بعد ثماني جلسات من المرافعات والاستماع إلى الشهود والأدلة، أسدلت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق الستار على محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، بإصدار حكم بالإعدام بحقه، في قضية قالت المحكمة إنها تتصل بوقائع قمع الحراك الشعبي في درعا خلال عام 2011، وما رافقها من قتل واعتقال وتعذيب وانتهاكات بحق مدنيين.
واكتسبت الجلسة الختامية أهمية استثنائية، ليس فقط لكونها جلسة النطق بالحكم، وإنما لارتباطها بأحد أبرز الأسماء الأمنية التي ارتبطت ببدايات الاحتجاجات في درعا، وبما اعتبرته المحكمة إحدى القضايا المؤسسة لمسار العدالة الانتقالية في سوريا.
وشهد محيط القصر العدلي في دمشق إجراءات أمنية مشددة، بالتزامن مع وصول ذوي الضحايا وأهالي من محافظة درعا لمتابعة الجلسة، فيما نقلت وسائل إعلام مشاهد وصول نجيب إلى قاعة المحكمة قبل بدء تلاوة الحكم.
ثماني جلسات قبل لحظة الحسم
لم يصل الملف إلى الحكم مباشرة، إذ مرت القضية عبر سلسلة من الجلسات التي تضمنت الاستماع إلى شهود الحق العام والمدعين الشخصيين وشهود الدفاع، إلى جانب عرض وثائق ومواد سمعية وبصرية وتقارير طبية وتقارير دولية.
وبحسب ملخص الحكم الذي تلاه رئيس الهيئة، استندت المحكمة في تكوين قناعتها إلى مجموعة واسعة من الأدلة، شملت شهادات الضحايا والشهود، وأقوال المدعين الشخصيين، والوسائط الرسمية، والتقارير الطبية، ومقاطع الصوت والصورة التي عُرضت خلال المحاكمة، إضافة إلى تقارير دولية موثقة.
وقالت المحكمة إن شهادات الشهود جاءت، وفق تقييمها، متواترة ومتقاطعة في الوقائع والأزمنة والأمكنة، بما اعتبرته دليلاً على عدم وجود تواطؤ بينهم.
وفي المقابل، أنكر عاطف نجيب خلال المحاكمة جميع التهم المنسوبة إليه، ووصف الشهادات المقدمة بحقه بأنها غير مقبولة، وفق ما ورد في ملخص الحكم.
45 شاهداً.. وشهادات ربطت نجيب بوقائع الاتهام
وفي تصريح خاص لـمؤسسة جولان، قال المحامي المختص “سليمان القرفان”، وهو من المحامين الحاضرين في محاكمة عاطف نجيب، إن المحكمة تثبتت من الجرائم المسندة إلى نجيب بعد الاستماع المباشر إلى 45 شاهداً من الضحايا والشهود والشهود العيان.
وأوضح القرفان أن إحدى الشهادات تحدثت بصورة مباشرة عن وجود سيارات إسعاف حاولت نقل المصابين والجرحى من محيط المسجد العمري، مشيراً إلى أن الشاهد أكد، بحسب إفادته أمام المحكمة، وجود عاطف نجيب شخصياً ومنعه تلك السيارات من التحرك.
وأضاف القرفان أن الشهادات التي استمعت إليها المحكمة تناولت، بحسب ما ورد أمام الهيئة، مسؤولية نجيب بصفته رئيساً لفرع الأمن السياسي وعضواً في اللجنة الأمنية بمحافظة درعا، عن إصدار أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، ومحاصرة أحياء، ومنع جرحى من تلقي العلاج.
وأشار إلى أن شهادة أحد العناصر السابقين في فرع الأمن السياسي شكلت، بحسب تقديره، نقطة مفصلية في الدعوى، بعدما تحدث الشاهد عن دور نجيب المباشر في عمليات التعذيب التي كان يتعرض لها المعتقلون داخل الفرع.
وتأتي إفادات المحامي “القرفان” لتضيف إلى ملخص الأدلة الذي أوردته المحكمة، رواية من داخل قاعة المحاكمة حول طبيعة الشهادات التي استند إليها الادعاء والقناعة التي تكونت لدى هيئة المحكمة.

