صورة لرئيس الوزار الإسرائيلي نتنياهو في مظاهرات السويداء

عندما يخنق الصوت المحلي مشروع الهيمنة

تختزل الحادثة الأخيرة التي شهدتها بلدة المجدل، وانتهت بانتشال الوجيه الاجتماعي عاطف هنيدي ووصوله إلى دمشق، عمق المأزق الذي تنزلق إليه محافظة السويداء تحت وطأة فرض الرأي الواحد ومصادرة القرار المحلي. لم تكن هذه القضية — كما يروّج البعض — مجرد إجراء مرتبط بشخص بعينه، بل جاءت كخاتمة لخطاب شجاع حاول صاحبه كسر الصمت والقول علناً إن التصريحات التي تتجاوز حقائق الأرض لا تكتفي بالاستفزاز، بل تصنع واقعاً بديلاً وتطلب من الناس العيش داخله. ولم تكن المداهمة رد فعل فردياً، بل خطوة انتقامية ضد بيان تجرأ فيه هنيدي على كسر الهيمنة والاعتراض العلني على تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي حاول فيها الزج بالوجود الدرزي في السويداء ضمن أوهام “دولة باشان” وصنع امتداد هجين يتصل بالاحتلال الإسرائيلي.

تكمن أهمية هذه الواقعة في كونها تكشف عن صحوة حقيقية لرموز ووجهاء المجتمع المحلي الذين رفضوا أن تتحول السويداء إلى ورقة مساومة في مشاريع الارتهان الخارجي. إن تعرية المواقف الأخيرة للهجري لم تأتِ من خصوم سياسيين تقليديين، بل من داخل البنية الاجتماعية والأهلية للمحافظة، عبر شخصيات راكمت حضوراً ميدانياً قائماً على التهدئة والدفاع عن وحدة البلاد. ورغم محاولات الإسكات والتضييق، فإن خروج هذه الأصوات يعكس رفضاً قاطعاً لتلخيص مكون اجتماعي أصيل بكامله في شخص واحد يحتكر النطق باسمه، ويرسم له مستقبل مغامراته العابرة للحدود.

إن ما يجري في الجبل اليوم يتجاوز حدود التلاسن السياسي إلى أزمة فرض أمر واقع بالقوة وإدارة الخوف عبر عزل الأصوات المغايرة. وحين يُستبدل الحوار بترهيب “الداخل”، وحين تُصادر القدرة على الاعتراض، يجد المواطنون أنفسهم محاصرين بين سلطة تفرض رأياً واحداً بالقوة، وسلطة أخرى تُلوّح بتهديدات الانفصال لتبدو وكأنها الخيار الوحيد المتبقي. وفي هذه اللحظة تحديداً، تصير دعوات الانفصال والارتهان حلولاً بلا نتائج لصالح المواطن، وتضع القوى الوطنية أمام خيار مستحيل يرفع شعاراً معادلاته غير قابلة للتحقق: “صحيح لا تنقسم ولا تتقسّم… لكن كذلك لا تُؤكل وتُشبع”.

إن من يطالب بوطنية تصون الجميع لا يُعاقَب اليوم لمجرد اختلافه، بل لأنه يرفض أن يكون وقوداً في معركة الآخرين، أو ضحية لسياسات قطع الطرق والتضييق على التعليم والامتحانات والتصارع بين الفصائل المسلحة (كالحرس الوطني وغيرها) على إدارة التمويل الخارجي وتوزيع النفوذ.

تؤكد هذه التحولات أن السويداء تستحق نقاشاً سياسياً ينبع من تعدديتها، وأن مجتمعها يملك من المناعة ما يجعله قادراً على تمييز الخيارات الوطنية عن المشاريع المشبوهة. وخروج شخصيات بحجم عاطف هنيدي للإعلان عن مواقف صريحة ترفض التبعية وتعرّي طروحات الهجري، يعيد ضبط البوصلة نحو ثوابت الجبل التاريخية. وما لم تُستعاد قواعد الحد الأدنى من المساءلة وحق الاعتراض، ستظل هذه الحوادث لافتات تؤكد أن المحافظة تدفع ثمن صراع أكبر منها، وأن صوتها الأصيل لن يقبل بأن يُخنق قبل أن يُسمع.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top