بين توغلات إسرائيلية متكررة في القنيطرة ودرعا، وضغوط مفتوحة في ملف السويداء، وردود دمشق الدبلوماسية الحذرة، تتشكل علاقة جديدة بين سوريا وإسرائيل.
هذه العلاقة تأتي ضمن سياق اللاسلم واللاحرب، فهي ليست حرباً شاملة، ولا سلاماً حقيقياً، بل حرب منخفضة الحدة والتكاليف، تُدار بالغارات والتوغلات والرسائل والضغط.
ففي حين أن إسرائيل تتحدث عن أمنها، فهي تمارس فعلياً، سياسة فرض وقائع جديدة على الأرض.
أما الحكومة السورية، فتحاول أن تُدير ملفاً معقداً ورثت فيه كثيراً من الاشكاليات ولا تملك فيه ورقة القوة العسكرية الكافية، ولا تملك فيه أيضاً رفاهية تجاهل التهديد.
وهنا يكمن جوهر الأزمة: الجنوب السوري ليس اختباراً لقدرة دمشق على الدفاع عن حدودها فحسب، بل اختبار لقدرتها على أن تصبح دولة مركزية قادرة على فرض سيادتها وتوحيد قرارها.
لعل الموروث الأكبر لهذه العلاقة هو اتفاق الهدنة 1974، وهو إطار قديم لصراع جديد.
ظل اتفاق فصل القوات الموقّع في 31 أيار/مايو 1974 هو الإطار الذي نظّم العلاقة العسكرية بين سوريا وإسرائيل لعقود، حيث أنشأ الاتفاق منطقة فصل بين الجيشين، وحدّد مناطق محدودة القوات والتسليح، وأسند إلى قوة الأمم المتحدة لمراقبة الفصل الدولية UNDOF الاندوف ومهمتها الإشراف على وقف إطلاق النار ومنع التصعيد.
لكن هذا الإطار، الذي بُني في سياق حرب أكتوبر وسياسات حافظ الأسد، لم يعد كافياً لإدارة واقع ما بعد الأسد.
فمنذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وسعت إسرائيل من مواقعها في جنوب سوريا عبر عمليات توغل، وواصلت التوغلات والعمليات داخل مناطق يعتبرها الطرف السوري خاضعة لاتفاق 1974. وتؤكد الأمم المتحدة أن القوات الإسرائيلية احتفظت بمناطق موسعة في جنوب سوريا منذ ذلك التاريخ تحت مجالها الناري.
المشكلة ليست في وجود اتفاق 1974 ذاته، بل في أن إسرائيل لم تعد تتعامل معه كإطار ملزم، بل كورقة تفاوضية يمكن تعديلها وفق ما تفرضه على الأرض. وهذا يفسر لماذا يطالب الجانب السوري بالعودة إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وباستعادة اتفاق 1974 بكامل مضمونه، بينما تفضل إسرائيل الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة تمنحها عمقاً أمنياً أوسع.
نستطيع هنا ان نستنتج من خلال التصريحات أن إسرائيل تريد الأمن، ودمشق تريد السيادة، حيث لا يمكن فهم السياسة الإسرائيلية في جنوب سوريا دون الرجوع إلى ما بعد 7 أكتوبر 2023. فقد أعادت إسرائيل إنتاج مفهوم العمق الأمني في كل نقاط تماسها: في غزة، ولبنان، وسوريا. والمقصود ليس مجرد منع الهجمات المباشرة، بل خلق مناطق عازلة، وإبعاد أي قوة معادية عن الحدود، وبناء منظومة رصد وإنذار مبكر تمنحها أفضلية استخباراتية دائمة.
في سوريا، تترجم هذه الاستراتيجية إلى ثلاثة مطالب عملية: منع وجود قوات سورية أو فصائل مسلحة قرب خطوط التماس، وفرض قيود على التسليح والانتشار في الجنوب، والحصول على ترتيب أمني مكتوب يعترف ضمنياً بهذه القيود.
في المقابل، تقدم إسرائيل نفسها على أنها مستعدة لتخفيف الغارات والتوغلات إذا قبلت دمشق هذه الشروط.
أما الحكومة السورية، فتقول إنها تعتبر أن المخاوف الأمنية الإسرائيلية ذريعة للتدخل، ترفض أن يكون الأمن الإسرائيلي على حساب السيادة السورية.
صرّح وزير الخارجية أسعد الشيباني بأن الجانبين اتفقا على الورق مع مطلع 2026 على معظم عناصر ترتيب أمني، يشمل مناطق أمنية في الجنوب ومنطقة عازلة لا توجد فيها سوى قوات الأمم المتحدة، لكنه أضاف أن دمشق تشكك في إرادة إسرائيل الفعلية بالتنفيذ.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: إسرائيل تريد أن تُدار العلاقة بمنطق الأمن أولاً، بينما تريد دمشق أن تُدار بمنطق السيادة أولاً، وما دام كل طرف يضع شرطه كشرط مسبق، فلن تنتج المفاوضات سلاماً، بل إدارة مؤقتة للتصعيد.