من درعا إلى قفص الاتهام
وضعت المحكمة في بداية قرارها سياقاً تاريخياً وسياسياً للأحداث التي سبقت اندلاع الاحتجاجات السورية، بدءاً من وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، مروراً بانتقال الحكم إلى بشار الأسد عام 2000، وصولاً إلى الاحتجاجات التي بدأت في درعا عام 2011.
ووفق رواية المحكمة، بدأت بوادر الحراك في درعا مع كتابة شعارات على جدران المدينة واعتقال عدد من الأطفال، قبل أن تتوسع الاحتجاجات عقب التعامل الأمني معها.
وربط الحكم بين تلك الأحداث وبين الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة الأمنية في المحافظة، مشيراً إلى اعتقال قاصرين وتعريض عدد منهم، بحسب الشهادات التي استمعت إليها المحكمة، للضرب والتعذيب والصعق الكهربائي والشبح وغيرها من الانتهاكات.
واعتبرت المحكمة أن نجيب، بصفته رئيساً لفرع الأمن السياسي في درعا وعضواً في اللجنة الأمنية بالمحافظة، كان حاضراً في مسار الأحداث منذ مراحلها الأولى.
المسجد العمري.. محطة مركزية في ملف الاتهام
احتل اقتحام الاعتصام في المسجد العمري بدرعا موقعاً بارزاً في وقائع القضية، بحسب ملخص الحكم.
وقالت المحكمة إن قوة أمنية مشتركة من مختلف الفروع الأمنية اقتحمت الاعتصام خلال ليلتي 22 و23 آذار/مارس 2011، مستخدمة الغاز والرصاص الحي، ما أدى، وفق ما ورد في الحكم، إلى سقوط قتلى وجرحى واحتجاز عدد من المصابين ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إليهم بالشكل المطلوب.
كما تناول الحكم إطلاق النار على المشيعين في اليوم السابق، وما نتج عنه من قتلى وجرحى، معتبراً هذه الوقائع جزءاً من السياق الذي بُنيت عليه المسؤولية الجنائية لنجيب.

ماذا قالت المحكمة عن مسؤولية عاطف نجيب؟
لم تبنِ المحكمة مسؤولية نجيب، وفق قرارها، على مجرد شغله منصباً أمنياً، وإنما على مجموعة من الأفعال والوقائع التي قالت إنها ثبتت أمامها.
ومن أبرز ما أورده ملخص الحكم:
-
رئاسة نجيب لفرع الأمن السياسي في درعا منذ عام 2007.
-
عضويته في اللجنة الأمنية بالمحافظة وحضوره اجتماعاتها.
-
دوره في اعتقال قاصرين واحتجازهم.
-
ما وصفه الحكم بتعرض المعتقلين للتعذيب والانتهاكات.
-
قيامه بالتحقيق مع عدد من المعتقلين شخصياً.
-
طلبه مؤازرة عسكرية من دمشق.
-
وجوده الميداني خلال الأحداث.
-
إصدار أوامر بإطلاق النار، وفق ما خلصت إليه المحكمة.
-
مسؤولية متصلة بسقوط قتلى وجرحى.
-
وجود قناصة ومسلحين على سطح مبنى الأمن السياسي الخاضع لمسؤوليته.
-
إيقاف سيارات الإسعاف واحتجاز جرحى، وفق ما ورد في الحكم.
وبحسب المحكمة، دعمت هذه الوقائع شهادات متعددة وأدلة مادية وسمعية وبصرية وتقارير طبية ودولية.
ويتقاطع ذلك، وفق المحامي سليمان القرفان، مع شهادات قال إنها ربطت نجيب بصورة مباشرة بوقائع ميدانية، بينها منع سيارات الإسعاف من نقل المصابين، وإعطاء أوامر بإطلاق النار، إضافة إلى شهادة عنصر سابق في فرع الأمن السياسي حول التعذيب داخل الفرع.
المحاكمة الغيابية.. وحضور المتهم في قضية واحدة
تناول القرار أيضاً مسألة المحاكمة الغيابية، ووضع المحكمة إطاراً قانونياً قالت إنه يستند إلى أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري.
