مجلة “الجولان” تفتح ملفات الأرض والذاكرة والاحتلال في 436 صفحة، وتجمع بين التوثيق الميداني والتحليل السياسي والتاريخ الشفوي.
لم تعد قضية الجولان في العدد الأول من “مجلة الجولان” مجرد ملف سياسي عن أرض محتلة منذ عام 1967، بل تحولت إلى مساحة واسعة لإعادة فحص الذاكرة السورية، وتوثيق الانتهاكات، ومراجعة الطريقة التي أُديرت بها القضية على مدى عقود من الاحتلال.
في عدد ضخم يبلغ 436 صفحة، تجمع المجلة بين الدراسات السياسية والقانونية، والتاريخ الشفوي، والاقتصاد، وقضايا النزوح والمرأة، إلى جانب التقارير الميدانية ورصد الانتهاكات الإسرائيلية منذ سقوط النظام وحتى نهاية تموز 2026. وتقدم بذلك نفسها بوصفها مشروعاً معرفياً وتوثيقياً يتجاوز وظيفة المجلة الصحفية التقليدية.
مجلة الجولان.. مشروع بحثي أكثر منه دورية إخبارية
تصدر المجلة عن مؤسسة “رواق ميسلون للدراسات”، وهي جهة بحثية سورية، وهو ما يفسر إلى حد كبير طبيعة العدد الأول وبنيته التحريرية.
فالمادة المنشورة لا تنطلق من منطق الخبر العاجل أو التغطية اليومية، بل من محاولة بناء ملف معرفي متعدد المستويات حول الجولان. ويظهر ذلك في تنوع الأبواب التي تمتد من الفكر السياسي والقانون الدولي والاحتلال، إلى الذاكرة والهوية، وقضايا العودة وإعادة الإعمار، وتجارب النساء النازحات، والاقتصاد، وصولاً إلى تاريخ القرى الجولانية وقراءات الكتب والمراجعات.
هذه البنية تجعل العدد أقرب إلى حولية بحثية واسعة منه إلى مجلة موجهة إلى القارئ الإخباري اليومي.
ورغم أن ذلك يمنحه قيمة توثيقية، فإنه يضعه أيضاً أمام تحدٍ تحريري واضح: كيف يمكن نقل هذا الكم من المعرفة إلى جمهور أوسع لا يمتلك بالضرورة خلفية أكاديمية أو سياسية متخصصة؟
من الاحتلال إلى الذاكرة.. قضية واحدة بأبواب متعددة
أحد أبرز ما يميز العدد هو أنه لا يحصر الجولان في البعد العسكري أو الدبلوماسي، فإلى جانب المواد المتعلقة بالاحتلال والقانون الدولي، تفتح المجلة ملفات الذاكرة والهوية، والتاريخ الشفوي، والنزوح، والاقتصاد المحلي، وقضايا النساء، كما تخصص مساحة للمقارنة بين تجربة الجولان وقضايا نزوح وتهجير أخرى.
هذا التنوع يمنح القضية بعداً مجتمعياً طالما غلب عليه في التغطيات العامة الخطاب السياسي.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع مشروع “التاريخ الشفوي للجولان السوري المحتل”، الذي يعتمد على شهادات مباشرة من أبناء المنطقة. فالشهادة الشخصية هنا لا تؤدي وظيفة إنسانية فقط، وإنما تتحول إلى مادة أرشيفية يمكن أن تساعد في حفظ تفاصيل مجتمع تغيّر بفعل الاحتلال والنزوح والانقطاع الجغرافي.
افتتاحية تضع النظام السابق داخل سؤال الجولان
في افتتاحية العدد، “الجولان السوري: الجرح المنسي والهزيمة المزمنة”، يطرح رئيس التحرير الكاتب والباحث حازم نهار قراءة تتجاوز تفسير خسارة الجولان باعتبارها نتيجة عسكرية لحرب عام 1967.
فالافتتاحية تربط الهزيمة ببنية الدولة والمجتمع والمؤسسات، وتنتقد طريقة تعامل نظام الأسد مع القضية، معتبرة أن النظام احتكر ملف الجولان ووظفه سياسياً، بدلاً من أن تتحول القضية إلى مشروع وطني مرتبط ببناء دولة قادرة على الدفاع عن حقوقها.
