تواجه بعض الأسر صعوبات في تقبّل إعاقة أحد أطفالها، وقد تتحول المخاوف من نظرة المجتمع إلى الإهمال والنبذ والعنف، ما يحرم الطفل من الشعور بالأمان والقبول داخل أسرته. وتسلط صحيفة «الثورة السورية» الضوء على حالات إنسانية تكشف جوانب من هذه المعاناة، وتبرز أهمية الوعي الأسري والحماية والرعاية المتخصصة لضمان حقوق الأطفال ذوي الإعاقة.
تزداد معاناة الأطفال ذوي الإعاقة حين يواجهون نظرة اجتماعية تنتقص من قدرهم، أو يجدون داخل أسرهم إهمالاً وقسوة تحرمانهم من الشعور بالأمان. فبدلاً من أن تكون الأسرة مساحة للحماية والاحتواء، قد تتحول لدى بعض الأطفال إلى مصدر للخوف والنبذ والعنف، نتيجة أفكار خاطئة تربط الإعاقة بالعار، أو مخاوف تتعلق بنظرة المجتمع ومستقبل الأبناء.
وبحسب المادة التي نشرتها صحيفة «الثورة السورية» بعنوان «العنف ضد الأطفال ذوي الإعاقة.. معاناة خلف الأبواب المغلقة»، تكشف شهادات أسر ومربين وآراء اختصاصيين نفسيين وتربويين أن ضعف الوعي بحقوق الأطفال ذوي الإعاقة واحتياجاتهم قد يفاقم معاناتهم، ويجعل حمايتهم مسؤولية مشتركة تتطلب التوعية والدعم الأسري والتشريعات التي تصون حقوقهم وكرامتهم.
نظرة المجتمع تزيد معاناة الأسرة
يروي أحد الآباء لطفل من ذوي الإعاقة مشاعر الخجل والارتباك التي ترافقه عند اصطحاب طفله خارج المنزل، مشيراً إلى أن نظرات المارة تجعله يشعر بالحزن والنقص والخوف من المستقبل، نتيجة ما يراه من نظرة دونية تطال الطفل وأسرته.
وتكشف هذه الشهادة حجم الضغوط التي قد تتعرض لها الأسرة بسبب الوصمة الاجتماعية، وكيف يمكن أن تنعكس المشاعر السلبية على الطفل نفسه، عندما تتحول إلى إهمال أو إنكار لوجوده أو تقصير في تلبية احتياجاته الأساسية. فالمخاوف من أحكام الآخرين لا ينبغي أن تحرم الطفل من الرعاية والقبول داخل أسرته، أو أن تتحول إلى مبرر للقسوة والإساءة إليه.
وتنقل صحيفة «الثورة السورية» شهادات عن حالات لأطفال تعرضوا لأشكال مختلفة من العنف اللفظي والإهمال والنبذ الأسري.
وتقول مربية الطفل حمادة، التي تتقاضى راتباً شهرياً لقاء تأمين احتياجاته والإشراف عليه، إنها تتولى إعداد طعامه وشرابه والاهتمام بملابسه، في حين لا تبدي أسرته الميسورة، وفق شهادتها، اهتماماً كافياً بتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.
وتضيف أن الأبوين يحاولان إبعاده عن أنظار الأقارب والأصدقاء، ويتضايقان من السؤال عنه، لاعتقادهما أن وجوده يسبب القلق ويهدد مستقبل أبنائهما وبناتهما. كما يتعرض حمادة للعنف اللفظي من بعض إخوته، الذين يرون أن وجوده يسبب لهم الإحراج أمام المجتمع.
ويواجه الطفل جواد ظروفاً مشابهة، إذ يعمل أهله على إبعاده عن الحياة العائلية خشية أن يراه الناس أو أن يؤثر وجوده في فرص زواج إخوته وأخواته. وتخشى الأسرة، بحسب الشهادة التي أوردتها الصحيفة، أن يعتقد المجتمع أن الإعاقة وراثية، وأنها قد تنتقل إلى أفراد آخرين من العائلة بعد الزواج.
وتدفع هذه المخاوف الأهل إلى إخفاء الطفل وإبعاده عن الأنظار، في صورة من صور النبذ التي تحرمه من المشاركة في حياته الأسرية والاجتماعية.