وفي حين حوكم نجيب حضورياً، تناول الحكم كذلك مسؤولية عدد من المتهمين الفارين، وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد وآخرون، وصدر بحق عدد منهم أحكام غيابية، بينها أحكام بالإعدام، وفق ما ورد في القرار المتلو خلال الجلسة.
وأكدت المحكمة أنها اتخذت الإجراءات التي اعتبرتها لازمة لضمان صحة المحاكمة الغيابية، مع إبقاء مذكرات التوقيف بحق المتهمين الفارين وتعميمها على الجهات المختصة، ومخاطبة المرجع المختص لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بالملاحقة الدولية والقبض عليهم.
لماذا فرّقت المحكمة بين الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب؟
أحد أبرز الجوانب القانونية في الحكم كان تحديد الإطار الزمني والقانوني للأفعال المنسوبة إلى كل متهم.
وقالت المحكمة إنها اعتمدت في تعريف الجرائم ضد الإنسانية على المادة السابعة من نظام روما الأساسي، كما ناقشت مفهوم النزاع المسلح غير الدولي.
وخلصت، وفق ملخص القرار، إلى أن النزاع المسلح غير الدولي في سوريا بدأ، من منظور المحكمة، في منتصف تموز/يوليو 2012، وهو التاريخ الذي قالت إنه يتوافق مع تقييمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا.
وبناءً على ذلك، اعتبرت المحكمة أن الأفعال المنسوبة إلى عاطف نجيب وقعت بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2011، أي قبل التاريخ الذي اعتمدته لقيام النزاع المسلح غير الدولي، ولذلك وصفت الأفعال الثابتة بحقه بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم وطنية، وليس جرائم حرب.
في المقابل، قالت المحكمة إن أفعال متهمين آخرين، ومن بينهم بشار الأسد، امتدت إلى ما بعد منتصف عام 2012، ما جعلها، وفق تفسير المحكمة، تشمل جرائم حرب إلى جانب الجرائم ضد الإنسانية والجرائم الوطنية.
وهنا يبرز اختلاف مهم في توصيف القضية بين ما ورد في الحكم وبين بعض التصريحات الصادرة عقب صدوره؛ إذ وصف المركز السوري للعدالة والمساءلة الإدانة بأنها شملت جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فيما يوضح ملخص الحكم نفسه أن المحكمة فرّقت، من الناحية الزمنية والقانونية، بين الأفعال المنسوبة إلى نجيب وبين الأفعال التي نسبت إلى متهمين آخرين وامتدت إلى فترة النزاع المسلح.
مسؤولية القيادة.. بشار الأسد في صلب الحكم
لم يقتصر القرار على المسؤولية المباشرة للمتهمين الموجودين في مواقع تنفيذية، بل ناقش أيضاً مفهوم مسؤولية القيادة والمساهمة في المشروع الإجرامي المشترك.
وقالت المحكمة إن بشار الأسد كان، خلال الفترة موضوع الدعوى، يشغل منصب رئيس الجمهورية، وإن السلطات العسكرية والمدنية والحزبية كانت تجتمع في موقعه وفق ما خلص إليه القرار.
وذهبت المحكمة إلى أن موقف القيادة السياسية من الاحتجاجات، ووصفها بأنها مؤامرة خارجية، وما أعقب ذلك من استخدام أجهزة الدولة، يشكل، بحسب تقديرها، جزءاً من الأدلة على المسؤولية الجنائية.
واعتبرت المحكمة أن مساهمته، وفق ما ثبت لديها، تجاوزت مجرد التقصير في الرقابة، إلى ما وصفته بدور صاحب القرار الأعلى الذي رسم السياسات وسخر مؤسسات الدولة لتنفيذها.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بتجريم بشار الأسد غيابياً بمجموعة من الجرائم، والحكم عليه بالإعدام، وفق ما ورد في منطوق القرار.
الشهود المحميون.. بين الحقيقة وسلامة أصحابها
من أبرز الجوانب التي سلط الحكم الضوء عليها اعتماد المحكمة نظاماً لحماية الشهود.
