إعادة تأهيل بئر محطة القطار في بصرى الشام خاص مؤسسة جولان

تراجع غزارة مصادر المياه في درعا بنسبة 85.9%، مع جفاف ينابيع وهبوط المياه الجوفية، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة.

تواجه محافظة درعا أزمة مياه تتجاوز مشكلة انقطاع الضخ ووصول المياه إلى الأحياء، بعدما سجلت مصادر المياه الرئيسية تراجعاً حاداً في غزارتها، بالتزامن مع جفاف ينابيع وانخفاض مخزون السدود وهبوط متواصل في منسوب المياه الجوفية.

وبحسب بيانات وتصريحات لمسؤولي الموارد المائية في المحافظة، تراجعت الغزارة المتاحة للمصادر والمشروعات المائية المركزية من نحو 6786 متراً مكعباً في الساعة إلى 960 متراً مكعباً، بانخفاض يقارب 85.9%.

وتكشف هذه الأرقام أن أزمة مياه درعا لم تعد مرتبطة بقدرة الشبكات على توزيع المياه فقط، بل وصلت إلى المورد نفسه، مع تراجع كميات المياه السطحية والجوفية التي تعتمد عليها المحافظة.

أزمة مياه درعا بالأرقام

تظهر مؤشرات الموارد المائية اتساع الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المتاحة، وأعلنت المحافظة جفاف نبع المزيريب بالكامل، إلى جانب جفاف المرحلتين الثانية والرابعة من مشروع الثورة، فيما تراجعت غزارة ينابيع أخرى كانت تشكل مصدراً رئيسياً لمياه الشرب والري.

وفي السدود، لم يتجاوز التخزين خلال الموسم الحالي نحو 13 مليون متر مكعب من أصل قدرة تخزينية إجمالية تقارب 96 مليون متر مكعب، أي ما يعادل نحو 13% من الطاقة التخزينية.

كما أظهرت قياسات آبار المراقبة هبوطاً في منسوب المياه الجوفية وصل خلال العام الحالي إلى نحو 5 أمتار.

هذه المؤشرات مجتمعة تعني أن المحافظة لا تواجه نقصاً مؤقتاً في المياه، وإنما ضغطاً متزايداً على مصادرها الرئيسية.

150 بئراً جديدة.. هل تكفي؟

قال محافظ درعا “أنور طه الزعبي” في حديث للإخبارية السورية، إن المحافظة أنجزت حفر 150 بئراً جديداً ضمن حملة “أبشري حوران”، ليرتفع عدد الآبار التابعة لمؤسسة المياه إلى نحو 750 بئراً.

وأشار إلى وجود 19 محطة إرواء بحاجة إلى إعادة تأهيل، مؤكداً العمل بالتعاون مع منظمات لإعادة تشغيلها، إلى جانب إجراءات لضبط الآبار المخالفة والحد من الحفر العشوائي.

وبحسب تصريحات المحافظة، تجاوزت قيمة ما أنفقته حملة “أبشري حوران” على الحلول الإسعافية ثلاثة ملايين دولار، شملت حفر الآبار والتجهيزات الميكانيكية وترميم وتأهيل محطات الضخ.

كما تحدثت المحافظة عن مصادرة نحو 76 حفارة مرتبطة بأعمال حفر مخالفة، وإزالة تعديات على خطوط الضخ وإحالة المخالفين إلى القضاء.

لكن هذه الإجراءات تطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن أن يكون حفر المزيد من الآبار حلاً دائماً لأزمة تتراجع فيها المياه الجوفية أصلاً؟

الجفاف ليس العامل الوحيد

ترتبط أزمة المياه في درعا بعدة عوامل متراكمة، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد، وتشير المعطيات المتاحة إلى تأثير انخفاض معدلات الهطول والجفاف خلال السنوات الماضية، إلى جانب ارتفاع الطلب على المياه، وتراجع التغذية الطبيعية للمياه الجوفية، والتوسع في حفر الآبار، ولا سيما الآبار غير المرخصة.

كما ساهمت التعديات على شبكات المياه وخطوط الضخ، وضعف بعض البنى التحتية، والحاجة إلى إعادة تأهيل محطات الإرواء، في زيادة صعوبة تأمين المياه للمناطق السكنية والزراعية.

وبالتالي، فإن معالجة الآبار المخالفة تمثل جزءاً من الحل، لكنها لا تعالج وحدها تراجع الهطولات أو جفاف الينابيع أو انخفاض مخزون الأحواض الجوفية.

حوض اليرموك في قلب الأزمة

يحتل حوض اليرموك موقعاً أساسياً في معادلة المياه في درعا، نظراً لاعتماد أجزاء واسعة من المحافظة على موارده الجوفية والسطحية.

وتربط الجهات المائية تراجع غزارة الينابيع بعوامل من بينها قلة الهطولات والتغيرات المناخية والتوسع في استثمار المياه الجوفية.

وفي منطقة عين ذكر، درست الجهات المختصة إمكانية استثمار آبار قريبة من النبع وإدخال مياهها إلى منظومة الشرب لتعويض جزء من التراجع المسجل في المصادر الطبيعية.

لكن اللجوء المتزايد إلى المياه الجوفية يضع الحوض أمام معادلة صعبة: تأمين مياه الشرب في المدى القصير، من دون زيادة استنزاف المخزون الذي يتراجع أصلاً.

