العميد حسام الدين طحان مع عناصر وزراة الدفاع في مدينة الصنمين بعد اشتباكات مع مطلوبين خاص مؤسسة جولان

بدأت حملة أمنية في 17 أيلول، تعيد ملف محسن الهيمد إلى الواجهة، وتفتح السؤال الأوسع حول مستقبل السلاح والمجموعات المحلية في درعا، لم تعد الحملة الأمنية مجرد عملية لملاحقة مطلوبين. فالمواجهة التي بدأت فجر الخميس، خلال محاولة قوى الأمن الداخلي توقيف أحد المطلوبين، تحولت إلى اشتباك مسلح أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر الأمن وإصابة آخرين، قبل أن تتوسع العملية إلى حملة تمشيط ومداهمات شملت عدداً من أحياء المدينة.

وفرضت الأجهزة الأمنية حظر تجوال، واستقدمت تعزيزات أمنية، فيما استمرت عمليات البحث خلال 18 و19 أيلول، وستستمر ليوم 20. وأعلنت الأجهزة الأمنية توقيف عدد من المطلوبين، بينهم قياديان في مجموعة الهيمد، فيما بقي محسن الهيمد، وفق أحدث المعطيات المنشورة، أحد أبرز المطلوبين في الملف وفاراً.

وتقول السلطات إن التحقيقات قادت إلى أن محسن الهيمد وأحمد العثمان، المعروف بـ«الكشكي»، بوصفهما من أبرز قادة الخلية التي تتهمها بالمسؤولية عن الهجوم، كما أعلنت ضبط أسلحة وذخائر وعبوات ومعدات لتصنيع المتفجرات. أما الاتهامات المتعلقة بالارتباط بتنظيم داعش ومسؤولية الأفراد عن الجرائم المنسوبة إليهم، فتبقى مسائل يفترض أن تحسمها التحقيقات والإجراءات القضائية.

الهيمد.. ابن مرحلة السلاح المحلي

برز محسن الهيمد خلال سنوات الثورة في بيئة شهدت تراجع سلطة الدولة وانتشار المجموعات المسلحة في درعا. وكغيرها من التشكيلات المحلية، اعتمدت مجموعته على شبكة من العلاقات الاجتماعية والمحلية، قبل أن تتحول إلى قوة ذات نفوذ داخل الصنمين ومحيطها.

ومع تسويات الجنوب عام 2018، دخلت خريطة الفصائل والمجموعات المسلحة مرحلة جديدة. بعض التشكيلات قبل بالتسوية، وأخرى دخلت في ترتيبات أمنية وعسكرية مع النظام الأسد، فيما حافظت مجموعات على جزء من سلاحها ونفوذها.

وفي هذا السياق، ارتبط اسم الهيمد بعلاقات مع أجهزة أمنية وعسكرية تابعة للنظام الأسد، ضمن مشهد لم تكن فيه الحدود واضحة دائماً بين النفوذ المحلي والعمل المسلح والعلاقات الأمنية.

لكن سقوط النظام الأسد بدّل قواعد اللعبة. فالعلاقات القديمة فقدت جزءاً كبيراً من إطارها، ووجدت الدولة الجديدة نفسها أمام مهمة مزدوجة: إعادة بناء المؤسسات الأمنية، وإنهاء وجود مراكز قوة مسلحة خارجها.

حملة 2025 لم تكن النهاية

الحملة الحالية ليست الأولى التي تستهدف مجموعة الهيمد. ففي آذار/مارس 2025 شهدت الصنمين عملية أمنية واسعة ضد المجموعة، انتهت بتراجع نفوذها وفرار عدد من قادتها، ومن بينهم الهيمد.

غير أن عودة الاسم إلى واجهة الأحداث بعد نحو عام ونصف تكشف أن تفكيك البنية المسلحة لا ينتهي بالسيطرة على المواقع أو مصادرة السلاح. فالمجموعات التي نشأت خلال الحرب تستند أيضاً إلى علاقات بشرية ومحلية يمكن أن تستمر بعد انهيار هيكلها العسكري.