وأشار القرار إلى أن المحكمة استمعت إلى شهود تحت أرقام ورموز دون الكشف عن هوياتهم أمام الجمهور، مع إبقاء بياناتهم الحقيقية في ملف سري لدى ديوان المحكمة.
وبررت المحكمة ذلك بضرورة حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية للضحايا والشهود، وضمان الوصول إلى الحقيقة، معتبرة أن حماية الشهود تشكل جزءاً من متطلبات العدالة الانتقالية.
كما قررت استمرار تدابير حماية الشهود بعد صدور الحكم، وحظرت نشر أي معلومات يمكن أن تكشف هوياتهم أو أماكن إقامتهم.
المركز السوري للعدالة والمساءلة: إدانة تاريخية مع إشكالات في المحاكمة
وعقب صدور حكم الإعدام بحق عاطف نجيب، أصدر المركز السوري للعدالة والمساءلة تقييماً انتقد فيه جوانب إجرائية في المحاكمة، رغم وصفه الإدانة بأنها خطوة تاريخية في المرحلة الانتقالية في سوريا.
وقال المركز إن فريق مراقبة المحاكمات التابع له حضر جلسات محاكمة نجيب ووثّق، بحسب إفادته، عدداً من الإشكالات التي شابت الإجراءات والحكم النهائي.
وذكر المركز أن القضية اتسمت، وفق تقييمه، بإجراءات متسرعة، وأن بعض شهادات الشهود لم تربط نجيب بالجرائم التي وجهت إليه التهم بشأنها، كما انتقد أداء محاميه، معتبراً أن الدفاع لم يكن قادراً أو مستعداً بصورة كافية للانخراط الجاد في القضية وتقديم دفاع مناسب.
وقال المدير التنفيذي للمركز، محمد العبد الله، إن المحاكمة كانت الأولى لشخصية مرتبطة بنظام الأسد، معتبراً أن عدم جمع الأدلة بصورة كافية والاستماع إلى الشهادات على نحو متسرع لم يتيحا، من وجهة نظر المركز، كشف حقيقة الجرائم المنسوبة إلى نجيب بصورة دقيقة.
وأكد المركز أن محاكمات مسؤولي النظام السابق، من وجهة نظره، ينبغي أن تجمع بين كشف حقيقة الانتهاكات وضمان محاكمة عادلة ومحايدة للمتهمين، مشيراً إلى أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على إصدار الأحكام، وإنما تشمل أيضاً توثيق الحقيقة وتقديم رواية دقيقة للضحايا والمجتمع.
ويضيف هذا التقييم بعداً آخر إلى القضية، إذ يضع الحكم أمام نقاش يتجاوز ثبوت المسؤولية الجنائية إلى معايير المحاكمة العادلة وكفاية الأدلة وحقوق الدفاع.
من العقوبة إلى جبر الضرر
لم يتوقف الحكم، بحسب ما تلاه رئيس المحكمة، عند العقوبة الجنائية، بل تناول أيضاً جبر الضرر باعتباره جزءاً من العدالة الانتقالية.
وقضت المحكمة بإلزام المحكوم عليهم بالتعويض للمدعين الشخصيين الذين قُبلت ادعاءاتهم، وفق جداول وتعويضات تحددها المحكمة بحسب طبيعة الضرر الذي تعرض له كل مدعٍ.
كما احتفظت بحقوق المتضررين الذين لم ينضموا إلى الدعوى حتى تاريخ صدور الحكم، وكذلك ذوي الضحايا والمفقودين، في مراجعة الجهات القضائية المختصة مستقبلاً.
وهذه النقطة تفتح الباب أمام تصور أوسع للعدالة الانتقالية، لا تقتصر فيه المحاسبة على السجن أو الإعدام، وإنما تمتد إلى الاعتراف بالضحايا وتعويضهم وإعادة حقوقهم.
الإعدام.. ماذا قال منطوق الحكم؟
بعد تلاوة السياق التاريخي والقانوني والأدلة التي قالت المحكمة إنها اعتمدت عليها، انتقلت الهيئة إلى منطوق الحكم.
