ما إن طُرح موضوع منح المرأة السورية جنسيتها لأطفالها حتى ظهرت اعتراضات كشفت عن عقلية ما زالت تنظر إلى المرأة من موقع التبعية للرجل حتى في حقوقها كمواطنة بعض المعترضين لم يناقشوا حق الطفل في الجنسية من زاوية قانونية وإنما انشغلوا بجنسية الأب وطائفته وحذروا من تغيير ديموغرافي يهدد مستقبل سوريا
ووصل الأمر ببعضهم إلى اعتبار زواج السورية من رجل ينتمي إلى طائفة مختلفة سبباً كافياً لرفض منح أطفالها الجنسية
وكأن المرأة السورية تفقد حقها في الانتماء إلى وطنها عندما تتزوج من أجنبي وكأن أطفالها يرثون حقوقهم من آبائهم وحدهم فيما تُمحى هوية الأم من حسابات المواطنة
المفارقة أن كثيراً من المعترضين يتعاملون مع جنسية الأب باعتبارها حقاً طبيعياً لا يحتاج إلى نقاش بينما ينظرون إلى مطالبة الأم بحق مماثل باعتبارها تهديداً لهوية المجتمع ومستقبله
فالرجل السوري يستطيع منح جنسيته لأطفاله حتى لو كانت أمهم أجنبية ولا يُطلب منه إثبات أن زوجته تنتمي إلى ثقافة أو طائفة مقبولة اجتماعياً أما المرأة السورية فيُعاد فتح ملف زواجها وخياراتها الشخصية ويصبح حق أطفالها موضع تشكيك ومزايدات
هذه النظرة تختزل المرأة في علاقتها بزوجها وتسلبها صفتها كمواطنة مستقلة لها حقوقها وكأن جنسيتها تفقد قيمتها عندما تختار شريك حياتها من خارج الحدود السورية
هذه المشكلة لم تبدأ مع الثورة والنزوح فقد عانت منها سوريات قبل عام 2011 ومن بينهن سوريات تزوجن من فلسطينيين كان أطفالهن يولدون ويكبرون في سوريا ويتعلمون في مدارسها ويتحدثون بلهجتها ويحملون ثقافتها وتفاصيل حياتها اليومية لكن أوراقهم الثبوتية كانت ترتبط بوضع آبائهم الفلسطينين
لم تكن المسألة مجرد اختلاف في الوثائق فقد كانت الأمهات يشعرن بأن أبناءهن لا يحملون الصفة القانونية نفسها التي يحملنها رغم ارتباطهم الكامل بالمجتمع الذي ولدوا ونشأوا فيه وظهرت آثار هذا الاختلاف في المعاملات والتنقل ثم ازدادت صعوباته مع النزوح عندما وجدت بعض الأسر نفسها أمام أسئلة تتعلق بالهوية والأوراق والحقوق
كان الطفل سورياً في حياته وثقافته وانتمائه لكنه لا يستطيع الحصول على الجنسية السورية من أمه
وهناك حالات أخرى قلّما يجري الحديث عنها تتعلق بسوريات تزوجن من رجال خليجيين كانوا يزورون سوريا بحكم طبيعة عملهم وتنقلهم بين بلدانهم ثم غادر بعضهم البلاد بعد انتهاء العلاقة الزوجية أو انقطعوا عن زوجاتهم وأطفالهم ورفض بعضهم الاعتراف بأبنائهم أو استكمال إجراءات تسجيلهم
وجدت نساء أنفسهن أمام مأزق صعب…أطفال لا تستطيع الأم تثبيت وضعهم القانوني بسهولة وأب غائب أو رافض لتحمل مسؤوليته
وفي بعض الحالات دفعت الحاجة إلى الحصول على أوراق ثبوتية بعض الأسر إلى تسجيل الأطفال على أسماء الجد أو الخال بما يخلق مشكلات إضافية في النسب والهوية والسجلات المدنية.
