من يقرأ هذا الخطاب بمعزل عن الروزنامة الإسرائيلية يرى سياسة خارجية، ومن يقرأه معها يرى مادة حملة انتخابية. فاختيار بلدة درزية منصةً للحديث عن السويداء يحمل دلالة مزدوجة: مخاطبة الجمهور الداخلي بلغة القوة، وطمأنة شركاء محليين بأن الحماية مستمرة.
ورئيس حكومة يعترف بقلقه من النتيجة يحتاج إلى سردية بطولية قبل أسبوع من التصويت، وإلى نص يختزل أشهراً من العمل الأمني في مشهد واحد: عدو أُلجم، وإنذار صدر، وانسحاب تحقق. ودعم ترامب العلني له قبل يومين، مع ربطه بقاءه بالمواجهة مع إيران، يرفع سقف الرهان، ويطوي مؤقتاً خلافات سابقة بين الرجلين.
هذا الدعم يحمل في طياته إشارة مزدوجة: تثبيت لنتنياهو في الداخل، وربط لملف الجنوب السوري بصراع أوسع مع طهران، وهو ربط يمنح إسرائيل ذريعة للتمدد جنوباً تحت عنوان احتواء النفوذ الإيراني.
الغارات الإسرائيلية في تموز وقعت، وتفسيرها موضع خلاف. الرواية الإسرائيلية، التي ظهرت في تجمع انتخابي دون وثيقة تسندها، تقدم دمشق طرفاً تلقى مهلة حتى العاشرة مساءً. رواية شفهية أُلقيت على مسامع الحاضرين، وتحوّلت فوراً إلى مادة إعلامية، تجعل من الاتصال بالشرع حدثاً مركزياً في الحملة، وتغفل السياق العسكري والميداني الذي رافق تلك الأيام. ودمشق تقول إن التهدئة أنتجتها ترتيبات برعاية أميركية، وتعلن رفضها زجّ دروز سوريا في دعاية انتخابية خارجية.
وهذا الموقف الهادئ يتسق مع نهج رسمي ثابت يعدّ الدروز جزءاً أصيلاً من النسيج السوري، ويتجنب تحويلهم إلى ورقة تفاوض أو أداة ضغط. والمحك الحقيقي لأي من الروايتين هو ما يستقر على الأرض، حيث تتجه الدولة إلى تثبيت حضورها الإداري تدريجياً، من مراكز حكومية تُفتح إلى فروع مصرفية تعود للعمل.
خطوات هادئة وغير استعراضية، تجري بوتيرة يومية، تقول ما تعجز عنه البيانات: الدولة تعود إلى الجنوب عبر الخدمات والمؤسسات، وإعادة فتح المدارس، وإصلاح الطرق، وتنشيط الحياة المدنية. وهي لغة يقرأها أهل الجبل بوصفها لغة التثبيت والاستقرار، وليست لغة الانفصال.
ويقدّم الحضور الإسرائيلي للشيخ حكمت الهجري ما يحتاجه ظاهرياً: راعياً يتحدث باسمه علناً. غير أن مشروع الانفصال يقوم على ثلاثة أعمدة، والراعي أحدها. العمود الثاني تماسك الداخل، وهنا تتراكم الشقوق.
اختطاف الوجيه عاطف هنيدي عقب بيانه المنتقد لتصريحات الهجري كشف عن تيار آخذ في الاتساع يرفض المشروع، وكل خطوة إسرائيلية معلنة تضيف إلى هذا التيار أنصاراً جدداً، فأهل الجبل يحملون ذاكرة طويلة في الانتماء السوري. هذه الذاكرة رصيد تاريخي تراكم عبر عقود من العيش المشترك، ومن تجارب كلفت الجبل ثمناً باهظاً حين انزلق إلى مشاريع خارجية.
والتيار الرافض للمشروع يمتد إلى عائلات وشباب ومثقفين يخشون أن يتحول الجبل إلى ساحة مفتوحة لحسابات إقليمية. أما العمود الثالث فهو الجغرافيا: السويداء محافظة داخلية تحيط بها درعا وريف دمشق، وأي ممر نحو مناطق الانتشار الإسرائيلي يعبر أرضاً تسكنها عشائر وفصائل لها كلمتها.
مساحة الجبل جيب داخلي محاصر بالتضاريس والسكان، وكل طريق إلى الخارج يمر عبر مناطق لا تخضع لسلطة واحدة، ما يجعل أي مشروع انفصالي محكوماً بجغرافيا صعبة ومكلفة.
إذن، صاحب المشروع يملك راعياً يتحدث، وتغيب عنه الأرض المتصلة والإجماع، وهما شرطان لا يُستوردان من الخارج.
