ماري تحت التهديد (نقلا عن صفحة الباحث سعد فنصة)

تتعرض مدينة ماري الأثرية، المعروفة اليوم بتل الحريري، في ريف دير الزور الشرقي، لمخاطر متجددة تهدد ما تبقى من معالم واحدة من أهم مدن الشرق القديم، وسط حديث عن عمليات تجريف ونبش عشوائي طالت أجزاء من الموقع الأثري، ما يثير مخاوف من ضياع لقى وطبقات أثرية ذات قيمة علمية وتاريخية استثنائية.

وأثار المؤرخ والباحث السوري سعد فنصة، في منشور على صفحته، قضية ما وصفه بتعرض موقع مملكة ماري لعمليات «تدمير وتخريب ممنهجة ونبش عشوائي واسع النطاق»، مشيراً إلى أن مقاطع فيديو وتقارير ميدانية حديثة أظهرت حجم الأضرار التي طالت أجزاء من الموقع، وربط ذلك بمحاولات البحث غير الشرعي عن اللقى الأثرية ونهبها وتهريبها.

وتحتاج هذه المعطيات إلى توثيق ميداني وأثري حديث ومستقل يحدد طبيعة الأضرار وحجمها بدقة، ولا سيما أن الموقع سبق أن تعرض خلال سنوات الحرب السورية لعمليات تنقيب غير شرعية ونهب، وثقتها جهات بحثية باستخدام صور الأقمار الصناعية.

موقع استثنائي على الفرات

تقع مدينة ماري القديمة، المعروفة اليوم بتل الحريري، على الضفة اليمنى لنهر الفرات في ريف دير الزور الشرقي، بالقرب من مدينة البوكمال. وتمتعت المدينة بموقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية، إذ شكلت نقطة اتصال بين بلاد الرافدين وبلاد الشام والأناضول، وعلى أحد أهم طرق التجارة القديمة الممتدة عبر وادي الفرات.

وتدرج ماري على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو، لما تتمتع به من قيمة أثرية وتاريخية استثنائية، وما تكشفه من جوانب مهمة في تاريخ الحضارات السورية والرافدية خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.

ويشكل التل الأثري بقايا مدينة واسعة تضم قصوراً ومعابد ومنشآت عمرانية، إضافة إلى طبقات أثرية لم تستكشف جميعها حتى اليوم، ما يجعل أي عمليات تجريف أو نبش عشوائي تهديداً مباشراً للمعلومات التي لا تزال محفوظة في طبقات الموقع.

اكتشاف غيّر تاريخ الشرق القديم

اكتُشفت مدينة ماري عام 1933، وبدأت أعمال التنقيب فيها في العام نفسه بقيادة عالم الآثار الفرنسي أندريه بارو، قبل أن تتواصل أعمال البعثة الفرنسية على مدى عقود، ثم يتولى عالم الآثار الفرنسي جان كلود مارغيرون إدارة أعمال التنقيب بين عامي 1979 و2004.

وكشفت أعمال التنقيب عن عدد من المنشآت المعمارية المهمة، في مقدمتها القصر الملكي الكبير، الذي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وعُثر فيه على أرشيف ملكي ضخم ضم آلاف الرقم الطينية المكتوبة بالخط المسماري.

ويعد هذا الأرشيف من أهم الاكتشافات الأثرية في الموقع، لما وفره من معلومات واسعة حول الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية والاجتماعية في ماري والمنطقة المحيطة بها. كما أسهمت نصوصه في إعادة بناء جوانب مهمة من تاريخ الشرق القديم خلال الفترة الممتدة بين حكمي يسمع-حدد وزمري-ليم.

ودُرس أرشيف ماري في مراحل مختلفة على يد عدد من أبرز الباحثين في علم الآشوريات، من بينهم جورج دوسان وموريس بيرو وجان ماري دوران.

قصور ومعابد ولوحات فنية

كشفت التنقيبات في ماري أيضاً عن عدد من المعابد، من بينها معبد نيني-زازا ومعبد عشتار، إلى جانب مجموعة كبيرة من التماثيل واللقى الأثرية.

وتعد الرسوم الجدارية في قصر زمري-ليم من أبرز ما اشتهر به الموقع، ولا سيما المشهد المعروف بمشهد تتويج الملك، الذي يظهر فيه زمري-ليم وهو يتلقى رموز السلطة من الإلهة عشتار، في لوحة تعد من أشهر نماذج الفن الجداري في الشرق القديم.

