بدأت سوريا مرحلة إعداد الدراسات الفنية لمشروع وطني متكامل لتحلية ونقل المياه، بالتعاون مع “أكوا باور” السعودية و”شركة نقل المياه الوطنية السعودية”، وبمشاركة شركة “Fichtner” الألمانية مستشاراً فنياً، في مشروع تبحث الدراسات إمكانية وصول قدرته إلى 1.2 مليون متر مكعب من المياه يومياً، مع شبكة نقل قد تمتد لنحو 400 كيلومتر.
الاتفاقية التي أعلنت عنها وزارة الطاقة السورية لا تعني بدء تنفيذ المشروع، وإنما تمثل انتقالاً إلى مرحلة الدراسات وتقييم الموارد المائية والعجز الحالي والمتوقع، وتحديد أفضل مزيج بين مياه البحر المحلاة والمصادر التقليدية، قبل اتخاذ أي قرار استثماري أو تنفيذي.
ماذا تدرس سوريا في مشروع تحلية المياه؟
تشمل الدراسات تقييم مصادر المياه الحالية، بما فيها المياه السطحية والجوفية، وحجم الاحتياجات والعجز المائي المتوقع، إلى جانب دراسة إمكانية إنشاء منظومة لتحلية مياه البحر ونقل المياه إلى المناطق المستفيدة.
وتبحث الدراسة كذلك في إمكانية دمج المياه المحلاة مع المصادر التقليدية ضمن منظومة واحدة، بما يسمح بتأمين مصادر إضافية للمياه بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد.
أما شبكة النقل، فيبلغ طولها المحتمل نحو 400 كيلومتر، وفق التصور الذي ستبحثه الدراسات، من دون إعلان مسار جغرافي نهائي أو تحديد المحافظات التي ستستفيد منها.
1.2 مليون متر مكعب.. قدرة قيد الدراسة وليست إنتاجاً فعلياً
يصل سقف القدرة التي تبحثها الدراسات إلى نحو 1.2 مليون متر مكعب يومياً. لكن الرقم لا يمثل كمية مياه بدأت سوريا بإنتاجها، ولا يعني أن إنشاء المحطات أو شبكة النقل قد بدأ.
وبحساب التشغيل عند القدرة القصوى على مدار عام كامل، تعادل هذه الكمية نحو 438 مليون متر مكعب سنوياً، إلا أن الوصول إلى هذه الطاقة يبقى مرتبطاً بنتائج الدراسات الفنية والاقتصادية وقرار تنفيذ المشروع.
مشروع تحلية ونقل المياه له جذور منذ شباط
لا يعود التعاون السوري–السعودي في ملف المياه إلى الاتفاقية الحالية فقط. ففي شباط 2026، وقعت وزارة الطاقة اتفاقية تطوير مشترك مع “أكوا باور” وائتلاف يضم “شركة نقل المياه الوطنية السعودية”، بهدف دراسة مشاريع محتملة لتحلية ونقل المياه في سوريا.
وكانت التصورات المعلنة آنذاك تتضمن دراسة محطة لتحلية مياه البحر وإيصال المياه العذبة من الساحل السوري باتجاه جنوب البلاد.
وتشير الخطوة الجديدة إلى انتقال المشروع من إطار اتفاقية التطوير المشترك إلى مرحلة أكثر تفصيلاً من الدراسات الفنية والاستشارية، مع مشاركة “Fichtner” الألمانية كمستشار فني.
لماذا تحتاج سوريا إلى منظومة مائية بهذا الحجم؟
تأتي الدراسات في ظل تحديات متراكمة في قطاع المياه، تشمل تراجع الموارد وارتفاع الاحتياجات، إلى جانب مشكلات مرتبطة بشبكات النقل والضخ ومصادر المياه في مناطق مختلفة من البلاد.
وتسعى وزارة الطاقة، من خلال المشروع، إلى دراسة مصادر جديدة للمياه وربطها بمنظومة نقل واسعة، بدلاً من معالجة الاحتياجات المائية على مستوى كل منطقة بصورة منفصلة.
لكن نجاح المشروع لا يرتبط بإنتاج المياه فقط، إذ ستحدد الدراسات أيضاً كلفة التحلية والنقل، ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيل المحطات ومحطات الضخ، ومدى الجدوى الاقتصادية للمنظومة.
السعودية شريك بخبرة واسعة في التحلية ونقل المياه
اختيار “أكوا باور” يرتبط بخبرتها في مشاريع الطاقة والمياه والتحلية، فيما تضيف “شركة نقل المياه الوطنية السعودية” خبرة مرتبطة بالبنية التحتية لنقل المياه.
أما “Fichtner” فتتولى دور المستشار الفني، في مشروع يحتاج إلى تقييم مواقع محطات التحلية، وتقنيات المعالجة، ومسارات خطوط النقل، ومحطات الضخ، والتكاليف التشغيلية والاستثمارية.
وتبقى تفاصيل التمويل وتكلفة المشروع وآلية تنفيذه غير معلنة حتى الآن، في ظل اقتصار الاتفاقية الحالية على مرحلة الدراسات والخدمات الفنية.
من الساحل إلى الجنوب.. سيناريو لم يُحسم بعد
رغم أن التصورات التي طُرحت في شباط تحدثت عن إمكانية نقل المياه من الساحل السوري إلى جنوب البلاد، فإن الاتفاقية الحالية لا تحدد مساراً نهائياً لشبكة الـ400 كيلومتر.
كما لم تعلن الوزارة مواقع محطات التحلية، أو نقاط بداية ونهاية خطوط النقل، أو المحافظات التي ستصل إليها المياه.
لذلك، فإن الحديث عن شبكة مكتملة أو مشروع بدأ تنفيذه سيكون سابقاً لأوانه؛ فالمرحلة الحالية مخصصة للإجابة عن سؤال أساسي: هل يمكن بناء منظومة مائية بهذا الحجم، وبأي كلفة، وأين ستكون الأولوية؟
وتتزامن دراسة المشروع الوطني مع مشاريع أصغر لمعالجة احتياجات محلية، بينها مشروع محطة تحلية تعمل بالطاقة الشمسية في الغزلانية بريف دمشق، ما يعكس توجه الوزارة إلى الجمع بين حلول محلية ومشروعات مائية واسعة النطاق.
- طارق أبو البراء






