من الضروري إعادة النظر في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية التي تختزل الجنوب السوري بمحافظة درعا، أو تتعامل معه بوصفه منطقة جغرافية وأمنية وسياسية متجانسة، وكأن جميع الاضطرابات الأمنية على امتداد الحدود الشمالية للأردن تنطلق من درعا أو ترتبط بها. فهذا الاختزال لا يعكس حقيقة الجغرافيا السورية، ولا تعدد القوى الفاعلة على الأرض، ولا الاختلاف الواضح في طبيعة التحديات الأمنية بين منطقة وأخرى.
فالجنوب السوري يضم محافظات درعا والسويداء والقنيطرة، إلى جانب أجزاء من ريف دمشق الجنوبي ومناطق البادية والتنف ذات الأهمية الاستراتيجية. ولكل منطقة خصوصيتها الجغرافية والسياسية والأمنية، كما تختلف الجهات الفاعلة فيها ومستويات سيطرة مؤسسات الدولة وطبيعة التحديات التي تواجهها.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين هذه الملفات، وعدم التعامل معها باعتبارها قضية أمنية واحدة، أو تحميل محافظة بعينها مسؤولية ما يجري في مناطق أخرى. فالأمن الأردني والسوري يتطلب قراءة دقيقة لكل قطاع حدودي، وتحديد مصادر التهديد والجهات المسؤولة عنها، بدلاً من إطلاق أحكام عامة تضلل الرأي العام وتحمّل المجتمعات المحلية مسؤوليات لا تخصها.
درعا.. الحاضنة الاجتماعية للدولة وخط الدفاع عن وحدة الجنوب
تمثل محافظة درعا جزءاً أساسياً من الحدود السورية الأردنية، وينبغي تقييم واقعها الأمني بصورة مستقلة عن بقية مناطق الجنوب، مع الاعتراف بأهمية وجود مؤسسات الدولة السورية وبسط سلطتها فيها، باعتبار ذلك عاملاً أساسياً في تعزيز أمن الحدود والاستقرار الإقليمي.
درعا هي الكتلة البشرية الأكثر تماسكاً في الجنوب السوري من الناحيتين الدينية والعشائرية، وهي المحافظة التي أشعلت شرارة الثورة السورية وأسهمت في إفشال مخططات تقسيم الجنوب، وما يُتداول بشأن مشروع “ممر داود” الهادف إلى ربط مناطق النفوذ الإسرائيلية في المنطقة. وهي تشكل اليوم حاضنة اجتماعية مهمة للسلطة السورية، والحفاظ على استقرارها وتماسك نسيجها الاجتماعي ضرورة وطنية وإقليمية.
وفي المقابل، هناك محاولات خارجية، وتحركات مرتبطة بفلول النظام السابق، تستهدف إضعاف درعا وتفكيك نسيجها الاجتماعي عبر إثارة الفوضى والترويج للخطابات المتطرفة، وصولاً إلى محاولات “دعشنة” المحافظة وتمزيق مكوناتها وتهجير سكانها، أو ممارسة الضغوط عليهم بالتضييق على مقومات حياتهم واستهداف مناطقهم بالغارات الإسرائيلية.
ولا يقتصر خطر هذه المحاولات على تحقيق أهداف ميدانية مباشرة؛ فنشر الفوضى وتخويف السكان وإبعاد المستثمرين وتعطيل النشاط الاقتصادي أهداف قائمة بحد ذاتها، حتى في حال تعذر فرض وقائع جغرافية جديدة على الأرض. غير أن تاريخ درعا وموقعها الاجتماعي والسياسي يؤكدان صعوبة إخضاعها لهذه المخططات أو دفعها إلى التخلي عن دورها في الحفاظ على وحدة الجنوب السوري.
السويداء.. ميليشيا الهجري والتحدي الأمني الأكثر خطورة
تواجه محافظة السويداء وضعاً أمنياً وسياسياً مختلفاً، في ظل تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل مراكز النفوذ ووجود شبكات تهريب ونشاطات غير مشروعة على بعض المسارات الحدودية. وقد تجاوزت هذه القضية حدود المحافظة المحلية، ولا سيما مع ارتباط بعض مسارات التهريب بالحدود الأردنية.
