شهدت فرنسا يوم السبت 17 أكتوبر موجة من التظاهرات التي دعت إليها نقابات واتحادات دعماً للاحتجاجات التي انطلقت قبل أسابيع من المدارس الثانوية، على خلفية مطالب تتعلق بتحسين ظروف التعليم.
ومع انضمام النقابات، اتسع نطاق التحرك ليتجاوز المطالب الطلابية، وبرزت قضايا اجتماعية واقتصادية تمس شرائح أوسع من المجتمع.
وتعيد هذه الاحتجاجات طرح سؤال يتجاوز الشارع الفرنسي… هل تشهد أوروبا موجة جديدة من الحراك الاجتماعي قد تدفع جيلاً جديداً إلى الانخراط في السياسة وإعادة النظر في علاقته بالحكومات والأحزاب؟
لم تقتصر هذه التحركات على فرنسا، فقد شهدت دول أوروبية أخرى احتجاجات ذات مطالب اجتماعية واقتصادية، فيما ارتبطت التحركات في ألبانيا بدرجة أكبر بالفساد والأوضاع السياسية.
ورغم اختلاف الظروف من بلد إلى آخر، تكشف هذه الاحتجاجات عن استياء متزايد وتساؤلات حول قدرة الحكومات على الاستجابة لمطالب مواطنيها.
وتحظى الاحتجاجات الفرنسية باهتمام لدى كثير من السوريين، الذين يستحضرون عند متابعة مشاهد التظاهر بدايات الثورة السورية عام 2011، ويقارنون بين ما يجري في الشارع الفرنسي وما عاشه السوريون في الشهور الأولى للثورة. وتستند هذه المقارنات إلى ذاكرة تجربة بدأت بمطالب واحتجاجات شعبية، وإلى صور مألوفة من الحشود والهتافات ومحاولات توسيع المشاركة.
كما يدرك السوريون الذين تابعوا الثورة عن قرب كيف يمكن لتحرك يبدأ بمطالب محددة أن يكتسب أبعاداً سياسية أوسع حين تتسع المشاركة، ويصبح تعامل السلطة معه عاملاً مؤثراً في مسار الاحتجاجات.
واستحضار التجربة السورية مفهوم في ظل ما عاشه السوريون، غير أن المقارنة تحتاج إلى الانتباه إلى اختلاف الظروف.
فالاحتجاجات الفرنسية تجري ضمن نظام سياسي يتيح التظاهر والعمل النقابي والتنافس الحزبي، فيما خرج السوريون عام 2011 في مواجهة نظام استبدادي قابل مطالبهم السلمية بالقمع والعنف، قبل أن يذهب بالبلاد إلى مسارات أكثر مأساوية.
ولم تكن الثورة السورية مجرد مشاهد تظاهر يمكن مقارنتها بمشاهد أخرى، فقد ارتبطت بمطالب الحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد، ثم واجهت عنفاً غيّر مسارها وترك آثاراً عميقة في المجتمع السوري.
لذلك… فإن التشابه في مشاهد الاحتجاج لا يعني تطابق الأهداف أو النتائج، وتبقى تجربة السوريين مهمة في قراءة علاقة السلطة بالشارع، من دون إسقاط تفاصيلها على واقع فرنسي مختلف.
وتقف وراء هذه الاحتجاجات أسباب اقتصادية واجتماعية متداخلة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في وقت لا تواكب فيه الأجور ارتفاع الأسعار. وتضيف أزمة السكن عبئاً على الشباب والأسر محدودة الدخل، مع ارتفاع الإيجارات وصعوبة امتلاك منزل في عدد من المدن الأوروبية.
كما تتزايد المخاوف من تراجع جودة الخدمات العامة، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الاجتماعية، وسط نقاشات حول أولويات الإنفاق الحكومي.
ويحمل دخول جيل زد إلى هذه الاحتجاجات دلالة تتجاوز المطالب المرتبطة بالتعليم وظروف المعيشة. فهذا الجيل نشأ في بيئة رقمية تتيح له الاطلاع على تجارب الآخرين والتواصل معهم بسرعة، ويستخدم وسائل مختلفة للتعبير عن غضبه وتنظيم تحركاته.