كما عُثر في الموقع على عدد من التماثيل المهمة، من بينها تمثال ربة الينبوع، الذي يصور امرأة بالحجم الطبيعي تحمل إناءً يتدفق منه الماء، إضافة إلى تمثال إيبيح-إيل، الذي يعد من أشهر مكتشفات ماري الفنية.

وأصبحت بعض مكتشفات ماري ذات شهرة عالمية، وحفظت قطع منها في متاحف سورية وعالمية، بينما أسهمت دراستها في إغناء المعرفة بتاريخ الفن والعمارة والمجتمع في سورية وبلاد الرافدين.

مملكة دمرها حمورابي

كانت ماري، في عصرها الثالث، مملكة قوية ومستقلة، قبل أن تدخل في صراع مع القوة البابلية الصاعدة بقيادة حمورابي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن حمورابي تحالف في مرحلة معينة مع ماري، قبل أن ينقلب عليها ويهاجمها ويسيطر عليها، ثم دمر المدينة وأحرق قصرها بعد نهبه، في نحو عام 1759 قبل الميلاد وفق إحدى التسميات الزمنية الشائعة.

وبعد تلك الكارثة، لم تستعد ماري مكانتها السابقة، وإن استمرت فيها أشكال محدودة من الاستيطان، قبل أن تتعاقب عليها قوى مختلفة، إلى أن غابت الحياة فيها تدريجياً، وبقيت آثارها مدفونة تحت طبقات الأرض إلى أن بدأت أعمال التنقيب الحديثة بالكشف عنها.

نهب متكرر يهدد الذاكرة الأثرية

لا يمثل النبش غير الشرعي خطراً جديداً على ماري، إذ سبق أن تعرض الموقع خلال سنوات الحرب في سورية لعمليات حفر ونهب واسعة.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها جهات بحثية متخصصة وجود عمليات تنقيب غير قانونية وحفر عشوائي داخل الموقع، ما أدى إلى الإضرار بالطبقات الأثرية وفقدان جزء من السياق العلمي للقى التي قد تكون استخرجت بصورة غير شرعية.

وتكتسب هذه الأضرار خطورة خاصة لأن قيمة الموقع لا تكمن في القطع الأثرية المنفردة فقط، بل في السياق الذي توجد فيه هذه القطع، والعلاقة بينها وبين المباني والطبقات الأثرية والمراحل التاريخية المختلفة للمدينة.

فالحفر العشوائي قد يؤدي إلى تدمير معلومات لا يمكن استعادتها حتى في حال استرداد القطعة الأثرية نفسها لاحقاً.

قيمة تتجاوز حدود سورية

تمثل ماري واحدة من أبرز الشواهد على التفاعل الحضاري بين سورية وبلاد الرافدين، وكان موقعها الجغرافي عاملاً أساسياً في ازدهارها وتحولها إلى مركز سياسي وتجاري مهم في المنطقة.

وتكمن أهمية الموقع في أنه لا يوثق تاريخ مدينة واحدة فحسب، بل يوفر مصدراً أساسياً لفهم شبكات التجارة والعلاقات السياسية والدينية والاقتصادية التي ربطت مناطق واسعة من الشرق القديم.

ولهذا فإن أي تدمير يطال تل الحريري لا يمثل خسارة محلية فحسب، وإنما يهدد جزءاً من الذاكرة التاريخية للمنطقة والعالم.

حماية عاجلة لماري

 ما أثاره المؤرخ سعد فنصة بشأن تعرض موقع مملكة ماري لأعمال تدمير وتجريف ونبش، إلى جانب ما سبق أن وثقته جهات بحثية من أضرار وعمليات نهب في الموقع، يفرض الحاجة إلى تقييم ميداني حديث ومستقل لحالة تل الحريري، وتحديد حجم الأضرار التي لحقت به، والعمل على وقف أي عمليات تنقيب غير شرعية أو تجريف داخله.

كما تبرز الحاجة إلى تعزيز حماية الموقع وتوثيق حالته باستخدام المسح الأثري والتصوير الجوي وصور الأقمار الصناعية، إلى جانب متابعة حركة القطع الأثرية التي قد تكون خرجت من الموقع بصورة غير قانونية. فماري سجل مفتوح لحضارة امتدت جذورها آلاف السنين، وأرشيفها أسهم في إعادة بناء جانب كبير من تاريخ الشرق القديم. وحماية تل الحريري اليوم تعني الحفاظ على معلومات أثرية وتاريخية لا يمكن تعويضها إذا دُمرت، وعلى جزء أساسي من الذاكرة الحضارية لسورية والمنطقة والعالم.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top