هل ينجح ترامب في كسر “الخط الأحمر الأمني” لنتنياهو في الجولان؟

في لحظة سياسية تعكس تحوّلًا عميقًا في موازين القوى على الحدود الجنوبية لسورية، كشفت مصادر إسرائيلية وأمريكية متقاطعة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض، خلال اتصال هاتفي أخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها القوات الإسرائيلية عقب سقوط نظام المخلوع بشار الأسد في كانون الأول 2024، إضافة إلى مواقع عسكرية تسيطر عليها إسرائيل في جنوب لبنان.

ويأتي هذا الرفض رغم الضغوط الأمريكية التي تسعى إلى إعادة ترتيب الملفات الأمنية في الشرق الأوسط بعد التفاهمات الأولية بين واشنطن وطهران، في وقت تعتبر فيه دمشق أن التحركات الإسرائيلية تمثل احتلالًا جديدًا يتجاوز اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974.

تؤكد صحيفة معاريف الإسرائيلية أن نتنياهو أبلغ ترامب بأن الانسحاب من المنطقة العازلة في الجولان السوري يمثل “خطًا أحمر أمنيًا”، معتبرًا أن أي تراجع سيخلق “فراغًا أمنيًا” يسمح بعودة النفوذ الإيراني أو تمركز الفصائل الموالية لطهران قرب الحدود.

وتضيف الصحيفة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى في الوجود العسكري داخل جنوب سورية وجنوب لبنان ضرورة استراتيجية لا مجرد ورقة ضغط سياسية، وأن تل أبيب لن تقبل بأي خطوة تمس قدراتها الردعية أو ترتيباتها الأمنية التي فرضتها منذ انهيار النظام السابق.

وتنسجم هذه الرواية مع ما نقلته RT عن مصادر إسرائيلية مطلعة أكدت أن نتنياهو شدد على أن “استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في تلك المناطق ضروري لمنع عودة النفوذ الإيراني والجماعات الإسلامية المتطرفة بحسب زعمه” .

وتبرز منطقة جبل الشيخ بوصفها مركز الثقل في الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي في 5 أيار 2025 أنه عثر على ما وصفه بـ“مقر القيادة المركزي للقوات التابعة للنظام السوري البائد” في قمة الجبل قبل تدميره، بينما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خلال زيارة ميدانية في كانون الثاني 2025 أن القوات الإسرائيلية ستبقى في المنطقة “إلى أجل غير مسمى” لضمان أمن مستوطنات الجولان وشمال إسرائيل.

وتشير المعطيات التي أوردتها مصادر عدة إلى أن إسرائيل وسّعت انتشارها العسكري منذ الساعات الأولى لسقوط دمشق، متوغلة في المنطقة العازلة وأجزاء من القنيطرة وريف درعا الغربي، مستفيدة من الفراغ الأمني الذي رافق انهيار مؤسسات النظام السابق .

ورغم تأكيدات الحكومة السورية الجديدة بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها لتهديد إسرائيل، وأنها لن تتيح عودة النفوذ الإيراني، فإن تل أبيب واصلت تعزيز وجودها العسكري.

من جانب آخر فإن ترامب جاد في إعادة ترتيب الملفات الأمنية في المنطقة، لكنه يفتقر إلى أدوات الضغط الكافية لإجبار نتنياهو على الانسحاب، وهنا لابد من الإشارة إلى أن نتائج الحرب مع إيران لم تمنح واشنطن وتل أبيب “نصرًا مطلقًا”، ما يجعل ترتيبات الأمن الإقليمي مفتوحة على تغييرات قد تُجبر إسرائيل لاحقًا على تعديل موقفها.

كما إن إسرائيل تحاول تقديم وجودها العسكري في جنوب سورية وجنوب لبنان بوصفه “ضمانة للاستقرار” وليس ورقة تفاوض، وأن نتنياهو أبلغ ترامب استعداد حكومته للتنسيق مع واشنطن دون المساس بالقدرات الأمنية الإسرائيلية .

في المقابل فإن دمشق لا تمتلك أي أوراق قوة تضغط بها على إسرائيل، لا عسكرية ولا سياسية، فأمام الحكومة الجديدة مهام صعبة أبرزها إعادة بناء الجيش السوري بعد سقوط النظام السابق وبسط السيطرة الداخلية على البلاد.

بينما تل أبيب تستثمر في “الخلفية الجهادية” للحكومة السورية الجديدة لتبرير فرض أمر واقع جديد في الجنوب السوري، رغم أن إسرائيل “لا ترى في دمشق خطرًا فعليًا، لكنها تستغل هشاشتها السياسية والعسكرية لتثبيت وجود طويل الأمد” .

ومع استمرار التمركز الإسرائيلي في جبل الشيخ ومناطق أخرى من القنيطرة ودرعا، تتعامل دمشق مع هذه التحركات بوصفها احتلالًا جديدًا يتجاوز حدود المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بينما تعتبر إسرائيل أن التطورات التي أعقبت سقوط النظام البائد تمثل فرصة لإعادة رسم الترتيبات الأمنية على حدودها الشمالية.

وبينما تواصل واشنطن الضغط لخفض التوترات الإقليمية، تبدو قدرتها على إلزام تل أبيب محدودة، في ظل توازنات جديدة فرضتها الحرب مع إيران وغياب قوة سورية قادرة على تغيير المعادلة.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top