تزامن تصاعد التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا مع تعثر المفاوضات الأمنية مع دمشق، وسط خلافات حول الانسحاب والقوات والتسليح والوجود التركي.
تأتي التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري في وقت تحاول فيه دمشق وتل أبيب إعادة تحريك مسار المفاوضات الأمنية، بعد لقاءات واتصالات جرت بوساطة أميركية خلال آب، لكنها لم تفضِ حتى الآن إلى اتفاق نهائي. وبينما تطالب دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد ووقف الهجمات والعمليات داخل سوريا، تربط إسرائيل أي ترتيبات أمنية بمطالب تتعلق بالقوات السورية وتسليحها، والوجود التركي، وما تعتبره تهديدات لأمن حدودها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في ريفي القنيطرة ودرعا، بما في ذلك دخول دوريات إلى مناطق قريبة من التجمعات السكانية وإقامة نقاط تفتيش مؤقتة، في مؤشر على أن المسار السياسي لم ينجح حتى الآن في وقف الوقائع الميدانية.
التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري تتزامن مع عودة الاتصالات
شهد آب عودة الاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين دمشق وتل أبيب، بعد فترة من الجمود. وفي 23 آب، قال وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” إن المفاوضات الأمنية يتوقع أن تستأنف، رغم غياب الثقة بين الجانبين.
وجاء التصريح بعد لقاء جمع “الشيباني” ورئيس جهاز الموساد “رومان غوفمان” في الأردن، في اجتماع جرى بوساطة أميركية وركز على خفض التصعيد وفتح قنوات اتصال تمنع تحول الخلافات الأمنية إلى مواجهة أوسع.
وكانت الاتصالات قد شهدت تطوراً لافتاً في 14 آب، عندما بحث “غوفمان” و”الشيباني” الوجود العسكري التركي في سوريا، إضافة إلى الأسلحة والطائرات المسيّرة التي تقدمها أنقرة للجيش السوري، وفق مصادر تحدثت إلى “رويترز”.
لكن عودة الاتصالات لم تترافق مع تراجع واضح في النشاط العسكري الإسرائيلي، إذ استمرت التحركات والتوغلات في مناطق الجنوب، ما أبقى المسار الميداني منفصلاً عن المسار التفاوضي حتى الآن.
ماذا تريد دمشق من الاتفاق الأمني؟
تقوم الرؤية السورية، وفق ما عرضه وزير الخارجية “أسعد الشيباني”، على إعادة تنظيم الوضع الأمني جنوب سوريا ضمن ترتيبات واضحة تمنع الاعتداءات وتحافظ على السيادة السورية.
وقال “الشيباني” إن الجانبين كانا قد توصلا “على الورق” في بداية العام إلى معظم عناصر اتفاق أمني مقترح، إلا أن الخلافات المتعلقة بالتنفيذ حالت دون الانتقال إلى اتفاق نهائي.
وبحسب الرواية السورية، يتضمن التصور المطروح:
-
وقف الهجمات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
-
انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد.
-
إنشاء مناطق أمنية متعددة في جنوب سوريا.
-
إبقاء المنطقة الفاصلة تحت وجود قوات الأمم المتحدة.
-
السماح بوجود القوات السورية في مناطق أخرى وفق قيود متفاوتة على حجم القوات والتسليح.
وتريد دمشق، وفق الموقف المعلن، أن تعود القوات الإسرائيلية إلى الخطوط التي كانت قائمة قبل 8 كانون الأول 2024، تاريخ سقوط نظام الأسد، مع إعادة العمل بترتيبات اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.
لماذا يشكل اتفاق 1974 محوراً أساسياً؟
يعود جزء كبير من التعقيد الحالي إلى الوضع الذي أنشأه اتفاق فض الاشتباك السوري–الإسرائيلي لعام 1974.
وينص الاتفاق الموقع في 31 أيار 1974 على فصل القوات السورية والإسرائيلية وإنشاء منطقة فصل تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “UNDOF”، إضافة إلى مناطق محددة تخضع لقيود على انتشار القوات والأسلحة من الجانبين.
