الحكومة بعد الاحتجاجات. ففي 17 أيلول طرحت ثلاثة أنواع من المازوت: مدعوم بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، ومحسّن بسعر 150 ليرة، ومستورد بسعر 175 ليرة. وأعلنت إعادة تشغيل مصافٍ محلية صغيرة بطاقة نحو 35 ألف برميل يومياً. هذه خطوات في الاتجاه الصحيح، وهي تحتاج إلى سند أكبر إذا أُغلق المضيقان، لأن أثر الإغلاق سيتضاعف.

والقاعدة أن المازوت يحرّك كل شيء: النقل والمولدات والمخابز والزراعة، فيسري الغلاء من محطة الوقود إلى رغيف الخبز.

أكثر المواد تضرراً:

  • الطاقة: المازوت والبنزين وأسطوانات الغاز.

  • الغذاء الأساسي: الخبز والطحين والقمح، بسبب كلفة النقل والشحن والأسمدة.

  • الكهرباء: وكل ما يعتمد على المولدات.

  • الخضار والفواكه: لأن كلفتها كلفة نقل.

  • السلع المستوردة عموماً: بسبب أجور الشحن والتأمين البحري.

سوريا بين اليمن وحلف مكة

أضاف الأسبوعان الماضيان ملفاً جديداً إلى طاولة دمشق، وهو الأثقل في هذه المادة: طلب سعودي بقوات سورية في اليمن، وحلف دفاعي يفتح بابه أمام سوريا.

بعد لقاء الرئيس أحمد الشرع بولي العهد محمد بن سلمان في 6 تشرين الأول، نقلت رويترز وأكسيوس عن مسؤول أمريكي أن الرياض طلبت من دمشق نشر قوات ضد الحوثيين، وأن الخيارات تتراوح بين دعم دفاعي يحمي الأراضي السعودية وإرسال قوات تشارك في عمليات هجومية إلى جانب القوات اليمنية. وتحدثت تقارير عن أعداد قد تبلغ عشرين ألف جندي. وجاءت الروايات السورية متضاربة: نفى مستشار الرئاسة الإعلامي أحمد موفق زيدان وجود طلب سعودي، وقال دبلوماسي سوري إن أي تعاون سيجري عبر القنوات الرسمية وفي إطار الاتفاقيات الثنائية.

وفي 4 تشرين الثاني زار الشرع الرياض للمرة الثانية خلال أقل من شهر، ووُقّع اتفاق تعاون دفاعي بين وزارتي الدفاع لم تُعلن بنوده، إلى جانب قروض ميسّرة بقيمة 403 ملايين دولار من الصندوق السعودي للتنمية لقطاعات الطاقة والإسكان والصحة وغيرها. وكان وزير الخارجية أسعد الشيباني قد قال في 31 تشرين الأول إن مناقشات جارية لتقييم دخول سوريا حلف مكة. وينص الحلف على أن العضوية الجديدة تحتاج إلى موافقة الدول المؤسسة بالإجماع.

الفرص:

  • مظلة ردع تحمي سوريا من التوغلات الإسرائيلية وتمنحها سنداً سياسياً.

  • إعادة بناء الجيش بتمويل سعودي وخبرة تركية وقدرات باكستانية وتصنيع دفاعي مشترك.

  • تدفق مالي سعودي لقطاعات الطاقة والإسكان والصحة يخفف ضغط الأسعار.

المخاطر:

  • بند “الاعتداء على أحدنا اعتداء على الجميع” يربط قرار الحرب والسلم بحسابات الرياض وأنقرة وإسلام آباد، ويضع سوريا في مرمى ردود حوثية وإيرانية. وقد هدد وزير داخلية عراقي سابق بـ”ضربات حوثية مدمّرة” وبهجمات “من جبهات أخرى” إذا أرسلت دمشق جنوداً.

  • جيش ما زال يعيد بناء نفسه، ولن يغيّر وحده مسار حرب اليمن.

  • توتر طائفي داخلي، فنشر قوات ضد جماعة شيعية يقلق شريحة من السوريين.

  • اعتماد اقتصادي على الرياض يجعل الرفض مكلفاً والقبول مكلفاً.

  • أي انخراط في المسار الأول يضع سوريا في قلب الحرب ويضاعف فاتورة الوقود عليها.

تبدو الصيغة الأقل كلفة على سوريا هي دعم دفاعي (دفاع جوي وتدريب ومستشارون) يقابل التمويل السعودي، مع تأجيل أي مشاركة هجومية برية، وربط قرار الانضمام إلى الحلف بضمانات مكتوبة حول حدود التزامات سوريا. وفي المسار الثاني تزداد قيمة العضوية كمظلة سياسية وتقل حاجة الرياض إلى جنود سوريين.

ما المطلوب من الحكومة السورية؟

  • مخزون: احتياطي استراتيجي من النفط والمشتقات والقمح يكفي لعدة أشهر، وشراء آجل لتثبيت الأسعار قبل القفزة.

  • تنويع المصادر: ألا يمر كل شيء عبر ممر واحد، مع الاستفادة من خط الغاز العربي الذي اكتمل مقطعه الأخير بين الحدود الأردنية والتركية.

  • إنتاج محلي: رفع إنتاج النفط والغاز والطاقة الشمسية، وتشغيل المصافي بأقصى طاقتها، وإتمام خطة المصافي الصغيرة التي أُعلنت في أيلول.

  • حماية الخبز: دعم موجَّه للأسر الأشد فقراً بدل رفع الأسعار على الجميع، وتوسيع نموذج المازوت المدعوم الذي بدأ في أيلول.

  • توظيف القروض السعودية: توجيه حصة من قروض الـ403 ملايين دولار إلى الطاقة والمخزون الغذائي قبل أي بند آخر.

  • خطتان جاهزتان: خطة طوارئ لإغلاق المضيقين، وخطة لخفض الأسعار بالسرعة نفسها التي رُفعت بها عند أي تراجع في الكلفة، كما حدث في تشرين الثاني 2025.

  • شفافية في القرار العسكري: أي قرار بإرسال قوات إلى اليمن أو بالانضمام إلى حلف مكة يُعلن للسوريين بحدوده وكلفته ومقابله الاقتصادي، ولا يُترك للتسريبات.

  • ضبط الأسواق: مراقبة الأسواق لمنع الاحتكار، وإعلان التسعير بوضوح بدل التعديل الصامت.

ما الذي يمكن أن نراقبه في الأسابيع المقبلة؟

  • 6 كانون الأول: نهاية مهلة آيزنكوت البالغة 28 يوماً، وتمتد حتى 20 كانون الأول إذا مُدّدت 14 يوماً. نيله الثقة أو إخفاقه يحدد من يقرر في تل أبيب.

  • قرار ترامب: ضربة أم اتفاق مرحلي برعاية قطر يعيد فتح هرمز.

  • جبهة المخا وباب المندب: صمود المكاسب الحكومية أو تقدم الحوثيين، واستمرار الهجمات على المطارات السعودية.

  • قرار دمشق: الرد على الطلب السعودي، وموعد البت في حلف مكة.

  • برنت: البقاء فوق 100 دولار أو العودة إلى ما دونه.

  • المحروقات في سوريا: أي تعديل جديد على أسعار المازوت والبنزين والغاز.

المواطن السوري لا يملك هامش احتمال إضافياً. وسواء انتهت الأحداث بضربة أو بتسوية، فالحكومة التي تتحرك الآن بأقل كلفة ستوفر على نفسها غداً أن تتحرك بأعلى كلفة.

 
 

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top