قمة الدول السبع في فرنسا

تنطلق قمة الدول السبع في فرنسا في لحظة سياسية شديدة التعقيد، حيث تسعى القوى الغربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها في عالم يتّجه نحو مزيد من الاستقطاب، بينما تتصدر الحرب في أوكرانيا، والاتفاق الأمريكي–الإيراني المرتقب، والتنافس التكنولوجي مع الصين جدول الأعمال، متقدمةً على الملفات الاقتصادية التقليدية التي لطالما شكّلت جوهر اجتماعات المجموعة.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده ستزوّد أوكرانيا باليورانيوم المخصّب لتشغيل منشآتها النووية، إلى جانب حزمة عقوبات جديدة تستهدف الاقتصاد الروسي، مؤكداً التزام لندن بخنق الموارد التي تموّل الحرب الروسية ودعم كييف خلال الفصول المقبلة.

ويأتي هذا الموقف في ظل تقديرات تحليلية تشير إلى أن موازين القوى الميدانية بدأت تميل لمصلحة أوكرانيا، ما يدفع العواصم الغربية إلى تعزيز دعمها العسكري والاقتصادي لتثبيت هذا التحوّل ومنع موسكو من استعادة المبادرة.

وفي موازاة ذلك، تلي الجلسة الأوكرانية جلسة خاصة حول إيران بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، حيث يسعى الحلفاء الإقليميون والدوليون إلى استيضاح موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق المزمع مع طهران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وهو الاتفاق الذي قال ترمب إنه سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل بحلول الجمعة، رغم تحفظه على المقترح البريطاني–الفرنسي لإطلاق مهمة عسكرية مشتركة لضمان حرية الملاحة، معتبراً أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مساعدة كبيرة في هذا الملف.

وتبرز قضية مضيق هرمز كأحد المحاور المركزية في القمة، إذ تسعى الدول السبع إلى صياغة آلية جماعية تضمن استمرار الملاحة دون قيود عقب الاتفاق الأمريكي–الإيراني، في ظل إدراك متزايد بأن أمن الطاقة العالمي لم يعد يحتمل اضطرابات إضافية.

وفي تطور لافت، تشارك سورية للمرة الأولى في اجتماعات مجموعة السبع، في خطوة تعكس تحوّلاً في مقاربة القوى الدولية للملف السوري، واعترافاً بأن دمشق باتت جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، خصوصاً بعد التحولات التي فرضتها الحرب مع إيران واقترابها من نهايتها.

وتزامناً مع هذا الحضور، أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتصريحات مباشرة تناولت الدور السوري في لبنان، معلناً أنه اقترح على إسرائيل أن تتولى دمشق “أمر حزب الله”، في إشارة إلى رغبة واشنطن في تحميل سوريا مسؤولية ضبط الحدود ومنع تمدد نفوذ الحزب.

وأعرب ترمب عن امتعاضه من استهداف إسرائيل للضاحية الجنوبية لبيروت، قائلاً: “أخبرت إسرائيل أن هجومها على بيروت لا يروق لي”، مضيفاً: “من دوني لن تكون هناك إسرائيل. على نتنياهو الآن أن يكون أكثر مسؤولية تجاه لبنان. أنا لست راضياً عن طريقة تعامل تل أبيب مع بيروت وحزب الله، وكان عليها أن تقوم بهذا الأمر بسرعة”.
وربط ترمب بين الاتفاق النووي مع إيران واستقرار الجبهة اللبنانية، معتبراً أن “الحرب اللبنانية ثانوية، والاتفاق النووي مع إيران يمكن أن يصمد”، في إشارة إلى أن واشنطن لا ترى في التصعيد اللبناني خطراً يهدد مسار التفاهم مع طهران.

وتأتي تصريحات ترمب في ظل تقارير دبلوماسية لبنانية أكدت أن دمشق رفضت ضغوطاً أمريكية للتدخل عسكرياً ضد حزب الله في منطقة البقاع، رغم عروض تضمنت حوافز اقتصادية وتفاهمات سياسية وأمنية، فيما شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على عدم وجود أي نية للتدخل داخل لبنان، مؤكداً أن ما يُتداول بهذا الشأن “لا يعدو كونه شائعات”.

وعلى صعيد آخر، يحضر الملف التكنولوجي بقوة عبر مناقشة الذكاء الاصطناعي والقيود المفروضة على نقل التقنيات المتقدمة إلى الخصوم الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم الصين، في ظل إدراك غربي بأن التفوق التكنولوجي بات جزءاً من معادلة الردع الجيوسياسي.

وتأتي هذه القمة في وقت تواجه فيه مجموعة السبع اختباراً حقيقياً لقدرتها على قيادة النظام الدولي، مع صعود قوى كالصين والهند واتساع نفوذ مجموعة بريكس، ما يجعل من الاجتماعات الحالية محاولة لإثبات أن الغرب ما زال قادراً على الحفاظ على ثقله السياسي والاقتصادي في عالم يتغيّر بسرعة، وأنه قادر على صياغة مقاربات مشتركة تجاه الأزمات الكبرى التي تعيد تشكيل موازين القوة العالمية.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top