جماهير سورية تحيي ذكرى التحرير

معركة كسر العظم بين أشلاء عقلية الأسد ورياح التغيير الوافدة من الشمال

تدور خلف الكواليس وفي دهاليز المؤسسات العامة معركة صامتة لا يقل أثرها خطورة عن المواجهات المسلحة. إنها معركة الهوية المؤسساتية والثقافية؛ صدام محتدم بين فئتين يحمل كل منهما تصوراً متناقضاً تماماً لشكل الحياة والإدارة. الفئة الأولى تشمل مئات الآلاف من الوافدين والمهجرين قسراً من مختلف المحافظات السورية (دمشق، حمص، حلب، وريفها)، والذين يحملون معهم رغبة عارمة في بناء نموذج إداري مرن ونظيف يعتمد على الكفاءة والشفافية كبديل حقيقي عن المنظومة التي ثاروا ضدها. أما الفئة الثانية، فتتمثل في بقايا الجهاز البيروقراطي والموظفين الذين استمروا في مواقعهم بعد سقوط النظام البائد، والذين تشربوا على مدار عقود “ثقافة الأسد البائد” القائمة على الفوضى المنظمة، المحسوبية، الرشوة، والاستبداد
هذا التناحر لا يقف عند حدود التنافس على منصب أو رتبة وظيفية، بل هو صراع وجودي بين مدرستين: مدرسة تحاول انتزاع حقوقها وبناء مجتمع مؤسساتي سليم، ومدرسة تعتاش على الروتين والفساد، وترى في القانون والشفافية تهديداً مباشراً لامتيازاتها التاريخية ووجودها الاعتباري.
أروقة التعليم: صناعة الوعي في مواجهة “أدوات التلقين والترهيب”
تعتبر المؤسسات التعليمية والتربوية الجبهة الأكثر حساسية في هذا الصراع، كونها المسؤولة عن صياغة عقول الجيل القادم. هنا، يصطدم المعلمون الوافدون، والذين يحملون رؤى تطويرية ومناهج تفاعلية حديثة، بحائط صد منيع يشكله بعض المدراء والإداريين القدامى الذين نشأوا في كنف “اتحاد شبيبة الثورة” ومنظومة التلقين البعثية.
يقول “أبو أحمد” (42 عاماً)، وهو موجه تربوي لأجىء كان في تركيا ويعمل حالياً في الميدان التعليمي :
“عندما دخلنا إلى بعض المدارس، صُدمنا بأن الذهنية الإدارية لم تتغير شبرًا واحدًا. بعض المدراء القدامى لا يزالون يمارسون ذات الأساليب القمعية؛ يعتبرون الطالب متهمًا حتى تثبت براءته، ويرفضون أي مبادرة لكسر الجمود التعليمي. نحاول إدخال طرق تدريس تعتمد على التفكير النقدي وحرية التعبير، لكننا نُجابه ببيروقراطية قاتلة وتعنت جاف تحت ذريعة ‘الحفاظ على الانضباط’. هؤلاء لا يعرفون كيف يديرون مدرسة دون إشاعة أجواء الخوف والترهيب، لأنها الأداة الوحيدة التي تعلموها في معاهد الأسد البائد لتطويع الإنسان وتدجينه.”
هذا التناقض يمتد أيضاً إلى قطاع التعليم الجامعي، حيث تبرز الخلافات حول معايير التقييم والتعيين وتوصيف المناهج. فالكفاءات الأكاديمية الوافدة تدفع باتجاه رقمنة الشؤون الطلابية واعتماد معايير النزاهة العلمية، بينما يحاول الحرس الإداري القديم التمسك بالآليات الورقية المعقدة التي تتيح التدخل البشري، مما يفتح الباب واسعاً للمحسوبيات وتمرير الوساطات وتفضيل الأقارب والمعارف على حساب الطلاب المتفوقين.
محراب القضاء والمؤسسات الخدمية: حصون الروتين والدفاع عن السمسرة
إذا كان الصراع في التعليم يدور حول صياغة الوعي، فإنه في أروقة المحاكم، الدوائر العقارية، والسجلات المدنية يتحول إلى معركة كسر عظم حقيقية حول المال والنفوذ. تعتبر هذه الدوائر المعقل التقليدي لـ “الحرس القديم” الذي يستميت للحفاظ على بيئة ورقية معقدة وغامضة، إذ إن هذه العتمة البيروقراطية هي المناخ المثالي لإنتاج الفساد واقتناص الرشا.
تروي “محامية قادمه من الشمال السوري تفاصيل هذا الصدام اليومي:
“عندما تراجع بعض المحاكم أو الدوائر الخدمية في دمشق وريفها ، تشعر وكأنك دخلت آلة زمنية قذفت بك إلى ثمانينيات القرن الماضي . هناك تعمد واضح لتعقيد المعاملات وتأخير البت في قضايا المواطنين العقارية والمدنية. هذا التعقيد ليس عجزاً، بل هو ‘مقصود ومنهجي’. الفساد بالنسبة لبعض هؤلاء الموظفين ليس انحرافاً سلوكياً طارئاً، بل هو عقيدة ونمط حياة ومصدر دخل أساسي يعوضهم عن نقص المرتبات. إنهم يدركون تماماً أن مشروع أتمتة الوثائق السجلية والعقارية وتحويلها إلى نظام رقمي شفاف سيعني ببساطة قطع دابر السمسرة وإلغاء دور الوسيط، لذلك يختلقون الأعذار التقنية والقانونية لعرقلة أي خطوة نحو التحديث.”
وتضيف المحامية:
“الأمر يتجاوز سرقة الأموال إلى النظرة الفوقية السلطوية؛ فالموظف الذي تربى على ثقافة الأسد يرى في المراجع والمواطن طرفاً ضعيفاً مستباحاً يجب إذلاله قبل قضاء حاجته، بينما يرى الوافدون والمصلحون أن وظيفة المؤسسة هي خدمة المواطن وتسهيل حياته تقديراً لتضحياته.”
تشريح الصدام: كيف تفكر المدرستان؟
لإدراك عمق الفجوة بين الطائفتين الإداريتين، يمكن تلخيص مظاهر الصدام الثقافي والسلوكي عبر الأبعاد التالية:
معايير التوظيف والترقي: تطالب الكفاءات الوافدة والشباب الثوري بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب بناءً على الشهادة والخبرة والإنتاجية الفعلية. بالمقابل، يصر الموظفون القدامى على أحقيتهم المطلقة بالمناصب القيادية مستندين إلى مفهوم “الأقدمية في السلك” والتراتبية الوظيفية البالية، معتمدين على شبكات الولاء الشخصي والجهوي لتثبيت مواقعهم.
إدارة المعاملات وأموال العامة:
ينادي المصلحون بالتحول الرقمي الكامل، الشفافية المطلقة، وتبسيط الإجراءات لتقليل الاحتكاك بين الموظف والمواطن. في حين يفضل الحرس القديم نظام “الأضابير” والملفات الورقية المتراكمة والتواقيع المتعددة، لأن كل توقيع إضافي يمثل فرصة لابتزاز المواطن وفرض الرشوة تحت مسميات “الإكرامية” أو “تسهيل الأمر”.