درعا والسويداء: الورقة الأكثر خطورة
تزيد إسرائيل من توغلاتها على الشريط الحدودي مع درعا وتستهدف مزارع وتعتقل مدنيين بفترات مختلفة وبذرائع مختلفة لعل أبرزها وجود عناصر مسلحة في المنطقة، وبذات الوقت تتعامل مع ملف السويداء على أنه الأخطر في هذه المعادلة، لأنه يجمع بين الأمن الداخلي، والطائفية، والتدخل الخارجي، والضغط الإسرائيلي في ملف واحد.
فالمحافظة ليست مجرد قضية بين الحكومة السورية والفصائل المحلية، بل صارت ساحة يمكن من خلالها اختبار قدرة دمشق على إدارة التنوع السوري، ومنع تحول أي إقليم إلى منطقة نفوذ خارجي.
تقدّم إسرائيل نفسها على أنها حامية (للدروز)، وترفع من مستوى تحليق طائراتها الاستطلاعية فوق السويداء وضواحي دمشق، وتوجّه تحذيرات من أي عملية تستهدف السكان أو الفصائل المحلية.
في المقابل، تتهم السلطات السورية إسرائيل بتسليح فصائل محلية والعمل على زعزعة الاستقرار في المحافظة، وهي اتهامات تُقرأ في سياق تصاعد التوترات بعد أحداث تموز/يوليو 2025.
لكن المفارقة أن تدخل إسرائيل باسم حماية الدروز قد لا يحمي الدروز فعلياً، بل قد يحولهم إلى ورقة في صراع أكبر لا يخصهم. فالمجتمع الدرزي في سوريا ليس كتلة واحدة، ولا يمثل كل أبنائه موقفاً موحداً من التدخل الإسرائيلي؛ وقد أظهرت الأحداث السابقة أن كثيراً من أبناء السويداء يخشون أن تتحول محافظتهم إلى ساحة صراع بين دمشق وتل أبيب.
الخطر الحقيقي هنا ليس اندلاع حرب جديدة فحسب، بل ترسيخ فكرة أن أي( إقليم سوري) يمكن أن يتحول إلى خاصرة رخوة تُستثمر سياسياً وعسكرياً كلما تعثرت العلاقة بين دمشق والأطراف.
وهذا هو التحدي الأكبر أمام أي الحكومة السورية كيف تحافظ على وحدة البلاد دون أن تتحول إدارة التنوع إلى أداة انفصال؟
التصعيد الاسرائيلي مرتبط بالانتخابات والدعم الخارجي على انها عوامل تضخيم التصعيد حيث لا يمكن فهم توقيت التصعيد الإسرائيلي في الجنوب دون النظر إلى السياق الداخلي الإسرائيلي. فالانتخابات الإسرائيلية التي تجري الآن دفعت الأحزاب والمسؤولين نحو إظهار القوة أمام الناخب، وكل توغل بري أو غارة جوية تصبح رسالة انتخابية قبل أن تكون رسالة أمنية.
ونتذكر أن الجيش الإسرائيلي أطلق تدريبات واسعة قبيل انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر، في وقت تتزامن معه توغلات متكررة في القنيطرة ودرعا.
في المقابل، يشكل الدعم الخارجي لسوريا، خصوصاً من تركيا ودول الخليج، عاملاً موازناً لكنه محدود. فهذا الدعم قد يمنح دمشق هامشاً سياسياً واقتصادياً، لكنه لا يغير من اختلال التوازن العسكري في الجنوب، ولا يمنع إسرائيل من الاستمرار في فرض وقائعها على الأرض.
والنتيجة أن دمشق تجد نفسها أمام خيارين صعبين: إما التصعيد العسكري بمخاطر لا تحتملها، أو الاحتواء الدبلوماسي الذي قد يُقرأ داخلياً كضعف.
وهذا الواقع نفسه قد يقرأ في أي تطور يحصل كما حدث بعد الغارة الأردنية على درعا ومقتل مدنيين في عملية اعتبرتها الأردن تجفيفا لمنابع الدعم الذي حصل عليه منفذوا جريمة الكرك، الأمر الذي دفع الجيش الأردني لشن غارات في العمق السوري وهذا تحد آخر في الجنوب السوري.
ما الذي يمكن أن يتغير؟
الحل الحقيقي لا يكمن في اتفاق أمني ضيق يُدار بالغارات والردود، بل في إعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أسس جديدة. فاتفاق 1974، رغم قدمه، يبقى الأساس الأكثر واقعية للتفاوض، لأنه يوفر إطاراً قانونياً وعسكرياً معروفاً للطرفين. لكن تطبيقه يتطلب أكثر من مجرد إعلان نوايا، يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً، وضمانات أميركية ملموسة، واستعداداً إسرائيلياً للانسحاب من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد.
في غياب ذلك، سيستمر الوضع الحالي: توغلات متكررة، وردود دبلوماسية محدودة، وتصعيد متقطع في السويداء، وتراكم بطيء لوقائع جديدة على الأرض. وهذا الوضع ليس مستقراً، بل هو تأجيل للصدام لا منع له.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس، هل ستندلع حرب بين سوريا وإسرائيل؟ بل: هل ستسمح إسرائيل لسوريا الجديدة بأن تصبح دولة فعلية، أم ستواصل تحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة تُدار بقواعدها الخاصة؟
الإجابة على هذا السؤال لن تأتي من القاعات الدبلوماسية وحدها، بل من خطوط التماس في القنيطرة ودرعا والسويداء، حيث تُختبر السيادة قبل أن يُختبر السلام.














