مناهج دراسية تعبيرية (خاص مؤسسة جولان)
بين مقتضيات تفكيك إرث العقود الماضية، وتطلعات السوريين إلى منظومة تعليمية حديثة، تقف الكتب المدرسية اليوم في قلب سجال فكري وتربوي واسع. فالتعديلات المتسارعة التي طالت الرسومات والصور والشواهد الحضارية في المقررات الدراسية لم تعد مجرد تغييرات شكلية، بل باتت مؤشراً يستدعي القراءة والتحليل، لما تطرحه من أسئلة حول إدارة التنوع، وصون الذاكرة البصرية، وبناء تربية وطنية تقوم على التفكير النقدي والانفتاح المعرفي.

فبعد عقود من إخضاع التعليم لسياسات التلقين وتمجيد السلطة، كان يُفترض أن يشكّل سقوط النظام السابق فرصة لإعادة الاعتبار إلى المدرسة بوصفها فضاءً للمعرفة الحرة، وتنمية العقل النقدي، واحترام الاختلاف. لكن ما تشهده المناهج اليوم يثير مخاوف من أن تتحول عملية الإصلاح إلى مسار آخر للوصاية الفكرية، ينتقل فيه التركيز من إزالة رموز النظام السابق وشعاراته إلى فرض تصورات أحادية على وعي الأجيال الجديدة، بدءاً من مقاعد الدراسة الأولى.

إن تنقية المقررات من رموز الاستبداد وسياسات التمجيد الفردي خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء تعليم حديث. فالمشكلة لا تكمن في إزالة صور بشار الأسد أو عبارات حزب البعث، بل في ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تعليم يحترم حرية التفكير والتعددية، أم ستُستبدل بها رقابة جديدة تتدخل في تفاصيل المحتوى البصري والثقافي، وتعيد تشكيل الذاكرة الجمعية وفق تصور ضيق للهوية والمجتمع.

شطب التنوع من ذاكرة الجيل

تتجاوز المسألة حذف الرموز السياسية إلى ما تحمله بعض التعديلات من دلالات تتصل بصورة المجتمع التي يتلقاها الأطفال في سنواتهم الأولى. فمن حذف صور الفتيات، وتعديل الأزياء في الرسومات التعبيرية لتتلاءم مع نمط محدد، إلى إزالة صور لشخصيات تمارس أنشطة حياتية ورياضية، وصولاً إلى تغييب أعمال فنية وشواهد حضارية، مثل لوحة «الموناليزا» وتمثال “عازف الدف في أوغاريت”، تبرز مخاوف من أن تتحول الكتب المدرسية إلى أداة لتضييق مساحة التنوع الثقافي والبصري المتاح أمام الطلاب.

فالمدرسة ليست مكاناً لتلقين المعلومات فحسب، بل هي أيضاً إحدى المساحات الأساسية التي يتعرف فيها الطفل إلى مجتمعه وتاريخه والعالم من حوله. والصور والأعمال الفنية والشواهد الأثرية ليست عناصر تزيينية يمكن الاستغناء عنها بلا أثر؛ إنها جزء من المعرفة التي تسهم في تشكيل الذائقة البصرية، وتوسيع الخيال، وتعريف الأجيال بتعدد الثقافات والتجارب الإنسانية.

ومن هنا، فإن استبدال نمط بصري بآخر، أو حذف عناصر لمجرد عدم توافقها مع تصور اجتماعي أو أيديولوجي محدد، قد ينقل المؤسسة التعليمية من وظيفة إعادة بناء الوعي بعد عقود من التسييس إلى وظيفة جديدة تقوم على الانتقاء والإقصاء. والمفارقة أن التخلص من إرث الاستبداد يفترض أن يوسّع مجال الحرية والاختلاف، لا أن يضيّقهما تحت عناوين جديدة.

بين ارتباك القرار وهوس الرقابة البصرية

تكشف التعديلات التي طالت الكتب المدرسية، وفق ما ظهر في نماذج متداولة، عن أسئلة تتعلق بآليات اتخاذ القرار، ومعاييره التربوية، ومدى خضوعه لمراجعة علمية وفنية متخصصة. كما يتزامن هذا الجدل مع نقاشات بشأن أساليب الضبط والعقاب البدني في المدارس، بما يعيد طرح سؤال أوسع حول طبيعة الإصلاح التعليمي: هل ينصبّ على بناء بيئة تعليمية تحترم الطفل وتطوّر قدراته، أم ينشغل بفرض أنماط سلوكية وبصرية على حساب جودة التعليم؟

فبدلاً من إعطاء الأولوية لتحديث المحتوى العلمي، وتطوير طرائق التدريس، وتعزيز مهارات البحث والتحليل، وتنمية التفكير النقدي لدى الطلاب، يبدو أن جانباً من النقاش انصرف إلى هيئة الشخصيات المرسومة وأزيائها، وما ينبغي إظهاره أو حجبه في الصور. ولا تكمن المشكلة في مراجعة الرسومات أو تحديثها بحد ذاته، بل في غياب معايير تربوية واضحة ومعلنة تفسّر هذه التعديلات وتحدد غاياتها.