من الناحية التحريرية، تمنح هذه المقاربة العدد موقفاً واضحاً من واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ السوري الحديث، لكنها في الوقت نفسه تجعل المجلة أقرب إلى المنبر الفكري النقدي منها إلى المنصة الصحفية التي تسعى إلى تقديم مسافات متساوية بين الروايات المختلفة.
التوثيق الميداني.. الجانب الأكثر صحفية
إذا كانت بعض مواد العدد ذات طبيعة فكرية أو أكاديمية، فإن باب التقارير الميدانية يقترب أكثر من العمل الصحفي.
يتضمن الباب رصداً زمنياً للانتهاكات الإسرائيلية منذ 8 كانون الأول 2024 وحتى نهاية تموز 2026، مع تواريخ وأسماء ومصادر مرتبطة بالأحداث،هذه المادة تمنح العدد قيمة تتجاوز لحظة صدوره، لأنها تحاول تحويل الأحداث المتفرقة إلى سجل يمكن العودة إليه لاحقاً.
وفي سياق منطقة تتعرض لتطورات ميدانية متسارعة، تصبح عملية الأرشفة بحد ذاتها عملاً صحفياً مهماً؛ فالخبر الذي ينتهي تأثيره خلال ساعات يمكن أن يصبح، بعد جمعه وترتيبه زمنياً، جزءاً من سجل يوثق مساراً سياسياً وعسكرياً متكاملاً.

حين يصبح التاريخ الشفوي وثيقة
من بين أكثر الأبواب دلالة على هوية المجلة مشروع الشهادات الشفوية، فالجولان لا يظهر هنا بوصفه خريطة أو حدوداً سياسية فحسب، وإنما بوصفه مجتمعاً له ذاكرة وقرى وعلاقات اجتماعية وتجارب نزوح واقتلاع، وهذه المقاربة مهمة خصوصاً في القضايا التي تتعرض فيها الذاكرة الجماعية لخطر التآكل مع مرور الزمن.
لكن قوة التاريخ الشفوي تفرض في المقابل مسؤولية منهجية: الشهادة الفردية تظل شهادة شخصية، وقيمتها البحثية تزداد عندما توضع في سياق وثائقي وتاريخي يسمح بمقارنتها والتحقق من تفاصيلها.
وهنا سيكون التحدي المستقبلي للمشروع هو الحفاظ على التوازن بين قوة الشهادة الإنسانية ومتطلبات التوثيق الصارم.
نقد الاحتلال لا يلغي نقد الداخل
من النقاط اللافتة في العدد أن النقد لا يتوقف عند الاحتلال الإسرائيلي، فوجود مادة بعنوان “لماذا غاب الجولان عن خطاب السلطة والمعارضة؟” يشير إلى محاولة مساءلة الأطراف السورية نفسها عن طريقة تعاملها مع القضية.
وهذه زاوية مهمة على الأقل “صحفياً” لأنها تنقل القضية من خطاب الإدانة التقليدي، الذي تعودنا عليه، إلى سؤال آخر: كيف تعامل السوريون، بمؤسساتهم السياسية المختلفة، مع أرض محتلة وذاكرة مجتمع مهجّر؟
بهذا المعنى، لا تكتفي المجلة بإنتاج خطاب عن الاحتلال، وإنما تحاول فتح نقاش حول المسؤولية السياسية والثقافية السورية عن إبقاء القضية حاضرة أو تهميشها.
436 صفحة.. ميزة قد تتحول إلى عبء
أبرز الملاحظات التحريرية على العدد ترتبط باللغة، فالطابع الأكاديمي والفكري واضح في عدد من المواد، كما في الافتتاحية، حيث تغلب الجمل المركبة والأفكار المجردة على السرد الصحفي المباشر. هذا الأسلوب قد يكون مناسباً للقارئ المتخصص، لكنه يرفع عتبة الدخول أمام الجمهور العام.
المشكلة هنا ليست في عمق المحتوى، وإنما في المسافة بين المعرفة المتخصصة والقارئ العادي، فكلما ازدادت القضية أهمية واتسع جمهورها المحتمل، تصبح القدرة على تبسيط المعلومة من دون تسطيحها جزءاً من القيمة الصحفية نفسها.
الحجم الكبير للعدد يمنحه قيمة أرشيفية واضحة، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحدياً يتعلق بالوصول، فالقارئ الذي يبحث عن معرفة سريعة بما يحدث في الجولان سيجد نفسه أمام مئات الصفحات التي تجمع بين البحث والتحليل والشهادة والتقرير والمراجعة.
