وُجدت البرامج الساخرة لتمنح الضعيف مقعداً في مواجهة القوي. في هذا النوع من البرامج يسخر الكاتب من وزير تأخر عن وعده، ومن مؤسسة غابت عن واجبها، ومن سلطة ملأت الدنيا صياحاً وطرباً وتركت الناس بلا خبز. هذه وظيفتها الأولى والأخيرة: أن تقول للمسؤول ما يخشى الجميع قوله، بابتسامة تجعل الرسالة أبلغ وأبقى. ولهذا تقوم السخرية على قاعدة واحدة يعرفها كل من مرّ بها في عمود الدومري القديم: اتجه إلى الأعلى. فإذا انقلب السهم نحو الأسفل، نحو من يعمل في الميدان ويدفع الثمن، فقدت الفقرة اسمها، وصارت شيئاً آخر لا يحتاج إلى مقدمة تعريفية.
اكتشف برنامج “أخذ ورد” على قناة سوريا أن الجنوب السوري يعاني نقصاً حاداً في شيء واحد، هو الدعابة. فقدّم لأهله وصحفييه سكيتشاً ساخراً، وكأن الدماء والنزوح والاحتلال كانت تنتظر من يخفف عنها بنكتة من الاستوديو.
والفكرة مبتكرة بحق: تقتطع لقطات لمراسلين وصحفيين يعملون على خطوط الاحتكاك، وتعرضها من استوديو آمن في إطار مشهد ساخر، وتسأل الجمهور: أليس هذا مضحكاً؟ ومن بين تلك اللقطات يقف صحفي يقول إنهم سيفدون الجنوب بدمائهم عند الحاجة ولن يكتفوا بالتغطية الإعلامية، حتى لو اضطروا إلى حمل “آر بي جي” دفاعاً عن أرضهم وعن سوريا. كلمة قالها رجل يعرف ثمن كلامه، فاقتطعها البرنامج من سياقها وقدّمها مادةً للتندّر. وهنا تظهر الحرفة: أن تحوّل عبارة عن الاستعداد للتضحية إلى نكتة، وأن تنسى أن من يرتدي درعاً مكتوباً عليه “press” يعيش على الخيط الرفيع بين صفة الصحفي وتهمة المسلّح. فالسخرية من العبارة تمرّ في الاستوديو بلا كلفة، أما تداولها خارجه فقد يضع صاحبها وزملاءه في موضع الاتهام، حيث تُكلّف الكلمة أرواحاً.
أما الخطأ اللفظي الذي وقع فيه صحفي وهو يخاطب أهالي المنطقة ويحثهم على التمسك بأرضهم، فقد وجده الفريق مادة وافرة. ولعل الفريق نسي أن الصحفي في الميدان لا يملك أوتوكيو، ولا إعادة لقطة، ولا من ينتظره بعد الجملة الخاطئة ليصحح له. هذا الامتياز محجوز لمن يجلس تحت الإضاءة.
وفي هذا كله درس إداري ثمين: يمكن لقناة تحمل اسم بلد أن تبث سخريةً من أبنائه في أحرج لحظاته، ثم تسمّي ذلك “جرأة”. وليس مطلوباً من أحد أن يسأل عن الغاية، فالغاية حاضرة: لقطة، وتعليق، ومتابعة إذا صفّينا النية.
وقد بدأ صحفيو الجنوب، بحسب ما يتردد، بالتفكير في تقديم شكوى إلى وزارة الإعلام. وهو إجراء مفهوم، وإن كان يتطلب منهم ما لا يتوافر لهم عادة: وقتاً فارغاً بين خبر وآخر.
ويبقى سؤال أخير للقائمين على البرنامج: إذا كان الجنوب بعيداً وجدّياً إلى هذا الحد، فلماذا لا يُخصَّص له ما يليق به من تغطية واسعة تتناسب مع حجم ما يجري؟ التغطية أصعب من التندّر، لكنها المهمة التي وُجدت المحطة من أجلها.














