أثار قرار وزير الصحة، الدكتور مصعب العلي، بإعفاء مدير صحة درعا الدكتور زياد المحاميد من منصبه، موجة واسعة من الجدل والردود المتباينة في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبة حادة من الكوادر الطبية والمجتمع المحلي بالتراجع عن القرار ونشر المعايير التي بُني عليها التقييم الوزاري.
وجاء قرار الإعفاء بناءً على تقييم وزاري صنف مديرية صحة درعا في مرتبة متأخرة (“ثاني أسوأ تقييم بين المحافظات”)، وهو ما اعتبره الطبيب المُقال والكوادر الميدانية تقييماً “مجحفاً” لا يراعي حجم الدمار والنقص الحاد في الموارد والإمكانات التي تعاني منها المحافظة في هذه المرحلة.
المحاميد يطالب بالشفافية ويعترض على معايير التقييم
وفي أول تعليق له عقب القرار، أوضح الدكتور “زياد المحاميد” أنهُ بُلّغ شفهياً بقرار إعفائه خلال لقائه بوزير الصحة الدكتور مصعب العلي بتاريخ 26 تموز/يوليو 2026، مشيراً إلى أن المبرر المقدم كان الحصول على ثاني أسوأ تقييم بين المحافظات.
وتساءل المحاميد في بيان رسمي نشر عبر حسابه الشخصي:
“هل قام من أجرى هذا التقييم بزيارة الواقع الصحي في درعا واطلع على حجم الدمار والتجهيزات؟ هل تم احتساب ما أُنجز بجهود المجتمع المحلي والمنظمات الداعمة لسد عجز الوزارة؟ أين هو سلم التقييم وما هي معاييره وهل أُعلنت مسبقاً؟”
وأكد المحاميد أنه لا يسعى للمناصب بل يطالب بالإنصاف والشفافية لنشر المعايير الرسمية، احتراماً لجهود الكوادر التي عملت في ظروف استثنائية وقاسية.
تضامن واسع واستقالةٌ لمدير دائرة المشافي
ورداً على القرار الوزاري، أصدر العاملون في مديرية صحة درعا بلاغاً رسمياً أعلنوا فيه تضامنهم الكامل مع مديرهم المُقال، مطالبين الوزارة بالتراجع الفوري عن القرار وإعادة النظر في التقييم المُعتمد الذي وصفوه بـ “المجحف بحق المجتمع المحلي والقطاع الصحي”.
وفي سياق متصل، أعلن مدير دائرة المشافي في درعا، الدكتور “تيسير الزعبي”، تقديم استقالته والاعتذار عن متابعة مهامه. وأكد الدكتور الزعبي في بيان توضيحي أن استقالته جاءت بناءً على أسباب شخصية ومفهومه الخاص للعمل العام والثوري، مشدداً على أنها لا ترتبط إطلاقاً بقرار إعفاء الدكتور زياد المحاميد، حسمًا لأي تأويلات أو ربط غير دقيق بالأحداث.
تباين شعبِيّ حاد حول عقلية إدارة المؤسسات
وعلى صعيد ردود الفعل الشعبية والرأي العام عبر منصات التواصل، سادت حالة من الانقسام؛ إذ اعتبر فريق من الناشطين والمواطنين أن القرار صَدَر من “مكاتب بعيدة عن الواقع الميداني”، متسائلين عن جدوى إعفاء الكفاءات في ظل غياب الدعم الحكومي للمحافظة التي تعاني من دمار البنية التحتية. وأشار آخرون إلى المخاوف من عودة “عقلية قمع الانتقاد” وإلغاء الصوت الآخر.
في المقابل، رأى اتجاه آخر أن قرارات التعيين والإعفاء تعد صلاحيات إدارية أصلية لمؤسسات الدولة لتجديد الدماء وتدوير المسؤوليات، مشديدين على أن المناصب ليست ملكاً لأحد وأن تداول المسؤولية من أسس بناء دولة القانون، شريطة أن يسلك الاعتراض مجاراه القانونية والتركيز على احترام المؤسسات بعيداً عن التحريض أو التصعيد.
وتسلط هذه التطورات الإدارية المتسارعة الضوء على أهمية الشفافية والحوكمة في إدارة المؤسسات العامة خلال المراحل الانتقالية. ويرى مراقبون أن بناء دولة المؤسسات لا يقتصر على تداول المسؤوليات الإدارية فحسب، بل يتطلب وضع أطر واضحة للإفصاح عن معايير التقييم وتطوير آليات التواصل بين القيادة المركزية والكوادر الميدانية؛ إذ تُعد الشفافية الركيزة الأساسية لتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية وضمان إنصاف العاملين في القطاعات الخدمية والحيوية.
- أحمد تلاوي