هذه الوقائع تكشف كيف يمكن لحرمان الأم من حق نقل جنسيتها أن يدفع أطفالاً وأمهات إلى مسارات شديدة التعقيد وأن يجعل حق الطفل في الهوية مرتبطاً بموقف الأب حتى عندما تكون الأم السورية حاضرة ومستعدة لتحمل كامل مسؤوليتها تجاهه
اللافت أن بعض الاعتراضات لم تتوقف عند مسألة الجنسية أو النسب ذهبت هذا الاعتراضات مباشرة إلى هوية الأب المذهبية فهناك من أعلن رفضه منح الجنسية لأطفال السوريات المتزوجات من رجال شيعة من العراق ولبنان وتحدث عن عدم حاجة سوريا إلى مزيد من الأقليات وربط هذا الحق بالتغيير الديموغرافي
هنا يخرج النقاش من إطاره القانوني إلى خطاب طائفي واضح يتعامل مع جنسية الطفل باعتبارها امتيازاً يمكن منحه أو حجبه وفق انتماء والده والوطنية لا تعني استبعاد فئة من الناس بسبب طائفتها ولا يجوز أن تتحول معاناة السوريين خلال سنوات الحرب إلى مبرر لمعاقبة أطفال لم يختاروا آباءهم ولا انتماءاتهم
من حق السوريين المطالبة بمحاسبة كل من شارك في قتلهم وتهجيرهم لكن المحاسبة مسؤولية القضاء ولا يمكن أن تتحول إلى عقوبة جماعية تطال الأطفال بسبب هويات عائلاتهم
من الحجج التي تكررت في التعليقات أن الطفل يحمل جنسية والده فلماذا تحتاج الدولة السورية إلى منحه جنسية أمه؟ هذا السؤال يتجاهل واقع كثير من النساء السوريات وأطفالهن
فهناك نساء دفعتهن ظروف الحرب واللجوء والحاجة إلى الزواج من رجال أجانب وبعضهن تعرضن للإكراه أو الضغط سواء داخل سوريا أو خارجها. وعندما انتهت تلك الزيجات وجدت أمهات أنفسهن أمام مسؤولية تربية أطفال لا يملكون أوراقاً ثبوتية أو وضعاً قانونياً مستقراً ويواجهون صعوبات في الحصول على أبسط حقوقهم ومنها التعليم والرعاية الصحية والتسجيل في المؤسسات الرسمية
وهناك سوريات تزوجن خارج البلاد خلال سنوات اللجوء ويرغبن اليوم في العودة إلى سوريا مع أطفالهن سواء للاستقرار أو الزيارة لكنهن يواجهن عائقاً قانونياً يتعلق بجنسية أبنائهن وسواء اختارت المرأة هذا الزواج أو دفعتها الظروف إليه لا يجوز أن تتحول خياراتها الشخصية إلى سبب لحرمان أطفالها من حقوقهم أو لمنعها من العودة إلى وطنها معهم.
وتبرز هذه القضية بصورة أكثر تعقيداً في ملف النساء والأطفال الموجودين في مخيم الهول، فهؤلاء الأطفال لا يجوز أن يبقوا خارج الحسابات القانونية والاجتماعية للدولة بسبب هوية آبائهم أو انتماءاتهم
إن تركهم في بيئة مغلقة محرومين من الأوراق الثبوتية والتعليم والحياة الطبيعية يحمل مخاطر كبيرة على مستقبلهم ومستقبل المجتمع، والأطفال الذين يكبرون في العزلة بعيداً عن المؤسسات التعليمية والاجتماعية وتحت تأثير الأفكار المتطرفة قد يصبحون أكثر عرضة للتجنيد والاستقطاب من التنظيمات المتشددة
لذلك فإن منحهم الجنسية السورية متى ثبتت جنسيتهم من جهة الأم وفتح الطريق أمام دمجهم في المجتمع مع برامج متابعة ورعاية وإشراف متخصص يمثل جزءاً من معالجة هذا الملف
فالتعامل معهم بوصفهم أطفالاً لهم حقوق ومساعدتهم على بناء حياة طبيعيةأكثر جدوى من إبقائهم في أماكن منفصلة تتوارث فيها الأجيال العزلة والتطرف
يستند بعض المعترضين إلى مخاوف من التغيير الديموغرافي وكأن منح الجنسية لأطفال المرأة السورية سيؤدي إلى تغيير هوية البلاد أو تهديد أمنها
لكن ما الذي يجعل هؤلاء الأطفال خطراً على سوريا؟ هل هو أنهم يحملون جنسية آبائهم أيضاً؟ أم أن آباءهم ينتمون إلى طائفة أو جنسية مختلفة؟ لا يمكن بناء مفهوم المواطنة على الشك في أصول الناس ولا يجوز التعامل مع الأطفال باعتبارهم تهديداً محتملاً بسبب هوية أحد والديهم
أمن سوريا لا يُحمى بحرمان مواطناتها من حقوقهن ولا بتقسيم الأطفال إلى فئات تستحق الانتماء وأخرى يجب إبعادها عنه وإذا وُجدت حالات تتعلق بجرائم أو ارتباطات بتنظيمات مسلحة فلكل حالة إجراءاتها القانونية والأمنية ولا يجوز تحويلها إلى حكم عام يشمل آلاف الأطفال
المرأة السورية التي ثارت واعتُقلت وصمدت وشاركت في بناء المجتمع وتعليم أبنائه وإعمار ما دمرته الحرب هي جزء أصيل من الهوية الوطنية السورية لا يمكن الاحتفاء بتضحياتها في الثورة ثم التعامل معها كمواطنة منقوصة الحقوق عندما يتعلق الأمر بأطفالها ومن حقها أن تنقل جنسيتها إليهم كما يفعل الرجل من دون أن تخضع حياتها الزوجية أو خياراتها الشخصية لاختبارات الولاء والانتماء
إن مساواة المرأة بالرجل في الحقوق لا تنتقص من هوية سوريا ولا تهدد أمنها القومي
على العكس..الاعتراف بحقوق النساء وأطفالهن وترسيخ المواطنة المتساوية هما من أسس حماية الهوية الوطنية وبناء دولة يشعر فيها كل مواطن أن حقوقه مصانة وأن انتماءه لا يتوقف على جنسه أو اسم عائلته أو هوية شريك حياته