الآبار المخالفة.. جزء من المشكلة لا كل المشكلة

حذرت محافظة درعا في وقت سابق من أثر الآبار غير المرخصة والتعديات على خطوط المياه والاستجرار غير المشروع في الموارد المائية.

ووفق آخر إحصاء رسمي منشور للآبار غير المرخصة، بلغ عددها نحو 3600 بئر عام 2022، في وقتت تتحدث به جهات رسمية عن إحصاء ما يفوق 22 ألف بئر في آخر إحصائية 2026.

وتشير هذه البيانات إلى وجود ضغط بشري على المياه الجوفية، لكن تحميل الآبار المخالفة وحدها مسؤولية الأزمة لا يتوافق مع المعطيات الأخرى المتعلقة بالجفاف وتراجع التغذية الطبيعية وهبوط مناسيب المياه.

فحتى وقف الحفر المخالف لن يؤدي بصورة فورية إلى إعادة الينابيع التي جفت، ما لم تترافق الإجراءات مع إدارة طويلة الأمد للحوض المائي.

تحذيرات من استنزاف المخزون الجوفي

يرى خبراء في الموارد المائية أن الوضع الجوفي في درعا بات أكثر حساسية مما تعكسه مشكلة انقطاع المياه اليومية.

وقدّر الخبير في الموارد المائية “عبد الحميد مسالمة” المخزون الجوفي في درعا بنحو 7.5 مليارات متر مكعب، مشيراً إلى فقدان نحو 3.5 مليارات متر مكعب نتيجة الهبوط المائي، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام.

كما تحدث عن هبوط كبير في مناسيب المياه وجفاف عدد من الينابيع.

وهذه التقديرات تبقى تقديرات خبير وليست بيانات رسمية حديثة، لكنها تعكس حجم المخاوف من أن تكون الأزمة مرتبطة باستنزاف متراكم للمخزون الجوفي.

بدوره، وضع خبير السدود والموارد المائية “عبد الرزاق فرج العليوي” أزمة درعا ضمن أزمة مائية أوسع في سوريا، مشيراً إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه المتاحة إلى مستويات تقع دون خط الفقر المائي العالمي.

ريف درعا الغربي.. الأزمة تظهر أولاً

تظهر تداعيات الأزمة بصورة واضحة في ريف درعا الغربي، حيث جفت ينابيع كانت تغذي مناطق واسعة، ثم بدأت بعض الآبار التي تستخدم كمناهل لتعبئة الصهاريج بالتراجع والجفاف.

ومع تراجع مصادر المياه، يصبح تأمين مياه الشرب أكثر صعوبة بالنسبة للأهالي، بينما ترتفع الحاجة إلى الصهاريج والمصادر البديلة.

ولا تقتصر المشكلة على مياه الشرب، إذ ينعكس تراجع الموارد المائية أيضاً على الزراعة وتربية المواشي، وهما من أبرز مصادر الدخل في مناطق واسعة من المحافظة.

حفر الآبار.. حل إسعافي لا استراتيجية مائية

قد توفر الآبار الجديدة حلاً ضرورياً للمناطق التي فقدت مصادرها التقليدية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أزمة المورد.

ففي حال استمرار هبوط المياه الجوفية، فإن زيادة عدد الآبار قد تعني نقل الضغط من الينابيع إلى الطبقات الجوفية بدلاً من معالجة أصل المشكلة.

وتحتاج المحافظة، إلى جانب الإجراءات الإسعافية، إلى إدارة أكثر صرامة للسحب من المياه الجوفية، وضبط الحفر، ومراقبة مناسيب الآبار، وتقليل الهدر في الشبكات، وإعادة تأهيل محطات الضخ، وإعطاء مياه الشرب أولوية واضحة على الاستخدامات الأخرى في المناطق الأكثر تضرراً.

كما تبرز الحاجة إلى مراجعة أنماط الزراعة والمحاصيل ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، بالتوازي مع البحث عن مشاريع تعزز تخزين المياه وإعادة تغذية المصادر الجوفية حيثما تسمح الظروف.

أزمة تتجاوز صيف 2026

المؤشرات الحالية تجعل أزمة المياه في درعا قضية تتجاوز موسم الصيف الحالي، فتراجع الغزارة بنحو 85.9%، وجفاف عدد من الينابيع، وانخفاض تخزين السدود إلى مستويات متدنية، وهبوط المياه الجوفية، كلها عوامل تشير إلى أن المحافظة أمام تحدٍ طويل الأمد.

وتحاول السلطات حالياً سد الفجوة عبر حفر الآبار وتأهيل محطات الإرواء وضبط المخالفات، لكن نجاح هذه الإجراءات لن يقاس فقط بكمية الآبار التي يجري حفرها، وإنما بقدرتها على وقف استنزاف الموارد وضمان بقاء مصادر المياه للأعوام المقبلة.

وبذلك، فإن السؤال الذي تواجهه درعا لم يعد فقط: كيف نؤمن المياه اليوم؟ بل أصبح: كيف نحافظ على ما تبقى من مياه المحافظة قبل أن يتحول النقص الحالي إلى عجز دائم؟

  • طارق أبو البراء

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top