أعلنت جهات حكومية سورية عن مشروع مطار المزة المدني ليكون مشروعاً مخصصاً للطائرات الخاصة برجال الأعمال، وطائرات الهيليكوبتر التي ستعمل كـ«تكسي جوي» بين المدن السورية. ورغم فخامة العنوان، إلا أن هذا المشروع سيئ جداً لمدينة دمشق.
إذا نظرنا إلى الخريطة، نرى أن المطار مع الأراضي التابعة له يشغل مساحة تقارب 7 كم²، بينما تبلغ مساحة مدينة دمشق 105 كم² فقط، حيث يشكل المطار نسبة 6.5% من مساحة المدينة. وفي الوقت ذاته، يتم بناء توسعة تاريخية في مطار دمشق الدولي الذي يبعد 24 كيلومتراً كخط نظر عن مطار المزة.
وبناءً على الأرقام السابقة، وبالأخذ بعين الاعتبار حالة البنية التحتية والطرق في مدينة دمشق، وأعداد السيارات، والطبيعة الجيولوجية والزراعية للمدينة، نجد أن هذا الاستثمار هو استثمار غير مفيد للمدينة، بل ويكبلها بقيود جديدة لا يمكن لدمشق استيعابها.
تعود آخر مخطط تنظيمي لمدينة دمشق إلى عام 1968م، وتم تعديله في عام 2001م. هذا المخطط لم يأخذ بعين الاعتبار توسع المدينة ولا انتقالها الحضري لمستويات المدن الحديثة، وبالتالي بقيت مدينة دمشق أسيرة نفسها، تعاني مشاكل في البنية التحتية غير القابلة للتطوير، لا سيما مع وجود مناطق المخالفات التي باتت تشكل حوالي 40% من مساحة المدينة، مع انعدام وجود أي إمكانية للتوسع الأفقي داخل حدود دمشق الإدارية، وعدم إمكانية التوسع الشاقولي لضعف البنية التحتية وشبكة الطرق السيئة.
وعلى جانب آخر، يشغل الغطاء الأخضر نسبة تقريبية 10.6% من مساحة المدينة، بينما النسبة العالمية هي 14%، لكن هذه النسبة في دمشق هي نسبة وهمية نتيجة لغياب الأشجار وغياب الرعاية لها، نتيجة لسنوات الحرب والتحطيب الجائر للمساحات الخضراء.
من هنا، يجب أن تكون الحلول لمدينة دمشق حلولاً استراتيجية وفق خطة واضحة ومستدامة، لا أن تضاف مشاريع جديدة إلى المدينة من دون النظر إلى الصورة العمرانية الكبرى ومستقبل العاصمة خلال العقود المقبلة.
وأولى هذه الحلول تتمثل في ضم مناطق جديدة لمدينة دمشق من الوحدات الإدارية المحيطة بها، مثل حرستا وضاحية حرستا وقدسيا والمعضمية وداريا وغيرها، أو تحويل المسمى التنظيمي لهذه الوحدات بحيث تتماشى مع النسيج العمراني لمدينة دمشق وضابطة البناء الحديثة.
وبالتوازي مع ذلك، يجب وضع مخطط تنظيمي جديد يراعي الاشتراطات الحضرية الحديثة ويستوعب عملية انتقال دمشق إلى مدينة حديثة، بما يشمله ذلك من تحديث البنية التحتية، وتوسيع الطرقات والمناطق الخضراء، وإيجاد حلول مرورية وحلول لأزمات أعداد السيارات والمواقف، ومنع السيارات من دخول دمشق القديمة لتكون منطقة مغلقة بالكامل بعد إيجاد حلول فنية للمسائل اللوجستية فيها.
كما يجب إيجاد حلول اجتماعية مناسبة للمناطق العشوائية من خلال سياسة «بيت مقابل بيت»، وبالتالي الاستفادة من المساحات العشوائية من خلال التوسع الشاقولي، بما يسمح بإعادة تنظيم هذه المناطق من دون تجاهل البعد الاجتماعي والسكاني لها.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل دمشق من دون حل مشكلة المياه، وذلك من خلال تطوير الينابيع والآبار المحيطة بها عبر دراسات بيئية وطبوغرافية وهندسية، وعبر مصنع تحلية مياه البحر للاستخدامات غير الغذائية، إضافة إلى إيجاد آلية فنية لاستدامة جريان نهر بردى كمظهر جمالي للمدينة.