ويزداد هذا الإشكال وضوحاً عندما تظهر الشخصية نفسها، كطبيبة أو معلمة، بهيئتين مختلفتين داخل الكتاب الواحد؛ فتُرسم في موضع بالحجاب، وفي موضع آخر من دون حجاب، وفق ما أظهرته بعض النماذج المتداولة. ومثل هذه التناقضات، إن لم تكن لها مبررات فنية أو تعليمية واضحة، تثير تساؤلات حول مستوى المراجعة والإشراف، وتوحي بأن بعض القرارات قد اتُّخذت على عجل، من دون رؤية متماسكة تحكم عملية التعديل.

لكن المسألة الأعمق لا تتعلق بالارتباك الإخراجي وحده، بل بامتداد المراجعة من الرموز السياسية إلى الموروث الحضاري والفني. فإصلاح المناهج لا ينبغي أن يتحول إلى عملية محو أو انتقاء اعتباطي للصور والشواهد الثقافية، بل إلى فرصة لإعادة تقديم التاريخ السوري والإنساني بصورة أكثر شمولاً، وتحرير المعرفة من التوظيف السياسي والأيديولوجي، أياً كان مصدره.

أي تعليم نريد لمستقبل سوريا؟

إن الوقوف عند التفاصيل الشكلية وطمس المعالم الفنية بحجة الملاءمة يضع المنظومة التعليمية أمام مأزق تربوي وأخلاقي يتعلق بكيفية فهم الهوية والتاريخ والتنوع. فالهوية الوطنية الجامعة لا تُبنى بإخفاء الاختلافات أو فرض نموذج اجتماعي واحد، وإنما بإتاحة المجال أمام الطلاب للتعرف إلى مكونات مجتمعهم وتاريخه وتعدد تجاربه، ضمن إطار من المواطنة المتساوية واحترام الحقوق والحريات.

ولا يعني ذلك أن المناهج ينبغي أن تبقى على حالها، أو أن كل محتوى سابق يستحق الاحتفاظ به. فالمراجعة الجادة تقتضي حذف ما يكرّس عبادة الفرد أو يحرض على الكراهية أو يزوّر الوقائع، لكنها تقتضي أيضاً اعتماد معايير علمية وتربوية واضحة، والاستعانة بخبراء في المناهج وعلم النفس التربوي والتاريخ والفنون، وإشراك المعلمين والاختصاصيين في عملية التطوير، بدلاً من ترك القرارات رهينة تقديرات متغيرة أو اعتبارات ضيقة.

كما أن بناء منظومة تعليمية حديثة يتطلب الانتقال من التلقين إلى تنمية مهارات التفكير والتحليل، ومن فرض الإجابات الجاهزة إلى تشجيع السؤال والنقاش، ومن التعامل مع الطفل بوصفه متلقياً سلبياً إلى احترامه باعتباره عقلاً قادراً على الفهم والاستكشاف. وهذه التحولات لا تتحقق بتغيير الصور والأزياء وحدها، بل بإصلاح متكامل يشمل المحتوى وطرائق التدريس وبيئة المدرسة والعلاقة بين المعلم والطالب.

بعد عقود من تسييس التعليم وإخضاعه لسلطة واحدة، يحتاج السوريون إلى مدرسة تساعد أبناءهم على فهم العالم، لا إلى مؤسسة تستبدل وصاية بأخرى. فالتعليم الذي يخدم مستقبل سوريا هو الذي يحترم عقل الطالب، ويمنحه فرصة رؤية المجتمع والتاريخ والثقافة بتنوعها، ويعلّمه التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين الاختلاف والتهديد.

إن تحرير المناهج من إرث الاستبداد لا يكتمل بمجرد شطب رموزه، بل يبدأ حين تصبح المدرسة فضاءً للمعرفة الحرة، وحين يُنظر إلى التنوع بوصفه جزءاً من ثراء المجتمع لا مشكلة ينبغي إخفاؤها. أما إعادة رسم الوعي على مقاس لون واحد، فلن تنتج جيلاً أكثر معرفة أو تماسكاً، بل قد تعيد إنتاج الانقسام بأدوات مختلفة.

فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم أي مراجعة للمناهج السورية ليس: ما الصور التي يجب حذفها أو تعديلها؟ بل: أي إنسان نريد أن تخرّجه مدارسنا، وأي مجتمع نريد أن نبني؟

 

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top