ومع اتساع المشاركة من المدارس إلى الشارع، تبرز أسئلة حول علاقته بالأحزاب التقليدية والنقابات، ومدى قدرته على تحويل مطالبه اليومية إلى ضغط سياسي يدفع الحكومات إلى مراجعة سياساتها.
غير أن انضمام فئات اجتماعية مختلفة لا يعني اتفاقها على جميع الأهداف أو البدائل المطلوبة، كما أن استمرار الحراك يحتاج إلى تنظيم ومطالب محددة تتجاوز يوم التظاهر.
ولا يمكن فهم اتساع الغضب الأوروبي من الأوضاع المعيشية وحدها، فطريقة تعامل الحكومات مع الأزمات تؤثر في مسار الاحتجاجات.
حين يشعر المواطنون أن مطالبهم لا تجد استجابة كافية، تتراجع ثقتهم بالمؤسسات السياسية، وقد تتحول المطالب المرتبطة بملف محدد إلى اعتراض أوسع على السياسات الحكومية، مع بحث بعض الفئات عن بدائل سياسية تعبّر عن مصالحها.
ويظهر الصراع على تفسير الاحتجاجات بوضوح في الساحة الفرنسية، فقد ركزت أطراف سياسية على مشاهد التخريب والنهب وربطتها بالفوضى، فيما شددت قوى أخرى على المطالب الاجتماعية ومسؤولية الحكومة في إدارة الأزمة، وانتقدت أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
وقد ساهم انتشار مقاطع العنف عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل في جعل هذه الصور جزءاً أساسياً من النقاش العام.
ويمنح ذلك الأحزاب فرصة لتقديم روايتها للأحداث واستثمارها في مواجهة الخصوم، فيما يبقى التحدي هو عدم اختزال الاحتجاجات كلها في أعمال التخريب أو تجاهل الأضرار التي تعرض لها الناس والمحال والمرافق العامة.
ومع ذلك… فإن تشابه المطالب بين الدول الأوروبية لا يعني أن الاحتجاجات تتجه إلى هدف سياسي واحد.
ففي فرنسا تبرز قضايا التعليم والمعيشة، فيما تحتل أزمة السكن مساحة أكبر في البرتغال، وتتداخل المطالب الاجتماعية مع قضايا الفساد والأوضاع السياسية في ألبانيا.
وتختلف طبيعة الأحزاب والنقابات وقدرتها على التأثير في كل بلد، لذلك قد تعكس الاحتجاجات أزمات متقاربة من دون أن تتحول إلى حركة موحدة أو تؤدي إلى نتائج متشابهة.
ويحمل المشهد الفرنسي درساً مهماً للحكومة السورية في تعاملها مع باريس. فقد استقبل إيمانويل ماكرون أحمد الشرع في قصر الإليزيه في أيار 2025، ثم أصبح أول رئيس دولة من الاتحاد الأوروبي يزور سوريا بعد سقوط نظام الأسد في تموز 2026.
وتمثل هذه الخطوات تطوراً مهماً في العلاقات بين البلدين، لكنها لا تكفي وحدها لبناء علاقة طويلة الأمد. فمن مصلحة دمشق توسيع قنوات التواصل لتشمل البرلمان الفرنسي والأحزاب والتيارات السياسية المختلفة، إلى جانب مؤسسات الدولة، وألا تحصر علاقاتها بالسلطة التنفيذية أو تراهن على استمرار التفاهم مع الرئيس الحالي.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، يصبح بناء علاقات أوسع ضرورة لحماية المصالح السورية من تقلبات المشهد السياسي الفرنسي.
وفي النهاية، يتوقف مسار الاحتجاجات على قدرتها على الاستمرار وعلى استجابة الحكومات للمطالب المطروحة. فقد تنجح الإجراءات العملية في احتواء الغضب، وقد تتسع الفجوة إذا استمرت الأزمات من دون حلول مقنعة. وما يستحق المتابعة هو ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستدفع نحو مشاركة سياسية أوسع ومراجعة للسياسات التي أثارت غضب الشارع.