وبالتالي، فإن مطالبة دمشق بالعودة إلى ترتيبات 1974 لا تعني فقط وقف التوغلات الحالية، بل تعني إعادة رسم الوضع العسكري في المنطقة الحدودية إلى ما كان عليه قبل التوسع الإسرائيلي الذي أعقب سقوط النظام السابق.
ومنذ 8 كانون الأول 2024، دخل الجيش الإسرائيلي مناطق سورية جديدة خارج الأراضي التي تحتلها إسرائيل في الجولان منذ عام 1967، وانتشر في مواقع داخل جنوب سوريا، بينها مواقع كانت تقع ضمن نطاق المنطقة التي كانت تراقبها الأمم المتحدة.
وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية في المفاوضات: هل يكون الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من اتفاق أمني شامل، أم يبقى مرتبطاً بتقييم إسرائيل للتهديدات التي تقول إنها تواجهها من الجانب السوري؟
إسرائيل تضع الأمن والانتشار السوري في صلب أي اتفاق
في المقابل، لا تنظر إسرائيل إلى الملف من زاوية الانسحاب وحده. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن تل أبيب تطرح مجموعة من المطالب الأمنية، بينها تقييد حجم وانتشار القوات السورية في الجنوب، ووضع قيود على أنواع الأسلحة التي يمكن أن تصل إلى الجيش السوري، ومنع ما تعتبره تهديدات استراتيجية على حدودها.
كما يمثل الوجود العسكري التركي في سوريا أحد أبرز الملفات التي دخلت إلى صلب الاتصالات الأخيرة بين الطرفين.
وتعتبر إسرائيل أن تعزيز القدرات العسكرية السورية بدعم تركي يمكن أن يغير ميزان القوى جنوباً، بينما تقول دمشق وأنقرة إن التعاون العسكري بينهما يأتي في إطار إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش السوري.
وبذلك، لا يدور الخلاف فقط حول سؤال “متى تنسحب إسرائيل؟”، وإنما أيضاً حول شكل الدولة والقوات السورية التي ستوجد على الجانب الآخر من الحدود بعد أي انسحاب محتمل.
تركيا تدخل الحسابات الإسرائيلية
أصبح الدور التركي واحداً من أبرز الملفات التي تعرقل التفاهمات الأمنية.
ففي 14 آب، ناقش “رومان غوفمان” و”أسعد الشيباني” الوجود العسكري التركي في سوريا، وفق مصادر نقلت عنها رويترز، قبل أن تتصاعد التوترات حول قاعدة أبو الظهور.
وفي 19 آب، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور، وقالت إن الضربة هدفت إلى منع انتشار عسكري تركي محتمل فيها، بينما نفت سوريا وتركيا الرواية الإسرائيلية.
التطور دفع واشنطن إلى محاولة إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وإسرائيل وتركيا، وفق ما أعلنه المبعوث الأميركي إلى سوريا “توم برّاك” في 18 آب.
ويكشف ذلك أن المفاوضات السورية–الإسرائيلية لم تعد محصورة بالعلاقة بين دمشق وتل أبيب، بل باتت مرتبطة أيضاً بإعادة تشكيل التوازنات العسكرية في سوريا ودور القوى الإقليمية فيها.
إسرائيل لا تتعهد بالانسحاب من المنطقة العازلة
في 25 آب، قال وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” إن إسرائيل لن تغادر المنطقة العازلة في سوريا طالما بقيت، وفق التقييم الإسرائيلي، تهديدات من جماعات “جهادية” على حدّ وصفه.
هذا الموقف يضع عقبة مباشرة أمام المطلب السوري بالعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل 8 كانون الأول 2024.
فدمشق تريد ترتيبات أمنية تعيد تحديد الانتشار العسكري وفق اتفاق 1974، بينما تربط إسرائيل وجود قواتها بما تعتبره احتياجات أمنية مستمرة.
وبذلك، فإن نقطة الخلاف لا تتعلق فقط بخط الانسحاب، وإنما بمن يملك حق تحديد مستوى الخطر الذي يبرر بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
التوغلات الميدانية تضغط على المسار السياسي
على الأرض، لم تتوقف التحركات الإسرائيلية بالتزامن مع هذه الاتصالات.