وفي هذا السياق تحديداً، يمكن إعادة النظر في وظيفة مطار المزة نفسه. فبدلاً من تحويل هذه المساحة الكبيرة إلى مطار مدني مخصص للطائرات الخاصة والهيليكوبتر، يمكن تحويل مطار المزة إلى رئة للمدينة تشمل حديقة وطنية ومشاريع خدمية وترفيهية وتجارية وسياحية، لتكون نقطة جذب سياحي جديدة للعاصمة.
وبالموازاة مع ذلك، يمكن تطوير منطقة بساتين العدوي لتكون منطقة مسارات للمشاة، مع احتفاظ المالكين بملكيتهم للأراضي، وقيام مشاريع سياحية داخلها في الأماكن المناسبة. كما يجب البدء بتنفيذ مترو دمشق وفق المخطط التنظيمي الجديد، لا وفق الوضع الحالي، لأن إنشاء شبكة نقل كبرى وفق واقع عمراني قديم قد يعني تثبيت المشكلات بدلاً من حلها.
كذلك يمكن استغلال منطقة سفوح قاسيون، وخصوصاً مناطق العشوائيات، في بناء وجهات جديدة داخل المدينة، بعد تعويض السكان بسكن يتناسب مع الوضع العائلي في مناطق قريبة، كالقابون مثلاً. وفي الجانب الصناعي، يجب إلغاء جميع التصاريح الصناعية داخل المدينة ونقل جميع المصانع إلى مدينة عدرا الصناعية، بما يخفف الضغط عن العاصمة ويعيد توزيع الوظائف والنشاطات الاقتصادية خارج المناطق السكنية.
أما المساحات الخضراء، فيجب أن تكون جزءاً أساسياً من التخطيط الجديد، من خلال زراعة حزام أخضر على الحدود الإدارية الجديدة للمدينة بما لا يقل عن مسافة 300 متر، ومراعاة أن تكون النسبة الخضراء داخل المدينة 15% فما فوق.
ومن الضروري أيضاً نقل الكراجات إلى أطراف المدينة، مع توفير المواصلات السهلة لها، بما يخفف الضغط المروري داخل دمشق ويعيد تنظيم حركة الدخول والخروج منها.
ولكي لا تبقى هذه الأفكار مجرد تصورات، يجب وضع سقف زمني لإنجاز هذه الخطة وفق المخططات الجديدة لا يتجاوز 20 سنة، يمنع خلالها منح أي ترخيص يتعارض مع هذه الخطة، بحيث تتحول عملية تطوير دمشق إلى مشروع طويل الأمد لا يخضع للتغييرات الآنية أو القرارات المنفصلة.
وبالطبع، هناك تفاصيل كثيرة أخرى تتعلق بالتعليم والصحة والمجمعات التجارية والخدمية ودوائر الدولة، بالإضافة إلى منطقة حديثة تشمل الحي الدبلوماسي والحي الحكومي ومنطقة المال والأعمال ومقرات الشركات وغيرها خارج المناطق السكنية للمدينة.
المسألة في النهاية ليست مسألة مطار فقط، ولا تتعلق برفض مشروع للطائرات الخاصة أو التكسي الجوي بحد ذاته، وإنما تتعلق بالسؤال الأكبر: أي دمشق نريد أن نبني؟
فمدينة تعاني أصلاً من محدودية المساحة، وضعف البنية التحتية، وأزمات الطرق والسيارات والمواقف والمياه، وتراجع المساحات الخضراء، وانتشار المخالفات، لا يمكن أن تُدار بمنطق إضافة المشاريع واحداً تلو الآخر من دون مخطط شامل يعيد رسم مستقبلها.
دمشق تحتاج إلى رؤية عمرانية متكاملة تعيد تنظيم علاقتها بالسكن، والنقل، والصناعة، والمياه، والمساحات الخضراء، والاستثمار والسياحة، وتفتح المجال أمام توسع مدروس يستجيب لحاجات المدينة وسكانها، بدلاً من تكريس اختناقاتها الحالية.
هكذا نضمن استدامة المدينة، ونضمن دخول مدينة دمشق في عصر المدن من الجيل الخامس.