وتناولت تقارير دولية وإقليمية نشاط شبكات تهريب المخدرات عبر الجنوب السوري، بما في ذلك درعا والسويداء، كما أعلنت السلطات السورية خلال عام 2026 إحباط محاولات تهريب شحنات من المخدرات من ريف السويداء باتجاه الأردن. وتحدثت تقارير صحفية، استناداً إلى مصادر أردنية، عن اتهامات بارتباط جماعات مسلحة محسوبة على حكمت الهجري بنشاط شبكات التهريب والاستفادة منها في تعزيز نفوذها وتمويل أنشطتها المسلحة. وهذه اتهامات تستدعي التحقيق والتوثيق وتحديد المسؤوليات، بعيداً عن تحميل المجتمع المحلي تبعات أنشطة التشكيلات المسلحة والشبكات الإجرامية.
وتشكل ميليشيا الهجري، في ظل تعدد مراكز النفوذ والتشكيلات المسلحة في السويداء، إحدى أبرز بؤر التوتر الأمني والسياسي في المحافظة، ولا سيما في ضوء ما يثار حول ارتباطها بشبكات التهريب، وما يترتب على وجودها ونفوذها من تحديات أمام عودة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها، فضلاً عن انعكاسات ذلك على أمن الحدود الشمالية للأردن.
ولا تعني هذه الإشكاليات أن أبناء السويداء أو أبناء الطائفة الدرزية يتبنون مواقف التشكيلات المسلحة أو يتحملون مسؤولية أفعالها؛ فالسويداء ليست كتلة سياسية واحدة، وتوجد داخلها مواقف رافضة للتدخل الخارجي ومتمسكة بوحدة سوريا. ومن الضروري الفصل بين المجتمع المحلي وتشكيلاته الاجتماعية والدينية، وبين الميليشيات والجهات السياسية والعسكرية التي تتخذ قراراتها وتبني تحالفاتها.
وفي الوقت الذي يتجه فيه الاهتمام الإعلامي والسياسي نحو درعا، تغيب عن جانب من التغطيات ملفات السويداء وشبكات التهريب والجهات الفاعلة فيها. إن التركيز على درعا وإغفال هذه الملفات قد يحجب مصادر التهديد الحقيقية ويصرف الأنظار عن مسؤوليات التشكيلات المسلحة والشبكات التي تنشط في المنطقة.
وهنا يأتي دور الإعلام والمحللين في تسمية الجهات الفاعلة بمسمياتها، وتفكيك الروايات التي تخلط بين المجتمعات المحلية والتشكيلات المسلحة، وكشف شبكات التهريب ومصادر تمويلها ومساراتها، وعدم السماح باستخدام درعا واجهة لتحويل الأنظار عن ملفات أمنية أخرى أكثر تعقيداً.
القنيطرة.. جبهة الاحتلال الإسرائيلي وملف السيادة
تمثل محافظة القنيطرة ملفاً أمنياً مختلفاً، نظراً إلى وقوعها على تماس مباشر مع الجولان السوري المحتل، وما تشهده من توغلات إسرائيلية وتدخلات عسكرية واعتداءات على السكان والممتلكات، فضلاً عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي السورية.
ومن الضروري التمييز بين طبيعة الجبهة الإسرائيلية في القنيطرة وبين الحدود السورية الأردنية، فلكل منهما اعتبارات أمنية وعسكرية وسياسية مختلفة. ولا يصح الخلط بين التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة والاعتداءات التي تطال سكانها، وبين نشاطات التهريب على الحدود الأردنية، أو استخدام أحداث منطقة لتفسير ما يجري في منطقة أخرى.
ويجب أن يتركز التعامل مع القنيطرة على استعادة السيادة السورية، ورفض فرض الوقائع العسكرية الإسرائيلية على الأرض، ودعم قدرة مؤسسات الدولة على حماية السكان وممتلكاتهم، ومنع استغلال هشاشة الوضع الأمني لإثارة الفتن أو توسيع النفوذ الخارجي.
ريف دمشق الجنوبي والتنف والبادية.. امتداد جغرافي وأمني مختلف
أما ريف دمشق الجنوبي ومناطق البادية والتنف، فلها خصوصية جغرافية وعسكرية مختلفة، نظراً إلى امتدادها باتجاه الحدود العراقية والأردنية، وارتباطها بمسارات النقل والتهريب والتحركات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وتكتسب منطقة التنف أهمية استراتيجية خاصة بحكم موقعها عند المثلث الحدودي السوري الأردني العراقي، وما شهدته من وجود عسكري أميركي ومنطقة خفض تصعيد ارتبطت بقاعدة التنف على مدى سنوات. وقد تغيرت المعطيات بعد إعلان القيادة المركزية الأميركية استكمال انسحاب قواتها من القاعدة في 11 شباط/فبراير 2026، وتسلم القوات السورية الموقع، ما يستدعي التعامل مع الوضع الحالي وفق التطورات الجديدة، لا وفق خريطة النفوذ السابقة.
