وزير الخارجية والمغتربين السيد أسعد حسن الشيباني في العاصمة دمشق وفد لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية التابعة لـ الأمم المتحدة معرفات وزارة الخارجية

حذّرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة من أن بعض الأفعال التي تنفذها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية قد ترقى إلى جرائم حرب

 في ظل استمرار التوغلات والدوريات والمداهمات وإقامة نقاط التفتيش والمنشآت العسكرية، واحتجاز سكان سوريين، خصوصاً في محافظتي القنيطرة ودرعا.

وجاء التحذير خلال تحديث قدمته مفوضة اللجنة “فيونوالا ني أولين” أمام مجلس حقوق الإنسان، حيث أعربت عن “قلق بالغ” إزاء استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، معتبرة أن هذا النشاط بات أكثر استدامة وترسخاً، ولم يعد يقتصر على عمليات عسكرية متفرقة.

49 سورياً وثقت اللجنة احتجازهم

قالت اللجنة إنها وثقت احتجاز القوات الإسرائيلية لـ49 سورياً، بينهم طفلان، داخل الأراضي السورية، مشيرة إلى اعتقادها بأن بعض هؤلاء المحتجزين نُقلوا إلى داخل إسرائيل.

وأوضحت أن بعض المحتجزين تعرضوا للاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ما أثار مخاوف بشأن احتمال تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة.

كما تحدثت اللجنة، في بيانها، عن استجواب واحتجاز مئات السكان، بينهم قاصرون، خلال الفترة التي رصدتها، في إطار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية قانونية، إذ ربطت اللجنة بين بعض ممارسات الاحتجاز التي وثقتها والمخاوف المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني، من دون أن تصدر حكماً قضائياً يثبت ارتكاب جرائم حرب.

توغلات ومنشآت عسكرية في القنيطرة ودرعا

لم تقتصر الوقائع التي رصدتها اللجنة على عمليات عسكرية عابرة، بل شملت توغلات برية ودوريات ومداهمات وتفتيشاً للمنازل وإقامة نقاط تفتيش مؤقتة، إلى جانب إنشاء بنى تحتية ومنشآت عسكرية ثابتة.

وتركز جزء من هذه التحركات في القنيطرة ودرعا، حيث رأت اللجنة أن طبيعة النشاط العسكري تشير إلى وجود أكثر استدامة وترسخاً للقوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

ووصف تقرير اللجنة الوجود الإسرائيلي في المنطقة بأنه “احتلال حربي”، في توصيف يتجاوز التعامل معه باعتباره مجرد عمليات أمنية مؤقتة.

كما أشارت اللجنة إلى أن هذه العمليات أثرت في حركة السكان وأدت إلى نزوح مدنيين، في وقت تعمل فيه سوريا على إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الحرب.

من سقوط الأسد إلى استمرار الانتشار الإسرائيلي

يشكل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 نقطة تحول أساسية في المشهد جنوب سوريا.

فبعد سقوط النظام، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة الخاضعة لترتيبات فض الاشتباك، في خطوة قالت تل أبيب إنها مؤقتة ومرتبطة باعتبارات أمنية في ظل الفراغ الذي أعقب انهيار النظام.

لكن دمشق والأمم المتحدة اعتبرتا الانتشار الإسرائيلي خرقاً للسيادة السورية ولترتيبات فض الاشتباك الموقعة عام 1974.

وينص اتفاق فصل القوات لعام 1974 على إنشاء منطقة فصل بين القوات السورية والإسرائيلية، مع تولي قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “UNDOF” مهمة مراقبة تنفيذ الاتفاق والحفاظ على وقف إطلاق النار.

ومنذ ذلك الحين، تحول الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا إلى أحد أبرز ملفات الخلاف بين دمشق وتل أبيب.

إسرائيل: وجود مؤقت لحماية المواطنين

في المقابل، رفضت البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة توصيف اللجنة، واتهمتها بتحويل جلسة مجلس حقوق الإنسان إلى ما وصفته بأنه هجوم على إسرائيل.

وقالت البعثة إن إسرائيل لا تملك أطماعاً إقليمية في سوريا، وإنها تحتفظ بمنطقة عازلة مؤقتة تبلغ نحو 0.1% من مساحة سوريا، معتبرة أن وجود قواتها فيها ضروري لحماية مواطنيها من التهديدات الأمنية.

وبذلك تتقابل روايتان بشأن طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي: الأولى ترى فيه انتهاكاً للسيادة السورية ووجوداً عسكرياً أخذ طابعاً أكثر ترسخاً، بينما تصفه إسرائيل بأنه انتشار أمني مؤقت تفرضه الضرورات الأمنية.

تحذير أممي يتزامن مع مسار تفاوضي

يأتي التحذير الأممي في توقيت حساس، بالتزامن مع اتصالات سورية إسرائيلية بوساطة أميركية بهدف خفض التوتر والتوصل إلى ترتيبات أمنية في الجنوب.

وكانت دمشق قد طالبت بوقف الضربات الإسرائيلية والاعتقالات والعمليات داخل سوريا، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل سقوط الأسد، إلى جانب إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

كما طرحت دمشق ترتيبات أمنية في الجنوب لا تسمح بوجود إسرائيلي دائم داخل الأراضي السورية.

ويضع تقرير لجنة التحقيق الدولية هذه المطالب في سياق أكثر تعقيداً، إذ يأتي في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن دفع الطرفين نحو تفاهم أمني، بينما ترى الأمم المتحدة أن النشاط العسكري الإسرائيلي داخل سوريا بات يحمل أبعاداً قانونية وحقوقية متزايدة.

من ملف أمني إلى قضية قانونية

يحمل توصيف اللجنة لعبارة “قد ترقى إلى جرائم حرب” دلالة قانونية مهمة، إذ لا يعني صدور حكم قضائي يثبت ارتكاب جرائم حرب، وإنما يشير إلى أن بعض الأفعال الموثقة قد تدخل، إذا ثبتت عناصرها القانونية والوقائعية، ضمن الأفعال التي يمكن أن تحمل هذا الوصف.

وتبرز هنا مسألة الاحتجاز، ولا سيما الحالات التي تكون بمعزل عن العالم الخارجي أو تقترن بسوء المعاملة، إلى جانب طبيعة العمليات العسكرية وتأثيرها على السكان المدنيين.

 

  • محمد جابر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top