الفلسفة الإدارية والتعامل مع الجمهور:
تحمل الكفاءات الوافدة فكراً تحررياً يرى في المؤسسة ملكية عامة للشعب وخادمة له. أما بقايا عقلية النظام البائد، فينظرون إلى المنصب العام كإقطاعية شخصية أو وجاهة اجتماعية تمنحهم الحق في ممارسة التسلط والتعالي على الناس، مستنسخين سلوك “رجل الأمن” في دولة الاستبداد.

الفجوة البنيوية بين المنظومتين في سورية
محور الخلاف الإداري عقلية الوافدين والمصلحين الجدد و ثقافة “الحرس القديم” الموروثة، فلسفة الوظيفة العامة تكليف لخدمة المواطن وتسهيل شؤونه. وليس سلطة لابتزاز الجمهور وتحقيق المكاسب.، آلية إدارة المعاملات الأتمتة الرقمية والنافذة الواحدة والشفافية.وليس الروتين الورقي المعقد وتعدد التواقيع لفتح باب الرشوة.
مقياس الكفاءة والتعيين الشهادة الجامعية، الخبرة، والقدرة على التطوير. وليس سنوات الخدمة في الهيكل القديم والولاء للمتنفذين. والتعاطي مع القوانين أداة لتنظيم المجتمع وحفظ حقوق المستضعفين وليس نصوص مطاطية يتم تحويرها لخدمة المصالح الشخصية.