وقضت المحكمة، بالإجماع، بتجريم عاطف نجيب بجرائم بينها القتل العمد والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل القصد لأطفال دون الخامسة عشرة، والقتل المرتبط بأعمال التعذيب والشراسة، والتحريض على القتل العمد، وفق المواد والقوانين التي أوردها القرار، والحكم عليه بالإعدام.
كما أدانته المحكمة بجرائم وجنح أخرى، بينها إثارة النعرات الطائفية وإساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة، إضافة إلى جرائم مالية، وقررت تطبيق العقوبة الأشد، وهي الإعدام، مع تنفيذ الغرامات المحكوم بها.
وفي الجانب المتعلق بالمتهمين الفارين، أصدر القرار أحكاماً بحق عدد منهم، بينها الإعدام، وأبقى مذكرات التوقيف الغيابية سارية، مع اتخاذ الإجراءات المتعلقة بملاحقتهم والقبض عليهم.
كما قررت المحكمة تثبيت الحجز الاحتياطي على أموال المتهمين وتحويله إلى حجز تنفيذي، وفق ما جاء في منطوق الحكم.
العدالة الانتقالية تبدأ من المحاكمة.. لكنها لا تنتهي عندها
تكمن أهمية هذه المحاكمة، وفق ما قدمته المحكمة في قرارها، في أنها لا تتعامل مع ملف فردي بمعزل عن سياقه، بل تحاول بناء مسار قضائي يتناول مسؤوليات أمنية وسياسية عن مرحلة واسعة من الانتهاكات.
لكن العدالة الانتقالية، في جوهرها، أوسع من إصدار الأحكام. فهي تقوم على مجموعة متكاملة من المسارات تشمل المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحفظ ذاكرة الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات التي ارتبطت بالانتهاكات.
ومن هذه الزاوية، يمثل الحكم نقطة مهمة في مسار المحاسبة، لكنه لا يمكن أن يكون خاتمة الملف، خصوصاً مع استمرار وجود متهمين فارين، ووجود أعداد كبيرة من الضحايا والمتضررين الذين لم يكونوا أطرافاً في هذه الدعوى.
وفي الوقت نفسه، فإن الانتقادات التي أثارها المركز السوري للعدالة والمساءلة تضع أمام هذا المسار تحدياً موازياً يتمثل في ضرورة ضمان حقوق الدفاع، وكفاية الأدلة، واستقلال القضاء، وشفافية الإجراءات، بما يمنح الأحكام القضائية شرعية قانونية ومجتمعية أوسع.
ولهذا أبقت المحكمة نفسها الباب مفتوحاً أمام ملاحقة مسؤولين ومساهمين آخرين لم تشملهم القضية، مؤكدة حق النيابة العامة في فتح ملفات مستقلة متى توافرت الأدلة.

ما بعد الحكم.. الأسئلة الأصعب
مع انتهاء الجلسة، انتقلت القضية من مرحلة المحاكمة إلى مرحلة أخرى أكثر تعقيداً: تنفيذ الأحكام، وملاحقة المتهمين الفارين، وحماية الشهود، وتنفيذ التعويضات، وتوسيع نطاق المحاسبة ليشمل بقية المسؤولين، وضمان حقوق آلاف الضحايا الذين لم يمثلوا أمام المحكمة.
كما يطرح الحكم أسئلة أوسع حول قدرة القضاء السوري على إدارة ملفات العدالة الانتقالية وفق معايير تضمن الاستقلال والشفافية وحقوق الدفاع، وحول كيفية التعامل مع آلاف القضايا التي قد تُفتح مستقبلاً أمام المحاكم.
وبالنسبة إلى أهالي درعا وذوي الضحايا، فإن الحكم لا يمثل فقط نهاية ثماني جلسات قضائية، بل لحظة طال انتظارها منذ الأحداث التي شهدتها المحافظة عام 2011.
أما على المستوى الوطني، فإن المحاكمة تضع اختباراً مبكراً لمسار العدالة الانتقالية في سوريا: هل تتحول المحاسبة من أحكام بحق عدد من الأسماء إلى منظومة قضائية متكاملة تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتلاحق جميع المسؤولين، وتضمن عدم تكرار ما حدث؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها جلسة النطق بالحكم وحدها، بل ما سيأتي بعدها.
- فادي الأصمعي