الغيرة الأسرية وغياب الاحتواء
وتختلف حالة الطفل ياسر بعض الشيء، إذ ترتبط معاناته بالغيرة بين الإخوة، عندما لا يفهم بعضهم أسباب الاهتمام الذي يحتاج إليه أخوهم ذو الإعاقة. وتبدأ الخلافات وردود الأفعال الغاضبة، ثم تتصاعد المشكلات داخل المنزل، لتلجأ الأم أحياناً إلى تعنيف الطرفين، ويكون الطفل ذو الإعاقة في الغالب الأكثر تضرراً.
وتشير الحالة، وفق المادة المنشورة، إلى أن الضغوط الأسرية قد تتداخل مع ضعف الوعي باحتياجات الطفل، فتزيد من حدة الخلافات بدلاً من احتوائها. كما تتعرض الأم للوم من أهل زوجها، الذين يحملونها مسؤولية إنجاب هذا الطفل، الأمر الذي يزيد الضغوط النفسية داخل الأسرة وينعكس على طريقة معاملته.
أما أبو أدهم، فكان ينتظر مولوداً ذكراً يحمل اسمه ويساعده في عمله بمجال الموبيليا، وكان يتطلع إلى أن يصبح جداً من خلال أبنائه. وعندما جاءت ظروف حياته على خلاف ما كان يتوقع، شعر بالضيق والغضب، وانعكس ذلك في تعنيفه الطفل وأمه.
وتذكر المادة أن الضغط وسوء المعاملة أديا إلى تفاقم الحالة النفسية للطفل، في حين قوبلت انفعالاته بالعنف بدلاً من فهمها والتعامل معها بوصفها مؤشرات تستدعي الاهتمام والرعاية.
وتوضح هذه الحالات أن الضغوط النفسية والخلافات الأسرية والمخاوف الاجتماعية قد تتداخل في تشكيل بيئة غير آمنة للطفل، لكنها لا تبرر العنف أو الإهمال، ولا تنتقص من حقه في الرعاية والحماية.
الباحثة النفسية نور أبو النعاج: العنف يفاقم معاناة الأطفال
ترى الباحثة النفسية نور أبو النعاج، في حديثها لصحيفة «الثورة السورية»، أن بعض حالات الإعاقة الجسدية، مثل الشلل أو فقدان البصر، قد تترافق مع مشكلات نفسية وعصبية تتفاقم بفعل سوء المعاملة والعنف، موضحة أن الأهل أو المجتمع قد يسهمون في زيادة معاناة الطفل عندما يتعاملون معه بالقسوة أو يهملون احتياجاته.
وتربط أبو النعاج العنف ضد الأطفال ذوي الإعاقة بغياب الرحمة والوعي الكافي بالطرق المناسبة للتعامل معهم، مؤكدة حاجة المجتمع إلى الإعداد والتدريب والتأهيل لمساندة هذه الفئة.
وتوضح أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى المحبة والاحترام والحنان، وإلى فرص اللعب والاستكشاف والرعاية النفسية والطبية التي تساعدهم على تنمية مهاراتهم الجسدية والعقلية، وتشعرهم بأنهم موضع ترحيب وتقدير داخل الأسرة والمجتمع.
وتضيف أن إهمال تربية الأطفال ذوي الإعاقة وتعليمهم يمس حقوق الطفل ومبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، لأن التعلم حق أساسي لكل فرد في المجتمع. وترى أن تعليم هؤلاء الأطفال وتربيتهم يسهمان في تنمية قدراتهم وتعزيز مشاركتهم في الحياة الاجتماعية.
وتوضح أبو النعاج أن بعض الأطفال ذوي الإعاقة، ولا سيما ذوي الإعاقة الذهنية، قد يواجهون صعوبة في التمييز بين السلوك السليم وغير السليم الذي يوجهه الآخرون إليهم. كما أنهم بحاجة إلى مساعدة المحيطين بهم، وقد لا يفصحون أحياناً عما يتعرضون له من إساءة خوفاً من فقدان الشخص الذي يقدم لهم الرعاية.
وتشير إلى تعرض بعض هؤلاء الأطفال لأساليب غير سليمة في التربية والتنشئة الاجتماعية داخل الأسرة والمدرسة، تتراوح بين العنف البدني والنفسي والإهمال والنبذ العاطفي.
وتلفت إلى أن ظروف الأسرة قد تؤثر في قدرتها على رعاية طفلها ذي الإعاقة والقيام بواجباتها تجاهه، ومن بينها انخفاض المستوى التعليمي، وقلة الدخل الاقتصادي، والاضطرابات النفسية والصحية التي قد يعاني منها الوالدان.
