شهدت ساحة سمارة وسط مدينة السويداء حدثاً بارزاً يحمل في طياته رسائل سياسية واجتماعية تتجاوز المشهد العشائري التقليدي، حيث تم تنصيب حسن الأطرش (أبو عبد الله) زعيماً (باشا) لآل الأطرش في المدينة، خلفاً للراحل إسماعيل باشا الأطرش. ولا يمكن قراءة هذه المراسم، التي حظيت بحضور روحي وازن تمثل بـشيخ العقل حمود الحناوي والشيخ يوسف جربوع، إلى جانب حشد من شيوخ ووجهاء المحافظة، بمعزل عن الاستقطاب الحاد والتحولات الميدانية الخطيرة التي تعيشها السويداء.
إعادة ترتيب الصف التقليدي ومواجهة التشدد
ويأتي تنصيب “الباشا” الجديد في توقيت حساس للغاية، حيث تسعى القيادات التقليدية والتاريخية للمحافظة إلى إعادة ضبط المشهد ومحاولة خلق “صمام أمان” اجتماعي؛ إذ يعكس حضور الشيخين الحناوي وجربوع رغبة واضحة من هذه المرجعيات في استعادة المبادرة وتأكيد حضورها كطرف وازن قادر على قيادة المرحلة، خاصة بعد التطورات الأخيرة في المحافظة.
فالدافع الأبرز خلف هذا التحرك يكمن في التبدل الجذري في موازين القوى لصالح تيار حكمت الهجري، ومع صعود هذا التيار وتصدره للمشهد، طرأت تحولات دراماتيكية أحدثت شرخاً عميقاً في بنية المجتمع المحلي.
وقد أثار صعود تيار الهجري جدلاً واسعاً بعد المواقف والتصريحات التي كشفت عن تلقي هذا التيار دعماً مباشراً من إسرائيل، وتسبب هذا التحول الخطير في تغييب وتهميش متعمد وممنهج للشخصيات والوجهاء التاريخيين الذين رفضوا هذا التوجه، واعتبروا أن الاستقواء بالخارج يهدد عروبة الجبل وتاريخه الوطني.
الصدام العسكري وتهميش لغة الحوار والتسوية
وفي ذات الوقت، يُحسب الشيخان الحناوي وجربوع على التيار الذي نادى بضرورة التهدئة والوصول إلى تسوية واتفاق مع الحكومة السورية لتجنيب المحافظة ويلات الحرب، إلا أن هذا الخيار جرى تهميشه وإقصاؤه عمداً مع صعود “الميليشيا المسلحة” المحسوبة على تيار الهجري، والتي قادت المشهد نحو صدام عسكري مباشر ومسلح مع القوات الحكومية، مجهضةً كل مساعي الحوار التي قادتها المرجعيات التقليدية.
ولا يمكن فصل إحياء لقب “الباشا” وتنصيب حسن الأطرش في هذا التوقيت عن كونه محاولة لإنشاء قطب موازن يسعى لاستعادة قرار المحافظة المسلوب.
هذا التحرك، الذي يجمع تحت مظلته دار عرى التاريخية ومشيخة العقل (الحناوي وجربوع)، يمثل جبهة سياسية واجتماعية تسعى لكسر أحادية المشهد التي فرضتها الفصائل المسلحة، وإعادة فتح قنوات الحلول العقلانية التي تحمي السويداء من الانزلاق إلى مستنقع المواجهات المفتوحة.
ومع هذا التحول، يقف جبل العرب اليوم أمام مخاض عسير؛ فإما أن تنجح المرجعيات التقليدية في محاصرة خيارات التصعيد العسكري وإعادة الهوية الوطنية والسياسية المتزنة للمحافظة، أو أن تتمكن القوى الصاعدة والمدعومة خارجياً من تثبيت أمر واقع جديد مع الداخل السوري وجر المنطقة إلى سيناريوهات مجهولة النتائج.
- أحمد تلاوي