الأبعاد المجتمعية والنفسية للصراع:
لا يمكن فصل الصراع الإداري عن الواقع المجتمعي . فالوافدون الذين يشكلون نسبة ضخمة من سكان المنطقة، هم الذين دفعوا الثمن الأكبر في الثورة السورية؛ فقدوا بيوتهم، وأملاكهم، وعائلاتهم في سبيل التخلص من ظلم منظومة الأسد. وعندما يستقر بهم الحال في مناطقهم الأصلية ليجدوا أنفسهم مجبرين على الخضوع لذات الذهنية الفاسدة والروتين القاتل الذي ثاروا ضده، يصاب الكثير منهم بخيبة أمل مريرة.
يقول “خالد” (35 عاماً)، وهو مهندس مدني من حمص:
“الخطورة تكمن في أن هذا الفساد الإداري الموروث يعمل كعامل طرد للكفاءات. عندما يرى الطبيب أو المهندس أو المعلم المبدع أن المعاملات والترقيات والمشاريع تدار بذات الطريقة الأسدية القديمة القائمة على ‘الواسطة والمحسوبية والشللية’، فإنه يفقد الأمل في إمكانية الإصلاح، ويفكر بالهجرة خارج البلاد. بقاء هذه الثقافة هو تدمير ممنهج لبنية المجتمع وتفريغ للشمال من عقوله ومقومات نهوضه.”
إن استمرار ثقافة “الفوضى المنظمة” التي تربى عليها موظفو النظام البائد يساهم في إضعاف الثقة بين الحاضنة الشعبية والمؤسسات المحلية الناشئة، وهو ما يسعى إليه فلول نظام الأسدالبائد عبر طابوره الخامس الإداري الذي يثبت يوماً بعد آخر أن تدمير الثورات لا يتم بالسلاح فقط، بل بإفشال نماذجها الإدارية والخدمية وجعلها مرآة مشوهة للنظام نفسه.
مستقبل الشمال السوري: حتمية الثورة الإدارية واجتثاث المواريث
إن حسم هذا الصراع الخفي في سورية يمثل حجر الأساس الذي سيتحدد بناءً عليه مستقبل البلد برمتها. فلم يعد مقبولاً، بعد كل هذه السنوات من التضحيات، أن تظل مؤسسات الدولة رهينة لذهنيات ورثت الفساد كابراً عن كابر، وترى في الفوضى بيئتها الحيوية.
إن مواجهة هذا “السرطان الإداري” تتطلب اتخاذ خطوات حاسمة وجريئة من قبل الجهات التنفيذية، ومن أبرزها:
١- تفعيل قوانين صارمة لمكافحة الفساد: إرساء آليات رقابية مستقلة وفعالة تتابع حركة المعاملات وتستقبل شكاوى المواطنين بجدية دون مواربة .
٢- تسريع وتيرة التحول الرقمي: سحب البساط من تحت أقدام سماسرة الروتين عبر أتمتة كافة الدوائر الخدمية والعقارية والقضائية، مما يلغي التدخل البشري المزاجي في تمشية معاملات الناس.
٣- الاعتماد الشامل على الكفاءات: ضخ دماء جديدة من الخريجين الشباب والوافدين أصحاب الخبرات في مفاصل القرار الإداري، وإحالة الوجوه التي أثبتت تمسكها بإرث الفساد البعثي إلى التقاعد أو المحاسبة.
إن الثورة على الفساد الإداري والذهنية الأسدية في المؤسسات لا تقل أهمية أو قدسية عن الثورة على الطغيان السياسي والعسكري. وإذا كان السلاح قد حرر الأرض، فإن الوعي، والنزاهة، وسيادة القانون هي الأدوات الوحيدة الكفيلة بتحرير الإنسان وبناء الدولة التي حلم بها السوريون.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top