لوحة جدارية تعبر عن رفض السوريون للطائفية والخطاب التحريضي

المسيحيون والمسلمون السنّة في سورية… شراكة صنعت الاستقلال وبنت الدولة

لم تكن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين السنّة في سورية يومًا علاقة تعايش هشّ فرضته الظروف، بل شراكة وطنية عميقة وُلدت في لحظات الخطر، وتكرّست في معارك الاستقلال وبناء الدولة. ففي أكثر المراحل قسوة، حين حاول الاحتلال أن يحوّل التنوّع إلى أداة انقسام، اختار السوريون أن يجعلوا منه مصدر قوة، وأن يضعوا الوطن فوق كل انتماء آخر.

منذ بدايات القرن العشرين، ومع دخول الانتداب الفرنسي، راهن المستعمر على تفكيك المجتمع السوري من الداخل، عبر اللعب على الاختلافات الدينية. غير أن الحركة الوطنية السورية جاءت بعكس هذه الرهانات تمامًا. فقد تشكّلت من مسلمين ومسيحيين، وتقدّم صفوفها قادة لم يسألوا عن الطائفة بقدر ما سألوا: كيف نُخرج المحتل؟ وكيف نبني دولة تستحق هذا الشعب؟

فارس الخوري: حين تصبح السياسة أخلاقًا
يبرز اسم فارس الخوري بوصفه أحد أكثر الرموز الوطنية تعبيرًا عن هذه الشراكة. لم يُنظر إلى الخوري، وهو المسيحي البروتستانتي الدمشقي، باعتباره ممثلًا لطائفة، بل باعتباره رجل دولة حمل همّ سورية في أحلك مراحلها. شارك في تأسيس الكتلة الوطنية، وتولّى رئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة، ومثّل سورية في المحافل الدولية في زمن كان الصوت السوري فيه محاصرًا.

ويظل موقفه الشهير في الأمم المتحدة عام 1945 علامة فارقة في الذاكرة الوطنية، حين جلس على مقعد المندوب الفرنسي احتجاجًا على استمرار الاحتلال. لم يكن ذلك تصرّفًا استعراضيًا، بل فعلًا سياسيًا أخلاقيًا فضح الاستعمار أمام العالم، وعبّر عن كرامة شعب بأكمله. وقد لقي هذا الموقف إجماعًا وطنيًا نادرًا، عكس وعيًا سياسيًا متقدمًا لدى السوريين في تلك المرحلة.

لكن ما جعل فارس الخوري قريبًا من الناس، وأقرب إلى قلوبهم، لم يكن فقط خطابه السياسي، بل إنسانيته العميقة. ففي سنوات القحط والمجاعة خلال الحربين العالميتين، حين كان الخبز قضية حياة أو موت، عُرف الخوري بدوره في مساعدة الفقراء وتأمين الغذاء، مستخدمًا مكانته وعلاقاته لخدمة الناس، دون تمييز بين مسلم ومسيحي، أو غني وفقير.

كان، كما يروي معاصروه، رجل دولة يفهم أن السيادة لا تكتمل إن جاع المواطن.

وعندما توفي عام 1962، خرج عشرات الآلاف من السوريين في جنازته، في مشهد وطني مؤثر، امتلأت فيه شوارع دمشق بالمشيّعين. تقدّم الجنازة شيوخ وعلماء مسلمون إلى جانب رجال دين مسيحيين، في وداع لم يكن وداع رجل سياسة فحسب، بل وداع ضمير وطني. يومها، بدا واضحًا أن الناس لم تودّع طائفة، بل ودّعت رجلًا أطعمهم في الجوع، ودافع عنهم في السياسة، ومثّلهم بكرامة أمام العالم.

قيادة وطنية واحدة رغم الاختلاف
إلى جانب فارس الخوري، برز قادة مسلمون سنّة شكّلوا معًا قيادة وطنية متماسكة، مثل سعد الله الجابري، وهاشم الأتاسي، وإبراهيم هنانو. هؤلاء لم يروا في المسيحي شريكًا ظرفيًا، بل رفيق نضال، وأسّسوا معًا مشروع الاستقلال على قاعدة المواطنة لا المحاصصة.

وخلال الثورة السورية الكبرى عام 1925، ورغم الطابع العسكري للثورة، لعب المسيحيون دورًا سياسيًا وإعلاميًا داعمًا، وشاركوا في الإضرابات العامة والاحتجاجات، فيما تحوّلت الكنائس، إلى جانب المساجد، إلى فضاءات وطنية لرفض الاحتلال. كان المشهد السوري آنذاك يقول بوضوح: المعركة ليست بين أديان، بل بين شعب محتل وسلطة استعمارية.

من الاستقلال إلى بناء الدولة
مع جلاء القوات الفرنسية عام 1946، انتقل السوريون من مرحلة المقاومة إلى مرحلة بناء الدولة. واستمر الحضور المسيحي فاعلًا في السياسة والتعليم والثقافة والإدارة، إلى جانب شركائهم من المسلمين السنّة. لم يكن تولّي مسيحيين مناصب سيادية موضع جدل، بل انعكاسًا لطبيعة الدولة التي وُلدت على أساس وطني مدني.

وفي المجال الفكري، أسهم مفكرون مسيحيون في صياغة أفكار جامعة، أبرزهم قسطنطين زريق، الذي قدّم قراءة عقلانية للهوية العربية بوصفها مشروعًا حضاريًا يتجاوز الانقسامات الدينية والطائفية، ووجدت أفكاره صدى واسعًا لدى المسلمين السنّة، خصوصًا في سياق مواجهة الاستعمار وبناء مشروع نهضوي عربي.

درس للتاريخ… ورسالة للحاضر
تقدّم التجربة السورية في النصف الأول من القرن العشرين درسًا بالغ الأهمية: عندما يتقدّم الوطن على الطائفة، يصبح التنوع قوة. وعندما تتحوّل السياسة إلى أخلاق، كما في تجربة فارس الخوري ورفاقه، يصبح الاستقلال ممكنًا، والدولة قابلة للحياة.

اليوم، ومع ما شهدته سورية من انقسامات عميقة، تبدو العودة إلى هذا التاريخ ضرورة وطنية لا سياسية. فاستعادة فكرة الشراكة بين المسيحيين والمسلمين السنّة ليست ترفًا فكريًا، بل مدخلًا لإعادة بناء الثقة الوطنية، وإعادة تعريف الدولة بوصفها بيتًا مشتركًا لا ساحة صراع.

خاتمة
لم تُبنَ سورية حينًا على الخوف، بل على الشراكة. ولم يصنع استقلالها لون واحد، بل اجتماع الألوان حول حلم واحد.

وحين خرج السوريون بالآلاف في وداع فارس الخوري، كانوا يعلنون، دون خطب ولا شعارات، أن الوطن الذي يُبنى بالعدالة والخبز والكرامة، هو وحده القابل للبقاء.

ذلك الدرس، الذي كتبه المسيحيون والمسلمون السنّة معًا، ما زال ينتظر من يقرأه جيدًا… ويعيد العمل به.

 

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top