تواجه آلاف العائلات المقيمة في مخيمات الشمال السوري أوضاعاً معيشية متدهورة في ظل استمرار تراجع الدعم الإنساني، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية وتكاليف المعيشة، ما أدى إلى تقلص البرامج الإغاثية التي اعتمدت عليها الأسر النازحة لسنوات طويلة.
وتفاقمت هذه التحديات بعد توقف آلية إدخال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود عبر معبر باب الهوى، الذي شكّل لسنوات أحد أهم مسارات إيصال المساعدات إلى المنطقة، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والموارد المتاحة للاستجابة لها.
معاناة يومية داخل المخيمات
وقال علاء بويضان، أحد سكان مخيمات دير حسان شمال إدلب، لصحيفة “الثورة السورية”، إن تراجع المساعدات الإنسانية أدى إلى عجز العديد من الأسر عن تأمين احتياجاتها الأساسية، موضحاً أن همّ العائلات اليومي لم يعد يقتصر على توفير الغذاء، بل بات يتمحور حول تأمين مياه الشرب النظيفة للأطفال.
وأضاف أن كثيراً من الأسر تضطر، نتيجة الفقر وعدم القدرة على شراء المياه من الصهاريج، إلى استخدام مصادر مياه غير آمنة، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، بما فيها الأمراض الجلدية والمعوية والكوليرا.
ودعا بويضان المنظمات الإنسانية والجهات المانحة إلى توفير تمويل طارئ يضمن استمرار خدمات المياه، والعمل على إصلاح شبكات المياه المتضررة لتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية داخل المخيمات.
قال صابر الرقعي، أحد سكان مخيمات المحمدية في دير بلوط شمال حلب، لصحيفة “الثورة السورية”، إن العائلات تواجه صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية نتيجة غياب التوازن بين الدخل المحدود ومتطلبات الحياة اليومية.
وأوضح أن الأسواق تشهد توفر معظم المواد الأساسية، إلا أن ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية جعل الحصول على هذه الاحتياجات أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لآلاف الأسر النازحة.
وحذر الرقعي من أن استمرار تراجع الدعم قد يقود إلى أزمة إنسانية أوسع، لافتاً إلى أن غالبية سكان المخيمات من الأسر التي فقدت منازلها ولا تمتلك القدرة على تأمين سكن بديل، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من الأرامل وكبار السن وذوي الإعاقة الذين يفتقرون إلى مصادر دخل ثابتة.
كما أكد علاء العيسى، من مخيم الريان شمال أعزاز، لصحيفة “الثورة السورية”، أن المساعدات الغذائية والطبية كانت تشكل ركيزة أساسية لاستقرار أوضاع الأسر النازحة، إلا أن تراجعها خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية، زاد من الأعباء المعيشية وأجبر كثيراً من العائلات على إعادة ترتيب أولوياتها والاقتصار على الحد الأدنى من الاحتياجات.
فجوة متسعة بين الاحتياجات والإمكانات
وفي تقييمها لواقع المخيمات، قالت أحلام الرشيد، مديرة مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، لصحيفة “الثورة السورية”، إن آلاف العائلات ما تزال تعيش داخل المخيمات بسبب عدم قدرتها على العودة إلى مناطقها الأصلية نتيجة الدمار وغياب الخدمات الأساسية.
وأوضحت أن غالبية الأسر تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وانخفاض فرص العمل، ما جعلها تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي باتت مهددة بالتراجع أو التوقف.
وأضافت أن الجهات المعنية تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات النازحين داخل المخيمات ودعم العائلات العائدة إلى مناطقها، مشيرة إلى أن كلا الطرفين يحتاج إلى السكن والخدمات وفرص العمل، في ظل محدودية الموارد المتاحة.
وأكدت الرشيد أن الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والإمكانات المتوفرة باتت كبيرة جداً وتتسع مع استمرار انخفاض التمويل الإنساني، محذرة من أن العديد من العائلات مهددة بفقدان أبسط مقومات الحياة.
وأشارت إلى أن الأولويات الحالية تتركز على دعم مشاريع سبل العيش والتمكين الاقتصادي، ومتابعة أوضاع الفئات الأشد ضعفاً، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه والرعاية الصحية وخدمات الإصحاح خلال فصل الصيف.
ولفتت إلى أن الأسر التي تعيلها نساء، والأرامل، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، تعد من أكثر الفئات تأثراً بتراجع الدعم الإنساني، فضلاً عن المخيمات البعيدة التي تعاني ضعفاً في مستوى الخدمات.
مخاوف من تراجع الخدمات الأساسية
وفي السياق ذاته، قال أحمد ربيع الحمود، رئيس دائرة شؤون المخيمات في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حلب، لصحيفة “الثورة السورية”، إن المخيمات تواجه أوضاعاً صعبة للغاية نتيجة انخفاض الدعم الإنساني، ولا سيما في قطاع المياه والإصحاح والنظافة.
وأوضح أن من أبرز التحديات التي تواجه الجهات المشرفة على المخيمات عدم توفر الآليات والمعدات اللازمة للاستجابة لحالات الطوارئ، مشيراً إلى أن حجم الفجوة بين احتياجات السكان والمساعدات المتاحة يتجاوز 60 بالمئة.
وأضاف أن المديرية تعمل على التنسيق مع منظمات المجتمع المدني والشركاء الإنسانيين للتخفيف من آثار خفض المساعدات، إلا أن العديد من المخيمات، خصوصاً البعيدة عن مراكز المدن والتي تعتمد على الخيام كمساكن، ما تزال تواجه أوضاعاً أكثر هشاشة.
وأكد الحمود أن خدمات المياه والإصحاح والنظافة تمثل أولوية إنسانية ملحّة، محذراً من أن استمرار تراجع التمويل يهدد بتوقف عدد من الخدمات الأساسية، في وقت تتزايد فيه المخاطر الصحية وانتشار الأمراض داخل المخيمات.
ومع استمرار انخفاض التمويل الإنساني واتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة، تبدو مخيمات الشمال السوري أمام تحديات معيشية متزايدة تهدد حياة آلاف النازحين، وسط مطالبات للجهات المانحة والمنظمات الإنسانية بتعزيز الاستجابة العاجلة وضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الأساسية إلى حين إيجاد حلول مستدامة تتيح للعائلات النازحة العيش بكرامة أو العودة الآمنة إلى مناطقها الأصلية.
- بثينة الخليل






