رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي في دمشق (معرفات رئاسة الجمهورية)
بحث الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي،اليوم ، في دمشق، سبل تعزيز العلاقات السورية العراقية وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني والتبادل التجاري، في زيارة تأتي وسط تحركات لإعادة بناء العلاقات بين البلدين، وطرح ملفات تشمل تصدير النفط عبر سوريا، وتأمين الحدود، والنقل، والزراعة، والمياه، وملف السوريين المحتجزين في العراق.

واستقبل الشرع الزيدي في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني وعدد من الوزراء. وتناول اللقاء آفاق تطوير التعاون في مختلف المجالات بما يخدم مصالح البلدين ويدعم استقرار المنطقة، فيما تتركز أهمية الزيارة على الملفات الاقتصادية والأمنية المطروحة، ومدى إمكانية تحويلها إلى تفاهمات عملية ومشروعات قابلة للتنفيذ.

النفط العراقي عبر سوريا.. أبرز الملفات الاقتصادية

يبرز ملف تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية ضمن القضايا المطروحة في مسار التقارب بين دمشق وبغداد، ولا سيما مشروع إعادة إحياء خط النفط الواصل بين كركوك وبانياس، إلى جانب الحديث عن مسار حديثة–بانياس.

ويمثل هذا المسار فرصة محتملة للعراق لتنويع طرق تصدير النفط والوصول إلى البحر المتوسط، فيما يمكن أن تستفيد سوريا من رسوم العبور والخدمات المرتبطة بالنقل والطاقة، إضافة إلى فرص إعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير الموانئ وشبكات النقل.

وكان البلدان قد وقّعا، وفق المعلومات المتاحة، مذكرة تفاهم في تموز 2026 مرتبطة بإحياء مسار حديثة–بانياس، بالتوازي مع تحركات لإعادة تأهيل البنية التحتية اللازمة لنقل النفط. كما أشارت المعلومات المنشورة إلى بدء نقل كميات محدودة من النفط العراقي عبر سوريا، من دون أن يعني ذلك دخول الخط بكامل طاقته التشغيلية.

وتتحدث الخطط المتعلقة بالمشروع عن طاقة استيعابية مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً بعد إعادة التأهيل. غير أن الوصول إلى هذه الطاقة يتطلب أعمالاً فنية وتمويلاً وإصلاح المنشآت المتضررة، إلى جانب اتفاقات بشأن التشغيل والأمن وتكاليف العبور، ولا يمثل الرقم المعلن حجم النفط المنقول حالياً.

وتتصل هذه الخطط أيضاً باهتمام دولي بالمشروع؛ إذ رحبت وزارة الخارجية الأمريكية، في 17 تموز 2026، بالتفاهم بين البلدين وبمشاركة ائتلاف دولي تقوده شركات أمريكية في الجوانب الفنية والمالية المتعلقة بإعادة التأهيل.

التبادل التجاري والنقل.. مصالح مشتركة تتجاوز النفط

لا يقتصر التعاون الاقتصادي السوري العراقي على الطاقة، بل يشمل توسيع التبادل التجاري وتطوير النقل البري والمنافذ، إلى جانب التعاون الزراعي والمائي والسياحة الدينية.

وتشير المعلومات المنشورة عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى عبور أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت عبر سوريا خلال فترة تتراوح بين ستة وسبعة أشهر، إضافة إلى أكثر من 40 ألف شاحنة استيراد وتصدير، وفق أرقام أوردها الرئيس السوري في تصريحات سابقة. وتحتاج هذه الأرقام إلى تحديد الفترة الدقيقة وآلية الاحتساب من الجهات المختصة.

وتبرز كذلك مقترحات لربط ميناء الفاو العراقي بميناء طرطوس السوري، بما قد يفتح مجالاً لتطوير حركة النقل والتجارة بين البلدين وربطهما بمسارات إقليمية أوسع. لكن تنفيذ هذه المشاريع يتطلب اتفاقات فنية وتمويلاً وجداول زمنية واضحة، ولا تكفي المناقشات السياسية وحدها لضمان إنجازها.

ويشمل التعاون المحتمل أيضاً قطاعات الزراعة والمياه، نظراً إلى ارتباطها بالإنتاج الغذائي وإدارة الموارد المائية في البلدين. وتبقى ترجمة هذا التعاون إلى برامج عملية مرتبطة بتحديد المشروعات وآليات التمويل والتنفيذ.

