في مبنى وزارة الإعلام بدمشق، كان هناك رقم يُردَّد بفخر في كل مؤتمر صحفي طوال عام 2025: من أصل نحو 700 طلب ترخيص تلقّتها الوزارة حتى تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، مُنحت أكثر من 450 مؤسسة إعلامية إذناً رسمياً بالعمل. الفكرة، كما شرحها المسؤولون حين أُعلنت شروط الترخيص في تموز/ يوليو 2025، بسيطة وجادة: من يريد أن يمتلك صوتاً في سوريا الجديدة عليه أن يدفع الرسوم (عشرون ألف دولار لقناة تلفزيونية، ألف دولار لمنصة إلكترونية) وأن يستوفي شروط الجنسية والخبرة والمقر. خطوة تنظيمية منطقية، تسعى دولة خارجة لتوّها من عقود من انعدام أي معيار مهني، إلى إعادة بناء منظومة إعلامية تستحق الثقة.
لكن الفوضى التي تحاول هذه الرسوم ضبطها لم تكن يوماً بحاجة إلى مقر، ولا رسوم، ولا إذن من أحد. وقد ظهر ذلك بوضوح في السويداء، قبل صدور تلك الأرقام بأشهر قليلة.
في نيسان / أبريل 2025، انتشر تسجيل صوتي مزوَّر، نُسب زوراً إلى رجل دين درزي، تضمّن إساءة للنبي محمد عليه السلام. لم يكن التسجيل حقيقياً، لكن هذا لم يمنع انتشاره على منصات التواصل الاجتماعي بسرعة كافية لإشعال موجة تعبئة طائفية في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق. بعد أشهر قليلة، في تموز/ يوليو 2025، اندلعت اشتباكات مسلحة في السويداء بين فصائل درزية وعشائر بدوية، اضطرت الدولة معها للتدخل لفرض هيبتها وحماية المدنيين ومنع تفاقم الفتنة الطائفية.
تعاملت الدولة مع الملف بجدية لافتة: شكّلت وزارة العدل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق، عملت أشهراً وجمعت 769 إفادة من 213 شاهداً و437 من الضحايا وذويهم، قبل أن تسلّم تقريرها النهائي (850 صفحة) في آذار /مارس 2026. وثّقت اللجنة سقوط 1760 قتيلاً وإصابة 2188 من مختلف الأطراف، ووصف رئيسها الانتهاكات بأنها “فردية وليست ممنهجة”، فيما جرى توقيف 23 عنصراً من الأمن والجيش يواجهون الآن محاكمة علنية أمام القضاء. النتيجة كانت مساراً قانونياً واضحاً: تحقيق، ومحاسبة، ومحاكم علنية.. ولا إفلات من العقاب.
لكن الأهم لموضوعنا هنا هو ما سبق الأحداث لا ما تلاها: فقد وثّقت منصات تحقّق سورية متخصصة، مثل “تأكد”، سلسلة ادعاءات ملفّقة نُسبت لاحقاً إلى قيادات درزية روحية خلال الأزمة — تصريحات لم تصدر أصلاً، لكنها انتشرت وكأنها حقيقة مؤكدة. بعبارة أخرى: قبل أن تُطلق الوزارة نظام التراخيص بشهور، كانت سوريا قد شهدت بالفعل نموذجاً حياً عن قدرة تسجيل صوتي واحد، لا يملك ترخيصاً ولا عنواناً، على إشعال أزمة مكلفة بشرياً ومجتمعياً. لم يكن أحد بحاجة لدفع عشرين ألف دولار كي يشعل حريقاً طائفياً، كل ما احتاجه هو زر “مشاركة”.
مدونة سلوك من 112 صفحة
في 14 أيلول / سبتمبر 2025، وفي أعقاب أحداث الساحل والسويداء مباشرة، أطلقت الوزارة سلسلة من 16 ورشة عمل في مختلف المحافظات، شارك فيها ما يقارب 600 صحفي وصانع محتوى، لصياغة “مدونة سلوك مهني وأخلاقي” تنظّم الخطاب الإعلامي من القاعدة إلى القمة. تواصلت الورش حتى نهاية تشرين الثاني / نوفمبر 2025، وصدر النص النهائي مطلع عام 2026 في وثيقة من 112 صفحة حملت شعار “إعلام مهني.. كلمة مسؤولة”، خطوة تستحق الإشادة في بلد لم يعرف طوال عقود أي مرجعية أخلاقية للعمل الصحفي.
