أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي ربط فيها السيطرة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة بروايات دينية وتاريخية، موجة من الانتقادات، وذلك عقب إعلان كولومبيا اعترافها بما وصفته بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
وظهر نتنياهو في مقطع مصور عبّر فيه عن شكره لكولومبيا على موقفها، مؤكداً تمسك إسرائيل بالجولان، وقال: «أرضنا وستبقى لنا دائماً»، مستنداً في حديثه إلى رواية دينية أشار فيها إلى ما وصفه بجذور تعود إلى زمن النبي موسى.
وأثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً بشأن توظيف الروايات الدينية والتاريخية في تبرير المطالب السياسية والإقليمية، ولا سيما أن وضع الجولان من منظور القانون الدولي تحدده قرارات الأمم المتحدة، التي تعتبر المنطقة أرضاً سورية محتلة.
وتركزت الانتقادات الموجهة إلى خطاب نتنياهو على الفصل بين الروايات الدينية والتاريخية من جهة، والقواعد القانونية الدولية المنظمة لمسألة السيادة على الأراضي من جهة أخرى. ويرى منتقدون أن الاستناد إلى روايات دينية لا يمكن أن يحل محل القانون الدولي أو يغيّر الوضع القانوني للأراضي التي خضعت للاحتلال نتيجة الحرب.
كما أثارت الإشارة إلى النبي موسى جدلاً تاريخياً ودينياً، إذ رأى باحثون ومتابعون أن الربط بين الروايات الواردة في النصوص الدينية وبين إثبات حق سياسي معاصر في الجولان يحتاج إلى قراءة تاريخية دقيقة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره أساساً قانونياً للسيادة على المنطقة.
الجولان في القانون الدولي
احتلت إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية خلال حرب عام 1967، ثم أعلنت ضمها عام 1981. ورفض مجلس الأمن الدولي هذه الخطوة في القرار رقم 497، الذي اعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل «لاغياً وباطلاً وليس له أثر قانوني دولي».
وعلى مدى عقود، ظل الموقف الدولي العام يعتبر الجولان أرضاً سورية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولم يحظَ الضم الإسرائيلي باعتراف دولي واسع. وفي عام 2019، اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، قبل أن تعلن كولومبيا في آب 2026 موقفاً مماثلاً، وفق تقارير إعلامية.
وأعاد الموقف الكولومبي الجدل حول الوضع القانوني والسياسي للجولان، خصوصاً في ظل التأكيدات الدولية السابقة على عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، ورفض الإجراءات الرامية إلى تغيير وضع الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
إدانات عربية
وأدانت سوريا وقطر والسعودية والعراق ومصر وجامعة الدول العربية اعتراف كولومبيا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، معتبرة أن الخطوة تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وأكدت المواقف العربية أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن أي اعتراف أحادي بالسيادة الإسرائيلية عليه لا يغيّر وضعه القانوني وفق قرارات الأمم المتحدة.
وفي العراق، أعلنت وزارة الخارجية إدانتها واستنكارها للاعتراف الكولومبي، مؤكدة تضامنها مع سوريا ورفضها لأي إجراءات تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
الرواية والتاريخ في مواجهة القانون
تتجاوز تصريحات نتنياهو مسألة الاعتراف الدبلوماسي لتفتح نقاشاً أوسع حول استخدام الروايات التاريخية والدينية في الصراعات السياسية المعاصرة. فبينما تستند إسرائيل في خطابها إلى روايات تعتبرها جزءاً من تاريخها الديني، تؤكد المواقف الدولية أن تحديد السيادة على الأراضي يخضع للقانون الدولي والاتفاقيات والقرارات الدولية، وليس للروايات الدينية وحدها.
وفي المقابل، يرى منتقدو السياسة الإسرائيلية أن استحضار روايات تاريخية أو دينية لتثبيت المطالب الإقليمية يمكن أن يسهم في إعادة صياغة تاريخ المنطقة بما يخدم أهدافاً سياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأراضٍ ما زالت خاضعة للاحتلال وفق قرارات الأمم المتحدة.
وبذلك، يعيد الجولان نفسه إلى واجهة الجدل بين روايات التاريخ والدين من جهة، ومرجعيات القانون الدولي من جهة أخرى. وبينما تسعى إسرائيل إلى ترسيخ موقفها بشأن الجولان عبر مواقف سياسية واعترافات دولية محدودة، تستمر سوريا والدول العربية الرافضة لهذه الخطوة في التأكيد على سورية الجولان ورفض الاعتراف بالضم الإسرائيلي.
ويبقى القرار 497 الصادر عن مجلس الأمن عام 1981 أحد أبرز المرجعيات القانونية الدولية المتعلقة بوضع الجولان، في حين لم يؤدِّ مرور عقود على الاحتلال إلى تغيير الموقف الأممي الأساسي من وضع المنطقة، رغم التحولات السياسية والاعترافات الأحادية التي طرأت خلال السنوات الأخيرة.
- بثينة الخليل