وتتجه الأيام المقبلة إلى مرحلتين. حتى 27 تشرين الأول، ستتكاثف الإشارات: تصريحات عن الحماية، ومبادرات إنسانية، وحديث عن إعادة النازحين، وربما كلمة من الهجري تشكر وتستنجد.
كل هذه المؤشرات تندرج في سياق حملة انتخابية تحتاج إلى وقود يومي، وتُصنع فيها المواقف على مقاس التصويت. وتروّج أوساط إسرائيلية لصورة تُظهر دمشق متربصة بما بعد الاقتراع، وهي صورة تخدم الحملة أكثر مما تصف سلوك دولة تعمل في الجنوب بمنطق الانتشار الإداري وتفضيل التفاهم.
هذه الصورة تعتمد على قراءة انتقائية لمواقف دمشق، وتتجاهل أولويتها الواضحة: إعادة بناء مؤسساتها في الجنوب بخطى ثابتة وتجنب أي مواجهة مفتوحة.
وبعد الاقتراع، تنقسم الاحتمالات. فوز نتنياهو يُبقي السويداء ورقة في مساومات الجنوب، وقد تبرز صيغة حماية أو ممر إنساني، لكنها صيغ ستبقى مرهونة بمزاج ائتلافه وحسابات حلفائه. وخسارته تدفع خليفته إلى مراجعة حساباته، وتجد القيادة نفسها أمام راعٍ متردد، ويستعيد المسار السعودي الذي يعمل على تسوية الأزمة فرصته.
الرياض، التي تراقب المشهد عن كثب وتملك قنوات مفتوحة مع دمشق، قد تجد في اللحظة التالية للاقتراع نافذة لطرح رؤيتها: تسوية تحفظ وحدة سوريا وتهدئ الجنوب. وفي هذه المعادلة أوراق تعزز موقع دمشق إذا أحسنت إدارتها.
أولها الهدوء؛ فأي مشهد ميداني قبل الاقتراع يمنح حملة نتنياهو نصاً جاهزاً، ومن يحجب عنها هذا النص يربح الجولة. فالانضباط في الميدان، وتجنب الاستفزازات، وعدم الانجرار إلى ردود فعل متسرعة، كلها تضبط إيقاع الحملة وتجردها من مادتها الخام.
ثانيها المسار المؤسسي: لجنة التحقيق الرسمية التي شكّلتها السلطات وثّقت مقتل 1760 شخصاً على الأقل. وتحويل هذا التوثيق إلى محاسبة معلنة وتعويضات وعودة آمنة للنازحين يمنح الدولة رصيداً تفتقده الرعايات الخارجية: الشرعية في عيون أهل الجبل.
فالتحقيق الذي يتحول إلى محاسبة فعلية، والتعويض الذي يصل إلى مستحقيه، والعودة التي تُدار بكرامة وأمان، كلها رسائل تصل إلى كل بيت في السويداء، وتقول إن الدولة تحمي أبناءها وتنصفهم.
ثالثها فتح الباب أمام الأصوات الدرزية المعتدلة، فهي الجسر الطبيعي بين الجبل والدولة. هذه الأصوات موجودة، وتنتظر مساحة حقيقية للمشاركة في إدارة محلية ومؤسسات الدولة وصياغة مستقبل الجنوب. واحتضانها يوسع قاعدة الاعتدال ويضيق هامش المشاريع الانفصالية.
وعلى الهجري أن يتذكر أن الرعاية التي تُمنح لأسباب انتخابية تنقضي بانقضائها. فالراعي الذي يخاطب جمهوره في يركا قبل الاقتراع قد يجد بعده حسابات أخرى، وحينها يبقى على الهجري أن يواجه أهل الجبل بأسئلة لم يجب عنها أحد: ماذا تحقق من وعود العودة؟ وأين وصلت التعويضات؟ وإلى أين تتجه إدارة الجبل؟
وأمام الوسطاء من الرياض وعمّان وواشنطن نافذة قصيرة تمتد من اليوم إلى ما بعد الاقتراع بأسابيع. تتيح هذه النافذة لكل الأطراف إعادة ترتيب أوراقها، كما تتيح لدمشق أن تقدم ما لديها: خطة عملية لعودة النازحين، ومحاسبة، وإدارة محلية في إطار الدولة الواحدة.
ومن يحمل مبادرة جاهزة، فالوقت وقتها، ومن ينتظر انقضاء الحملة قبل أن يتحرك، سيجد الأرض وقد سبقته. والسويداء قادرة على عبور هذا المنعطف حين تبقى قراراتها في يد أهلها، وحين يدرك الجميع أن الجبل الذي حمى نفسه بالانتماء الوطني عبر عقود، قادر على أن يحمي مستقبله بالقرار الوطني نفسه.












