لوحة تعبر عن التراشق اللفظي على منصات التواصل لـ فادي الأصمعي

 

“من الشائعة إلى الانقسام المجتمعي، كيف تحولت المنصات إلى أدوات تفكيك النسيج الوطني”

الفتنة الرقمية التي اقتحمت البيوت لم تعد مجرد توصيف بلاغي، بل واقع يومي يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم حيث تحولت وسائل الإعلام الحديثة والإنترنت،ومواقع التواصل الاجتماعي إلى ضيف دائم في كل بيت بلا استئذان وفي هذا السياق استحضر الحديث الشريف التالي:
عن النبي (ص) “ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته” رواه البخاري (3176).
هذا الحديث يضعنا أمام صورة معاصرة تتجلى فيها هذه الفتنة بأوضح صورها عبر الشاشات الصغيرة التي يحملها كل فرد، والتي تنقل الخير والشر معاً وتفتح الباب أمام الفكر المنحرف والشائعة الكاذبة والصورة المضللة، وقد علق الشيخ “صالح الفوزان” على هذا الحديث مؤكداً أن هذه الفتنة العامة تدخل البيوت عبر وسائل الإعلام والإنترنت، لتصبح الشرور حاضرة في حياة الناس وهم على فرشهم.
في الواقع السوري الراهن، أخذت هذه الفتنة الرقمية شكلاً أكثر خطورة، حيث تحولت الحسابات الوهمية الموجهة إلى أدوات منظمة لتوجيه الرأي العام وصناعة روايات مشوهة وبث الشائعات التي تزرع الفوضى والانقسام.
هذه الحسابات لا تكتفي بنقل الخبر، بل تتعمد تغذية العصبيات القديمة، وتضخيم الأحداث المحلية، وتوظيف العنصرية والمناطقية كأداة لتأجيج الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، مما يضعف الثقة الوطنية ويقوض السلم المجتمعي.

انعكاسات هذه الحملات الرقمية باتت واضحة في تفكك الروابط الأسرية بسبب الجدل المستمر على المنصات وانتشار القلق والاكتئاب نتيجة سيل الأخبار المضللة والمشاهد الصادمة، وتطبيع الفوضى حتى أصبحت الشائعة مألوفة وكأنها حقيقة.
الأخطر أن هذا الخطاب العنصري والمناطقي بات مألوفاً لدى الأجيال الناشئة، مما يهدد وحدة المجتمع السوري ويضرب نسيجه المتماسك.
إن مواجهة هذه الفتنة لا تكون بالانسحاب من الواقع، بل بالوعي والتحصين، التربية الإعلامية أصبحت ضرورة لتعليم الأجيال كيفية التحقق من الأخبار وعدم الانجرار وراء كل ما ينشر، وكشف الحسابات المضللة واجب وطني، والرقابة الواعية داخل البيوت مسؤولية لحماية الأبناء من الانزلاق وراء المحتوى المضلل.
كما أن الاستثمار في المحتوى الوطني الهادف هو السبيل لتحويل هذه الوسائل من مصدر فتنة إلى أداة بناء، وإعادة ترسيخ قيم المواطنة والتعايش.
إن الفتنة الرقمية التي اقتحمت البيوت، أصبحت جزءاً من المشهد اليومي الذي يفرض نفسه على المجتمع السوري بكل تفاصيله.
الحديث الشريف الذي أنذر بفتنة تدخل كل بيت يذكرنا اليوم بأن هذه الوسائل ليست مجرد أدوات ترفيه أو تواصل، بل قد تتحول إلى قنوات منظمة لبث الشائعات وتغذية الانقسامات وضرب النسيج الوطني.
لقد أثبتت التجربة أن مواجهة هذه الفتنة لا تكون بالصمت أو الانسحاب، بل بالوعي النقدي والتحصين المعرفي، وبإعادة توجيه الإعلام الرقمي ليكون أداة بناء لا وسيلة هدم.
إن مسؤولية كل فرد ومؤسسة أن يسهم في ترسيخ ثقافة التحقق من الأخبار، وكشف الحسابات المضللة، وصناعة محتوى وطني يواجه خطاب الكراهية ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والتعايش.
إن الفتنة الرقمية ليست قدراً محتوماً، بل تحدياً يمكن تحويله إلى فرصة إذا ما أحسنا التعامل معه بعقلانية وإذا ما استثمرنا هذه الوسائل في خدمة الحقيقة والإنسان. فالمجتمع الذي يملك الوعي والقدرة على النقد هو المجتمع الذي يحمي نفسه من الانزلاق وراء الفوضى، ويحول الإعلام من مصدر تهديد إلى رافعة للتقدم والوحدة الوطنية.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top