أمن الحدود ومكافحة التهريب

يشكل التنسيق الأمني أحد الملفات الرئيسية في العلاقة بين دمشق وبغداد، في ظل التحديات المرتبطة بالتهريب والتسلل ونشاط الجماعات المسلحة على امتداد الحدود المشتركة، التي يزيد طولها على 600 كيلومتر.

وكان الشرع قد أكد، في تصريحات سابقة، أن الحدود بين البلدين مؤمّنة بالكامل، مشيراً إلى وجود تنسيق بين دمشق وبغداد. كما تناولت التصريحات الرسمية تحديات أمنية، بينها استمرار خطر تنظيم “داعش”، رغم تراجع قدراته.

ويضع هذا الملف التعاون الأمني وتبادل المعلومات ضمن الأولويات المشتركة، خصوصاً أن مواجهة التهديدات العابرة للحدود تحتاج إلى تنسيق مستمر وآليات عمل ميدانية، إلى جانب المواقف السياسية المعلنة.

ومع ذلك، لا تتوافر في المعلومات المتاحة تفاصيل كافية عن اتفاق أمني جديد أُبرم خلال لقاء الشرع والزيدي، أو عن آليات محددة جرى الاتفاق عليها خلال الزيارة.

السوريون المحتجزون في العراق.. ملف قانوني وإنساني

من الملفات الحساسة التي طُرحت في سياق العلاقات السورية العراقية قضية السوريين المحتجزين في العراق، وبينهم أشخاص نقلتهم قوات التحالف إلى الأراضي العراقية ويُشتبه بارتباط بعضهم بتنظيم “داعش”.

وكان الشرع قد تحدث عن مباحثات مع جهات قضائية عراقية بشأن دراسة هذه الحالات وتصنيفها، وبحث مسؤولية سوريا وإمكانية إعادة بعض الأشخاص إليها.

ولا تعني مناقشة الملف اتخاذ قرار بإعادة جميع المحتجزين، إذ تتطلب كل حالة تقييماً قانونياً وأمنياً، مع تحديد المسؤوليات والإجراءات اللازمة. ولم تتضمن المعلومات المتاحة حصيلة نهائية للمباحثات بشأن عدد الأشخاص المشمولين أو القرارات التي قد تصدر في هذا السياق.

ويجمع هذا الملف بين الاعتبارات الأمنية والقضائية والإنسانية، ما يجعله من القضايا التي تحتاج إلى تفاهمات واضحة بشأن الإجراءات القانونية ومسؤولية كل طرف.

من القطيعة إلى إعادة بناء العلاقات

تأتي زيارة الزيدي ضمن مسار تدريجي لإعادة بناء العلاقات السورية العراقية بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، عقب مرحلة اتسمت بالحذر في تعامل بغداد مع السلطات السورية الجديدة.

وللعلاقات بين البلدين خلفية سياسية واقتصادية معقدة. فعلى الرغم من الروابط الجغرافية والتجارية، شهدت العلاقة بين دمشق وبغداد مراحل من التنافس والقطيعة، خصوصاً مع تصاعد الخلاف بين قيادتي حزب البعث في البلدين خلال العقود الماضية.

وفي نيسان 1982، أغلقت سوريا خط النفط العراقي المار عبر أراضيها في خضم الخلافات السياسية خلال الحرب العراقية الإيرانية. واستؤنف نقل النفط العراقي عبر سوريا عام 2000، قبل أن يتوقف مجدداً مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والأضرار التي لحقت بالمنشآت.

واستعاد البلدان علاقاتهما الدبلوماسية عام 2006، لكن التوتر عاد عام 2009 عقب تفجيرات بغداد والاتهامات العراقية لدمشق بشأن وجود شخصيات بعثية متهمة على الأراضي السورية، وهي اتهامات نفتها دمشق آنذاك.

وخلال الثورة السورية، فرضت التطورات الأمنية وصعود تنظيم “داعش” ملفات جديدة على العلاقة، في مقدمتها أمن الحدود ومكافحة التنظيم. وفي تموز 2023، زار رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني دمشق والتقى بشار الأسد، في زيارة كانت الأولى لرئيس حكومة عراقي إلى سوريا منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.

وبعد سقوط نظام الأسد، شهدت العلاقات اتصالات وزيارات متبادلة، شملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العراق في آذار 2025، وزيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق في حزيران 2026، إلى جانب تفاهمات بشأن الطاقة والزراعة والمياه والنقل والمعابر.

وتأتي زيارة الزيدي في هذا السياق، بوصفها محطة جديدة في مسار إعادة بناء العلاقة، مع انتقال النقاش إلى ملفات اقتصادية وأمنية تتطلب حلولاً عملية ومصالح متبادلة.

 
  • محمد جابر

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top