وتؤكد أبو النعاج أن الإساءة الموجهة إلى الأطفال ذوي الإعاقة تترك آثاراً سلبية في صحتهم النفسية والجسدية، وقد تنعكس على سلوكهم وعلاقاتهم بالآخرين. كما تحذر من أن العنف المتكرر ضد الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية قد يؤدي إلى تدهور حالتهم، خاصة عندما يصدر عن أفراد الأسرة أو العاملين في مراكز التأهيل أو المدرسين، نتيجة عدم فهم احتياجاتهم ومتطلباتهم.
وتشير إلى أن الإساءة الجسدية قد تؤدي إلى إصابات تظهر في صورة كدمات وتجمعات دموية وحروق وجروح وخدوش، موضحة أن بعض الأسر قد تعتقد أن العنف وسيلة لضبط سلوك الطفل وتربيته، الأمر الذي يستدعي تعزيز الوعي بأساليب التربية السليمة وحقوق الأطفال.
وتؤكد المادة أهمية تحسين الرعاية النفسية للأطفال ذوي الإعاقة، وتوعية الأسر بآثار العنف، وتعزيز أساليب التربية القائمة على الاحترام والاحتواء، إلى جانب توفير التشريعات والإجراءات التي تحمي الأطفال من الإساءة.
مرام عابورة: الحاجة إلى الإرشاد الأسري والتوعية
من جهتها، ترى الأخصائية النفسية والتربوية مرام عابورة، في حديثها لصحيفة «الثورة السورية»، أن نقص المعرفة بكيفية التعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة يمثل مشكلة لدى بعض الأسر، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز القوانين التي تكفل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتحميهم من الإساءة.
وتؤكد ضرورة قيام الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المحلي بدور أكبر في مواجهة العنف الأسري والإساءة البدنية الموجهة إلى الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، من خلال إنشاء مراكز توعوية للإرشاد الأسري، تتولى توعية الأسر وإرشادها إلى الأساليب العلمية والإنسانية المناسبة للتعامل مع أطفالها.
وتدعو عابورة إلى تعزيز التوعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتنظيم ندوات يشارك فيها رجال الدين واختصاصيون في علم الاجتماع والتربية الخاصة، للتعريف بخصائص هذه الفئة واحتياجاتها في المراحل العمرية المختلفة، وشرح أساليب التعامل الأسري المناسبة لها.
كما تشدد على أهمية تنظيم دورات تدريبية للأسر حول أساليب التنشئة الاجتماعية الملائمة للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية، وتعزيز النظرة الإنسانية في التعامل معهم، بما يساعد الأسرة على فهم احتياجات الطفل وتحسين أساليب رعايته.
وتؤكد عابورة أن حماية الأطفال ذوي الإعاقة من العنف والقسوة مسؤولية إنسانية واجتماعية ودينية، وأن الرحمة والاحترام وصون كرامة الطفل من القيم التي ينبغي أن تحكم التعامل معه داخل الأسرة والمجتمع.
الحماية مسؤولية الأسرة والمجتمع
تحتاج حماية الأطفال ذوي الإعاقة إلى توعية مستمرة بحقوقهم واحتياجاتهم، ومساندة الأسر وتدريبها على أساليب التعامل المناسبة، إلى جانب توفير الرعاية النفسية والطبية والتعليمية. كما تتطلب آليات واضحة للتبليغ عن الإساءة ومتابعة الحالات، وتطبيق التشريعات التي تحمي الأطفال وتصون كرامتهم.
وتبرز أهمية دعم الأمهات والآباء وتوفير الإرشاد الأسري لهم، لمساعدتهم على التعامل مع الضغوط التي قد ترافق رعاية طفل ذي إعاقة، من دون أن تتحول هذه الضغوط إلى مبرر للعنف أو الإهمال.
وتبقى مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات المعنية مشتركة في توفير بيئة آمنة تضمن لكل طفل حقه في الرعاية والتعليم والقبول والمشاركة. فالطفل ذو الإعاقة يحتاج إلى من يفهم احتياجاته ويحترم كرامته ويحميه من الإهمال والعنف، ويتيح له تنمية قدراته بعيداً عن الخوف والنبذ.
- بثينة الخليل