كما شكلت البادية السورية ممراً لشبكات تهريب متعددة، ارتبط بعضها بالمخدرات والأسلحة والمواد الممنوعة، وامتدت مساراتها بين سوريا والعراق والأردن ولبنان. ولذلك يجب التمييز بين منطقة التنف والبادية والحدود العراقية، وبين القطاعات الحدودية الأخرى، وعدم الخلط بين ترتيبات عسكرية سابقة وواقع أمني متغير.
لماذا يجب تفكيك مصطلح الجنوب السوري؟
إن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تصل إلى الأشقاء في الأردن، وإلى الإعلام العربي والدولي، هي أن الجنوب السوري ليس وحدة أمنية واحدة، وأن درعا لا تمثل السويداء ولا القنيطرة ولا مناطق البادية والتنف. فلكل منطقة طبيعتها الجغرافية والسياسية، ومصادر تهديدها، والجهات الفاعلة فيها، ومستويات ارتباطها بمؤسسات الدولة السورية.
ومن الخطأ السياسي والإعلامي اختزال الجنوب السوري بدرعا، أو التعامل معه باعتباره مصدراً واحداً للاضطرابات الأمنية. فهذا التعميم لا يخدم أمن الأردن ولا استقرار سوريا، بل قد يتحول إلى وسيلة لتسييس الملفات الأمنية وتحميل مناطق بعينها مسؤولية أحداث لا ترتبط بها، بما يهدد بتفكيك مجتمعاتها وإضعاف مؤسسات الدولة، ويصرف الأنظار عن الجهات الفاعلة ومصادر التهديد الحقيقية.
كما أن توظيف هذا الاختزال قد يؤدي إلى إقصاء دمشق من معادلة الأمن الإقليمي، وإضعاف فرص بناء تنسيق سوري أردني قادر على معالجة الملفات الحدودية بصورة شاملة ومستدامة.
إن أمن الأردن وسوريا مصلحة مشتركة، ولا يتحقق عبر التعميم أو تحميل المسؤولية لمحافظة بعينها، بل من خلال تشخيص دقيق لكل قطاع حدودي، وتحديد القوى المسيطرة عليه ومصادر التهديد فيه ومدى ارتباطه بمؤسسات الدولة، وملاحقة شبكات التهريب والجهات التي توفر لها الحماية أو التمويل.
ومن هنا، فإن المطلوب من الخطاب الأردني والعربي والدولي هو تسمية المناطق والجهات الفاعلة بمسمياتها الحقيقية، والتمييز بين المناطق الخاضعة لمؤسسات الدولة وتلك التي تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ، وعدم التعامل مع جميع الملفات الأمنية والسياسية في الجنوب باعتبارها صادرة عن منطقة واحدة أو جهة واحدة.
ويجب دعم استقرار درعا وتعزيز سلطة الدولة السورية فيها، والعمل على استعادة مؤسسات الدولة لدورها في السويداء، ومعالجة ملف ميليشيا الهجري، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التهريب أو التعاون مع جهات خارجية، إلى جانب منع التدخلات الأجنبية التي تسعى إلى توظيف الانقسامات المحلية لتحقيق مصالحها. فهذه المسارات ليست قضايا متعارضة، بل أجزاء مترابطة من معادلة الأمن الوطني والاستقرار السوري والإقليمي.
إن المطلوب اليوم هو وقف استخدام مصطلح “الجنوب السوري” باعتباره توصيفاً أمنياً واحداً، وتسمية المناطق والقطاعات والجهات المسؤولة بدقة عند تناول الأحداث والاتهامات. فالتسمية الدقيقة ليست مجرد مسألة لغوية، بل خطوة أساسية لحماية درعا وسوريا من مخططات التفكيك والتطرف، وكشف شبكات التهريب والميليشيات، وفي مقدمتها ميليشيا الهجري، وما يشكله نفوذها من تحديات لأمن الأردن واستقرار الجنوب السوري.