ففي 2 أيلول، دخلت قوة إسرائيلية مؤلفة من نحو 8 إلى 10 آليات من قاعدة تل أحمر باتجاه مفترق عين زيوان في ريف القنيطرة، مع انتشار عناصر بين المنازل وتحليق طائرات مسيّرة في المنطقة، وفق مصادر محلية، من دون تسجيل اعتقالات.
وفي صباح 3 أيلول، وصلت دورية إسرائيلية إلى الطريق الواقع بين بلدتي جملة وصيصون في حوض اليرموك بريف درعا، وأقامت نقطة تفتيش مؤقتة لنحو 30 دقيقة، جرى خلالها تفتيش عدد من المارة وفق مصادر محلية، قبل أن تنسحب باتجاه الأراضي المحتلة.
وسبق ذلك، في 1 أيلول، دخول قوة إسرائيلية مؤلفة من نحو عشر آليات إلى بلدة جملة عبر بوابة تل أبو الغيثار، وصولاً إلى الطريق الواصل بين صيصون وجملة، مع انتشار في محيط مناطق سكنية.
وتأتي هذه التحركات ضمن نمط أوسع شهدته مناطق القنيطرة ودرعا خلال الأشهر الماضية، شمل دوريات وتوغلات وإقامة حواجز مؤقتة وتفتيش مركبات وأشخاص، عدا عن وجود 43 معتقلاً سورياً في السجون الإسرائيلية.
اتفاق أمني موجود على الورق.. لكن تنفيذه هو العقدة
المعطيات المتاحة تشير إلى أن المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود بالكامل، لكنها تواجه خلافات تتجاوز مسألة فتح قناة اتصال بين الجانبين.
فبحسب “أسعد الشيباني”، جرى التوصل في وقت سابق إلى معظم عناصر الاتفاق المقترح، إلا أن غياب الثقة والخلاف على آليات التنفيذ حالا دون تحويل هذه التفاهمات إلى اتفاق نافذ.
وفي المقابل، تريد إسرائيل ضمانات أمنية قبل تقديم تنازلات بشأن انتشارها في الجنوب، وتربط ذلك بمستقبل الجيش السوري والوجود التركي والتهديدات التي تقول إنها تواجهها.
أما واشنطن، فتسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع التصعيد، خصوصاً مع تداخل الملف السوري مع التنافس الإسرائيلي–التركي.
ماذا يعني استمرار التوغلات بالنسبة للمفاوضات؟
استمرار التوغلات في القنيطرة ودرعا، بالتزامن مع الاتصالات السياسية، يعكس فجوة بين ما يجري على طاولة التفاوض وما يحدث على الأرض.
ففي الوقت الذي تبحث فيه دمشق وتل أبيب عن ترتيبات تمنع التصعيد وتحدد شكل الانتشار العسكري جنوباً، تستمر القوات الإسرائيلية في تنفيذ تحركات داخل مناطق سورية، فيما لم تعلن إسرائيل التزاماً بالعودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024.
وفي المقابل، لا يبدو أن دمشق مستعدة للتعامل مع الوجود الإسرائيلي الجديد باعتباره وضعاً دائماً، خصوصاً أن إعادة تفعيل اتفاق 1974 تمثل أحد الأطر التي تستند إليها في تصورها للوضع الأمني على خط وقف إطلاق النار.
الخلاصة
حتى 3 أيلول 2026، لا يوجد اتفاق أمني نهائي معلن بين سوريا وإسرائيل، لكن الاتصالات بينهما مستمرة عبر قنوات مباشرة وبوساطة أميركية.
وتتمحور المفاوضات حول حزمة مترابطة من الملفات: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول 2024، مستقبل المنطقة العازلة، حجم وانتشار وتسليح القوات السورية جنوباً، الوجود العسكري التركي، والضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل.
وبينما تحاول واشنطن منع تحول الخلافات إلى مواجهة مفتوحة، تبقى التوغلات الإسرائيلية المتواصلة في القنيطرة ودرعا الاختبار الأبرز لقدرة المسار التفاوضي على تحويل الاتصالات الأمنية إلى ترتيبات فعلية على الأرض.
- محمد جابر