وهنا تحتاج المجلة، في أعدادها المقبلة، إلى تطوير أدوات تحريرية تساعد القارئ على التنقل داخل هذا الكم من المعلومات، مثل الملخصات التنفيذية، والخرائط التفاعلية، والجداول الزمنية، والرسوم البيانية، والملفات المختصرة التي تحول البحث الطويل إلى معرفة قابلة للاستهلاك الصحفي.

الرواية الإسرائيلية.. حضور للتفنيد أكثر من الحوار
يبدو حضور الرواية الإسرائيلية في العدد محدوداً ومستخدماً بدرجة أساسية ضمن عملية نقد الاحتلال وتوثيق ممارساته، ويظهر ذلك في مادة تتناول التهجير القسري لسكان الجولان من خلال شهادات إسرائيلية.
هذه المقاربة يمكن أن تكون ذات قيمة توثيقية عندما تستخدم مصادر من داخل الطرف الآخر، لكنها تترك مساحة لسؤال تحريري آخر يتعلق بمدى حضور الرواية الإسرائيلية الرسمية الراهنة بوصفها رواية مقابلة يجري عرضها وفحصها ونقدها، لا مجرد مادة تستخدم لإثبات موقف مسبق.
وهذا لا ينتقص من قيمة المادة، لكنه يحدد بوضوح موقع المجلة على الخريطة الإعلامية: هي مشروع نقدي وتوثيقي ذو موقف، وليست مجلة تسعى إلى الحياد التحريري بالمعنى التقليدي.
مجلة توثق لحظة ما بعد 8 كانون الأول
التوقيت يمنح العدد أهمية إضافية، فالمجلة لا تتناول الجولان في سياق تاريخي مغلق، بل توثق مرحلة جديدة بدأت بعد 8 كانون الأول 2024، وتربط التاريخ الطويل للاحتلال بالتطورات التي شهدتها المنطقة حتى صيف 2026.
وهذا يجعل العدد الأول أقرب إلى محاولة لالتقاط لحظة انتقالية: سقوط النظام السابق من جهة، واستمرار الاحتلال والتطورات الميدانية في الجنوب السوري من جهة أخرى.
في هذه النقطة تحديداً تكمن قيمة باب الرصد الميداني؛ إذ يمكن أن يتحول، إذا استمر تحديثه وانتظامه، إلى أرشيف زمني لتطورات الجولان والجنوب السوري.
بين المجلة والأرشيف.. أين تكمن القيمة الحقيقية؟
العدد الأول من “مجلة الجولان” لا يقدم نفسه بوصفه منافساً للمؤسسات الإخبارية اليومية، ولا تبدو هذه مهمته الأساسية، فقيمته الأساسية تكمن في مكان آخر: جمع مواد متفرقة حول قضية واحدة داخل مشروع معرفي واحد.
فالتقرير الميداني يجاور الدراسة القانونية، والشهادة الشفوية تجاور التحليل السياسي، وتاريخ القرى يلتقي مع الاقتصاد وقضايا النزوح والهوية.
هذه التركيبة تجعل العدد أقرب إلى محاولة لبناء أرشيف معرفي حديث للجولان، وليس مجرد إصدار صحفي دوري.
لكن نجاح هذا المشروع على المدى الطويل سيتوقف على قدرته على تجاوز ثلاث عقبات: الحفاظ على الدقة التوثيقية، توسيع دائرة الأصوات المشاركة، وتقديم المعرفة العميقة بلغة أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور العام.
في النهاية، تكشف “مجلة الجولان” أن القضية لم تعد تحتاج فقط إلى من يعيد تكرار أن الأرض محتلة، بل إلى من يوثق ماذا حدث لها، ومن عاش فيها، وكيف تغيّرت، وكيف أُديرت قضيتها سياسياً، وما الذي يحدث على أرضها الآن.
ومن هذه الزاوية، قد تكون قيمة العدد الأول، رغم حجمه وكثافته، في أنه لا يحاول إغلاق ملف الجولان بإجابة واحدة؛ بل يعيد فتحه عبر 436 صفحة من الأسئلة والوثائق والشهادات والتحليل.
- فادي الأصمعي






