وفد رفيع وتواصل متكرر على مستوى القيادة
حمل تشكيل الوفد السوري المرافق للشرع مؤشراً على تعدد الملفات المطروحة خلال الزيارة، إذ ضم وزراء الخارجية والدفاع والمالية والصناعة، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات العامة. وجمع هذا التمثيل بين المسارات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية، في زيارة تجاوزت اللقاءات السياسية العامة إلى توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم.
وجاءت الزيارة بعد لقاء جمع الشرع بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض يوم 6 تشرين الأول الماضي، أي قبل أقل من شهر، ما يعكس استمرار التواصل السياسي بين الجانبين ومتابعة ملفات مشتركة على مستوى القيادة.
ويبرز توقيع اتفاق التعاون الدفاعي بين وزارتي الدفاع السورية والسعودية بوصفه أحد أهم تطورات العلاقة، لكنه لا يكشف بمفرده عن طبيعة التنسيق العسكري أو مستوى الالتزامات المتبادلة، في ظل عدم نشر بنود الاتفاق وآليات تنفيذه.
“اتفاق مكة”.. احتمال الانضمام وحدود التحول الدفاعي
تكتسب الزيارة بعداً إقليمياً إضافياً في ضوء تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال منتدى حوار المنامة في 31 تشرين الأول، حين تحدث عن وجود تقييمات ومشاورات سورية بشأن إمكانية الانضمام إلى “اتفاق مكة” الدفاعي، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، وأُعلن عنه في آب 2026.
ويضع هذا الملف التقارب السوري السعودي ضمن سياق أوسع من العلاقات الثنائية، ويفتح تساؤلات بشأن اتجاه دمشق نحو المشاركة في ترتيبات أمنية إقليمية، وطبيعة التعاون المحتمل مع الدول الثلاث.
لكن حتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي عن انضمام سوريا إلى الاتفاق، كما لم يُعلن أن اتفاق التعاون الدفاعي الموقع مع السعودية يتضمن التزامات دفاعية مشتركة أو يرتبط مباشرة بالتحالف الإقليمي.
وبذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مسارات: اتفاق تعاون دفاعي ثنائي دخل مرحلة التوقيع، ومشاورات سورية بشأن الانضمام إلى “اتفاق مكة”، وأي ترتيبات عسكرية مشتركة لم يُعلن عنها حتى الآن.
ماذا تريد دمشق من توسيع الشراكة مع الرياض؟
يمكن قراءة التحرك السوري من خلال ثلاثة اتجاهات رئيسية. أولها تعزيز الحضور العربي لدمشق وتوسيع علاقاتها مع الدول الفاعلة في المنطقة، بما يتيح لها المشاركة بصورة أكبر في المشاورات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
ويتصل الاتجاه الثاني بتوسيع الشراكات الأمنية والدفاعية، بعد توقيع الاتفاق مع السعودية وطرح إمكانية الانضمام إلى “اتفاق مكة”، وإن كانت طبيعة هذا التعاون وحدوده لم تتضح بعد.
أما الاتجاه الثالث فيرتبط بالحصول على دعم التعافي وإعادة الإعمار. فقد أعلنت الزيارة عن ستة قروض تنموية سعودية ميسّرة تتجاوز قيمتها 403 ملايين دولار، تشمل قطاعات الدفاع المدني والصحة والطاقة والإسكان ومياه الشرب والتحول الرقمي.
وتمنح هذه الاتفاقيات العلاقة بعداً تنفيذياً يتجاوز الدعم السياسي، لكنها قروض مستردة وليست منحاً مالية، كما لم تُعلن تفاصيل مواعيد تنفيذ المشاريع وآليات تمويلها.
السعودية ودمشق.. شراكة سياسية واقتصادية وأمنية
لم يتضمن البيان السعودي المنشور إعلاناً تفصيلياً عن الأهداف الاستراتيجية للرياض من تعزيز العلاقة مع دمشق، لكن مخرجات الزيارة تشير إلى اهتمام بتوسيع التعاون مع المؤسسات السورية في قطاعات متعددة.
وشملت المباحثات العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية، وتداعيات التصعيد العسكري على الأمن والاستقرار، إضافة إلى سلامة الملاحة الدولية واستدامة إمدادات الطاقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
كما دعا الجانبان إلى خفض التصعيد واحتواء الأزمات، وتغليب الحوار والدبلوماسية، والوقف الفوري للأعمال التي تهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز.
وتعكس هذه الملفات اتساع نطاق التنسيق بين البلدين، من التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار إلى القضايا الأمنية والإقليمية، من دون أن تحدد البيانات المنشورة بعد مستوى هذا التنسيق أو آليات استمراره.
تركيا وباكستان.. امتداد إقليمي محتمل
يمنح وجود تركيا وباكستان ضمن “اتفاق مكة” أي تقارب سوري سعودي امتداداً إقليمياً محتملاً، في حال قررت دمشق الانضمام إلى هذا الترتيب.
فوجود تركيا يفتح المجال أمام تنسيق أوسع بين دمشق والرياض وأنقرة، فيما يضيف حضور باكستان بُعداً دفاعياً يتجاوز الإطار العربي المباشر.
الجنوب السوري.. ملف غائب عن البيان المعلن
تكتسب الزيارة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجنوب السوري، ولا سيما محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، في ظل استمرار توغلات جيش الاحتلال والانتهاكات داخل الأراضي السورية.
ورغم أن البيان السعودي تناول بصورة عامة التطورات الإقليمية والتصعيد العسكري وأمن المنطقة، فإنه لم يعلن عن تفاهمات محددة بشأن التوغلات في الجنوب السوري، أو آليات التعامل معها، أو ترتيبات أمنية على خط وقف إطلاق النار.
ولا يعني غياب هذه التفاصيل عن البيان أن الملف لم يُبحث في اللقاءات المغلقة، لكنه يعني أن نتائج الزيارة المعلنة لا تقدم حتى الآن مؤشرات واضحة على دور سعودي محدد في التعامل مع التطورات الأمنية جنوب سوريا.
ويطرح ذلك تساؤلات بشأن إمكانية توظيف التقارب السوري السعودي في دعم التحركات الدبلوماسية المتعلقة بالانتهاكات الإسرائيلية، أو المساهمة في بناء القدرات الدفاعية السورية، أو فتح قناة تنسيق إقليمية بشأن أمن الجنوب.
توسيع الشراكة لا يعني اكتمال التحول الإقليمي
تكشف زيارة الشرع إلى الرياض عن انتقال العلاقات السورية السعودية إلى مسارات أوسع، تشمل التعاون الدفاعي إلى جانب الشراكة السياسية والتمويل التنموي والتنسيق بشأن قضايا المنطقة.
لكن المؤشر الأبرز الذي يستحق المتابعة لا يقتصر على توقيع الاتفاق الدفاعي، بل يرتبط بمآلات مشاورات دمشق بشأن “اتفاق مكة”، وما إذا كانت ستتحول إلى انضمام رسمي وترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
- محمد جابر













