في سوريا اليوم، يمكن لأي مواطن أن يقول ما يشاء في الشارع، ويكتب ما يشاء على صفحته، ويجاهر برأيه في مقهى أو أمام كاميرا، من دون أن يلتفت خلفه ليتأكد أن أحداً لا يسمعه. هذا وحده إنجاز يستحق التوقف عنده طويلاً. فبعد خمسين عاماً من حكم لم يكن فيه للكلمة ثمن سوى الاعتقال أو الغياب القسري أو الموت، انهار الجدار الذي كان يفصل بين ما يفكر به السوري وما يجرؤ على قوله. سقط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، ودفع أكثر من مليوني سوري، بين قتيل ومفقود ومعتقل، ثمناً لهذه اللحظة. وقد سجّلت مؤشرات دولية مستقلة هذا التحول، إذ قفزت سوريا في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 ستاً وثلاثين مرتبة دفعة واحدة، وهي أكبر قفزة تحققها دولة في تاريخ هذا المؤشر.
لكن الحرية التي انتُزعت بهذا الثمن الباهظ، لا يمكن أن تُبنى بإسقاط الرقيب فقط. إسقاط الرقيب هو الخطوة الأولى، أما الخطوة الأصعب فهي أن يتعلم مجتمع بأكمله، بعد جيلين من الصمت المفروض، كيف يمارس حريته من دون أن يتحول الفراغ الذي خلفه الاستبداد إلى فوضى، أو أن تتحول حرية شخص إلى قيد على حرية آخر.
هذه هي المعضلة التي يعيشها السوريون اليوم، ولم يجرؤ كثيرون على مناقشتها صراحة: لم يعد أحد يخاف من الدولة، لكن كثيرين لا يزالون لا يعرفون أين تقف حدود حريتهم الشخصية، ولا أين تبدأ حرية الآخر. في غياب خمسين عاماً من أي نقاش عام حقيقي حول هذه الأسئلة، وجد كثير من السوريين أنفسهم فجأة أمام مساحة مفتوحة لم يتدربوا يوماً على التحرك داخلها.
الحرية، في المخيلة الجمعية، ارتبطت طويلاً بصورة واحدة: غياب القمع. أما الصورة الأخرى، الحرية كمسؤولية وكقانون وكاحترام متبادل، فبقيت غائبة عن النقاش، لأن النظام السابق لم يترك مجالاً لأي نقاش من الأساس.
وهنا يكمن سوء الفهم الأكبر. حرية الرأي والتعبير، كما تمارسها المجتمعات التي عاشت عقوداً من التعددية، ليست إباحة مطلقة بلا سقف. هي حق محاط بمسؤولية: حق النقد لا يعني حق التشهير، وحق الاختلاف لا يعني حق التحريض، وحرية الفرد تنتهي حين تبدأ حرية غيره في العيش بأمان وكرامة. هذه ليست قيوداً تفرضها سلطة خائفة من شعبها، وإنما هي القواعد التي تحمي الحرية نفسها من أن تلتهم نفسها. فالمجتمعات التي أطاحت بمستبديها ثم تركت الحرية بلا إطار قانوني وأخلاقي واضح، غالباً ما انزلقت نحو فوضى الخطابات الرنانة، حيث يتحول الفضاء العام إلى ساحة تصفية حسابات، وانهيار لمنصة البناء.
المسؤولية هنا مشتركة، ولا تقع على الدولة وحدها. صحيح أن على المؤسسات الناشئة، من وزارات ونقابات صحفية وقضاء مستقل، أن تُسرع في وضع الأطر القانونية التي تحدد بوضوح: أين ينتهي النقد المشروع وأين يبدأ التحريض؟ وأين تقف الخصوصية الفردية أمام المصلحة العامة؟ ومن يحاسَب، وكيف، حين تتحول الكلمة إلى أداة أذى؟ فبقاء هذه الأسئلة معلّقة يترك الباب مفتوحاً أمام كل طرف ليفسّر الحرية على هواه، وهذا بالضبط ما يجعل النقاش العام اليوم أقرب أحياناً إلى جدال متبادل منه إلى حوار.
المسؤولية الأكبر، ربما، تقع على المجتمع نفسه. فالحرية التي لا يرافقها وعي بحدودها تتحول بسرعة إلى أداة لإسكات الآخرين. فحين يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين، وحين يتحول النقد الشخصي إلى حملة تحريض رقمية، فإن من يمارس ذلك يظن أنه يمارس حريته، بينما هو في الحقيقة يقتل حرية من يقف في الجهة المقابلة. سوريا اليوم بحاجة إلى نقاش وطني هادئ، بعيداً عن الاستقطاب، حول معنى الحرية المسؤولة: حوارات في الجامعات والمدارس والإعلام، تشرح أن الحرية ليست عكس الاستبداد فقط، إنما هي أيضاً نقيض للفوضى.
من العدل القول إن الحكومة السورية، حتى الآن، لم تكن هي من يقيّد هذه الحرية. المشكلة ليست في رقيب يمنع، وإنما المشكلة في غياب بوصلة تُرشد. وهذه فرصة نادرة: أن تُبنى ثقافة الحرية في سوريا الجديدة من الألف إلى الياء، كمشروع واعٍ لغد لا يكرر أخطاء الماضي بثوب جديد.
فالذين ضحوا بأرواحهم من أجل هذه اللحظة لم يفعلوا ذلك لكي يستبدل السوريون صمتاً بفوضى وخراب، وإنما لكي يبنوا، بينهم، فضاءً عاماً يليق بثمن الحرية الذي دفعوه.