المشروع، رغم طموحه، واجه سؤالاً منطقياً طرحه صحفيون أنفسهم في شباط / فبراير 2026: كيف تُضبط فوضى صناع المحتوى إذا شارك بعضهم في صياغة الضوابط ذاتها؟ سؤال لا يقلل من قيمة المدونة، يؤكد أن معركة ضبط الخطاب الرقمي لم تنته بعد بصدور وثيقة، مهما كانت شاملة.
المصدر الحقيقي للفوضى: خارج الحدود
في الشهر نفسه تقريباً، شباط / فبراير 2026، كشف وزير الإعلام حينها، حمزة المصطفى، رقماً مهماً يستحق التوقف عنده: نحو 60 في المئة من خطاب الكراهية المتداول بين السوريين على منصات التواصل يأتي من سوريين يقيمون خارج البلاد، في دول تُوصف بأنها “ديمقراطية”. هذا الرقم يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: المشكلة ليست في الداخل السوري الذي تعمل مؤسساته على الانضباط والمحاسبة، المشكلة في أصوات تبث الفوضى من خارج الحدود، بمنأى عن أي قانون سوري، مستفيدة من الحريات التي توفرها لها دول إقامتها لتصدير الانقسام إلى الداخل.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تُقال بوضوح: الدولة تبني منظومة ترخيص، ومدونة سلوك، ولجان تحقيق ومحاسبة قضائية علنية.. بينما تبقى الجبهة الأخطر خارج نطاق سيطرتها تماماً. وفي أيار / مايو 2026 جرى تعديل وزاري طبيعي شمل حقيبة الإعلام، في إطار الحركة الحكومية المعتادة لتقييم الأداء وتجديد الفرق، إشارة إضافية إلى أن الدولة تتعامل مع ملف الإعلام بجدّية ومتابعة مستمرة.
والمواطن؟
بعيداً عن الوزارات واللجان والمدونات، هناك فاعل لا يحمل صفة رسمية ولا يخضع لرسوم ترخيص: المواطن العادي، الجالس في بيته، الذي يفتح هاتفه بعد يوم متعب فيجد خبراً (صحيحاً أو مفبركاً، لا فرق) فيعلّق، ويشارك، ويضيف رأياً لم يُطلب منه أصلاً. لا يفعل ذلك بدافع أيديولوجي غالباً، لأنه ببساطة “انثار” ووجد في التعليق متنفساً.
والمفارقة أن هذا المواطن، حين يُقال له إنه جزء من مشكلة “الفوضى الإعلامية”، يشعر بالإهانة.. رغم أنه أحياناً يشارك، بحسن نية أو بلا تدقيق، محتوى لا يختلف كثيراً عمّا صنعته حسابات مأجورة تُدار من خارج الحدود.
في المثل السوري: “يلي بيته من قزاز ما بيرمي الناس بالحجارة”.. وفي زمن السوشيال ميديا، بيت الجميع من زجاج، والكل يرمي حجارة.. تعليقاً، أو مشاركة، أو إعادة نشر ودون أن يسأل نفسه: هل أنا هنا أنقل خبراً، أم أساهم دون قصد في تضخيم الفوضى التي تحاول مؤسسات الدولة احتواءها؟
الخلاصة
الترخيص يضبط من يملك استوديو داخل الوطن. مدونة السلوك تضبط من وقّع عليها طواعية. لجان التحقيق العلنية تضبط من ثبتت مسؤوليته أمام القضاء. لكن يبقى التحدي الأكبر خارج هذا الإطار كله: تسجيل صوتي مزوّر ينتشر خلال ساعات، وحسابات تُدار من عواصم بعيدة لا تطالها يد القانون السوري.
مواجهة هذا التحدي لن تكون بجهد الدولة وحدها، مهما بلغت جدّيتها، تحتاج وعياً مجتمعياً موازياً ومواطناً يدرك أن كل نقرة قبل التحقق هي مساهمة، ولو بلا قصد، في المعركة التي تخوضها مؤسساته لحماية النسيج الاجتماعي.
فالفوضى، كما أثبتت تجربة السويداء، لا تحتاج ترخيصاً لتنتشر. تحتاج فقط جمهوراً مستعداً للنقر قبل أن يتحقق.