ومن هنا، تبدو حملة 17 أيلول 2026 امتداداً لملف أمني لم يُحسم بصورة نهائية، أكثر من كونها حادثة منفصلة.

لماذا الصنمين؟

تحتل الصنمين موقعاً مهماً في شمال درعا، كما أن تاريخها خلال الحرب جعلها نقطة حساسة في الخريطة الأمنية للمحافظة، وجود مجموعات مسلحة فيها لا يعني فقط تحدياً للسلطة داخل المدينة، بل ينعكس على البيئة المحيطة بها. ولهذا فإن استعادة الاستقرار في الصنمين تحمل دلالة تتجاوز حدودها الجغرافية.

بالنسبة للدولة، المسألة تتعلق باحتكار القوة والسلاح. وبالنسبة للسكان، تتعلق بالأمن اليومي وعودة الحياة الطبيعية. أما بالنسبة للمجموعات المسلحة، فهي مرحلة جديدة تفرض عليها تحديد موقعها في منظومة لم تعد تقبل تعدد مراكز القوة كما كان الحال خلال سنوات الحرب.

المدنيون.. الطرف الأكثر حساسية

وسط التصعيد الأمني، يبقى المدنيون في الصنمين أمام معادلة صعبة، فالانتشار الأمني والمداهمات والاشتباكات تعطل الحياة اليومية وتؤثر في الحركة والأسواق والمدارس، بينما يمثل استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة تهديداً طويل الأمد للاستقرار.

ولهذا فإن نجاح الحملة لا يقاس فقط بعدد المطلوبين الذين يتم توقيفهم أو كمية الأسلحة التي يتم ضبطها، بل بقدرتها على إعادة الهدوء من دون توسيع دائرة المواجهة.

ويظل الفصل بين المطلوبين والمجتمع المحلي عاملاً أساسياً، إلى جانب ضمان مسار قضائي واضح يحدد المسؤوليات الفردية ويمنع تحول الملف إلى عقاب جماعي.

معركة أكبر من مجموعة

ما يجري في الصنمين يضع الدولة السورية أمام اختبار يتجاوز محسن الهيمد ومجموعته، فإعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب تعني، قبل كل شيء، إنهاء تعدد مراكز القوة وتوحيد القرار الأمني والعسكري. وهذا يتطلب معالجة ملف المجموعات المسلحة من ثلاثة جوانب مترابطة: الأمن، والقضاء، وإعادة تنظيم العلاقة مع المجتمع المحلي.

فالعملية الأمنية يمكن أن تفكك مجموعة، لكنها لا تمنع بالضرورة ظهور مجموعة أخرى إذا بقيت البيئة التي أنتجت السلاح خارج الدولة.

الصنمين أمام مفترق طرق

بعد ثلاثة أيام من بدء الحملة، في 19 أيلول/سبتمبر 2026، كانت عمليات الملاحقة والتفتيش لا تزال مستمرة، بالتزامن مع توقيف عدد من أفراد المجموعة، بينما بقي مصير محسن الهيمد غير محسوم وفق أحدث المعلومات المتاحة.

وهذا يجعل الحملة الحالية نقطة مفصلية في مسار الملف، لكن نتيجتها النهائية لن تتحدد فقط بما يحدث داخل أحياء الصنمين خلال الأيام المقبلة.

فالمعيار الأهم سيكون ما بعد العملية: هل يتحول الاستقرار الأمني إلى واقع دائم، أم تعود المدينة إلى دورة جديدة من التوتر والملاحقات؟

في الصنمين، لا يجري اختبار قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة مجموعة مسلحة فحسب، بل قدرة الدولة السورية الجديدة على تحويل السيطرة الأمنية إلى استقرار مؤسساتي تحكمه القوانين، لا موازين القوة المحلية.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top