تشكل العدالة الانتقالية أحد أبرز المفاهيم السياسية والقانونية التي برزت في المجتمعات التي شهدت نزاعات مسلحة أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بوصفها إطاراً يهدف إلى معالجة إرث الماضي، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ سيادة القانون، وتهيئة البيئة اللازمة لتحقيق الاستقرار والسلم الأهلي.
وفي الحالة السورية، تكتسب العدالة الانتقالية أهمية استثنائية بالنظر إلى حجم التحولات التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، وما خلّفته سنوات الثورة من آثار عميقة على المستويات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، الأمر الذي يجعلها أحد أهم الملفات المطروحة في مرحلة إعادة بناء الدولة وتعزيز الاستقرار.
لقد أفرزت سنوات الثورة واقعاً شديد التعقيد تجاوز حدود الخلاف السياسي، ليصبح أزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها الجوانب القانونية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة لتحقيق سلام مستدام، إذ إن تجاوز إرث الانتهاكات دون معالجته بصورة عادلة قد يؤدي إلى استمرار الانقسام المجتمعي وإعادة إنتاج أسباب عدم الاستقرار.
العدالة الانتقالية من الناحية النظرية
تنطلق العدالة الانتقالية من مجموعة من الآليات الأساسية التي تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة المجتمعية، وهي عناصر مترابطة تسعى إلى بناء دولة تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، مع مراعاة خصوصية كل تجربة وطنية، بما في ذلك الحالة السورية.
كشف الحقيقة
يُعد كشف الحقيقة أحد الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية، إذ لا يمكن بناء مستقبل مستقر دون فهم موضوعي لما جرى خلال سنوات الثورة.
وقد شهدت سوريا انتهاكات واسعة شملت القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والتهجير القسري، إلى جانب الانتهاكات المرتبطة بالنزاع المسلح وتدمير البنية المدنية. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء آليات وطنية مستقلة لتوثيق الانتهاكات، وجمع شهادات الضحايا، وكشف مصير المفقودين، بما يسهم في بناء ذاكرة وطنية قائمة على الحقيقة والشفافية.
المساءلة القضائية
تمثل المساءلة القضائية ركناً أساسياً في مكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز الثقة بمؤسسات العدالة، إلا أن تطبيقها في سوريا يواجه تحديات تتعلق بتعدد الجهات المتورطة في الانتهاكات، والحاجة إلى تعزيز استقلال القضاء، وبناء مؤسسات قضائية قادرة على إجراء محاكمات عادلة وفق المعايير القانونية الدولية والوطنية، بما يحقق العدالة ويحفظ الحقوق.
جبر الضرر
ولا تقتصر العدالة الانتقالية على المحاسبة، بل تشمل أيضاً جبر الضرر وإنصاف الضحايا، من خلال التعويضات، واستعادة الحقوق والممتلكات، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان مشاركة الضحايا في مسارات العدالة وإعادة الإعمار.
وتزداد أهمية هذا المسار في سوريا بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من المتضررين، وما خلفته سنوات الثورة من آثار إنسانية واجتماعية واقتصادية.
الإصلاح المؤسسي
يمثل الإصلاح المؤسسي أحد الشروط الرئيسة لنجاح العدالة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق بالمؤسسات القضائية والأمنية والإدارية، إذ إن استعادة ثقة المواطنين بالدولة تتطلب تطوير هذه المؤسسات، وتعزيز استقلاليتها، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وضمان خضوعها للقانون واحترامها لحقوق الإنسان.
المصالحة المجتمعية
وتبقى المصالحة المجتمعية من أكثر المسارات حساسية، نتيجة الانقسامات التي خلفتها سنوات الصراع.
ولا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية عبر إجراءات شكلية، بل من خلال الاعتراف بالمعاناة، وصون الحقوق، ونبذ خطاب الكراهية، وتعزيز الحوار المجتمعي، وترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية بوصفه أساسًا لبناء مجتمع متماسك.
التحديات والآفاق
ورغم أهمية العدالة الانتقالية، فإن تطبيقها في سوريا لا يزال يواجه تحديات عديدة، من أبرزها تعقيدات المشهد السياسي، وضرورة إعادة بناء المؤسسات، وتحقيق توافق وطني واسع حول آليات العدالة والمساءلة، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في مسار التعافي الوطني.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة حماية مسار العدالة الانتقالية من التسييس، بحيث يبقى إطاراً وطنيا جامعاً يهدف إلى تحقيق الإنصاف، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ سيادة القانون، بعيداً عن توظيفه في الصراعات السياسية أو الإقليمية.
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
شهدت المرحلة الراهنة في سوريا طرح مؤسسات وآليات وطنية تُعنى بملف العدالة الانتقالية، في إطار السعي إلى تنظيم هذا المسار وإدارته بصورة مؤسسية.
وتمثل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إحدى أبرز هذه المبادرات، إذ يُنتظر منها الإسهام في توثيق الانتهاكات، وحفظ حقوق الضحايا، ودعم جهود كشف الحقيقة، والتنسيق مع الجهات القضائية والمؤسسات المعنية، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.
غير أن نجاح هذه الهيئة مرتبط بقدرتها على العمل باستقلالية وحياد، وتوفير ضمانات الشفافية، وإشراك الضحايا وممثلي المجتمع المدني، واعتماد معايير قانونية عادلة تطبق على جميع الأطراف دون تمييز أو انتقائية.
كما أن بناء الثقة المجتمعية يتطلب أن تكون أعمالها واضحة وقابلة للمساءلة، وأن تنطلق من مبدأ أن العدالة الانتقالية تهدف إلى إنصاف الضحايا، وترسيخ سيادة القانون، ومنع تكرار الانتهاكات، بما يسهم في تعزيز السلم الأهلي وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
وفي المحصلة، فإن العدالة الانتقالية في سوريا تشكل مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس المواطنة، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان.
ويظل نجاح هذا المشروع مرهونًا بقدرته على تحقيق التوازن بين المساءلة والإنصاف من جهة، وتعزيز الاستقرار والسلم الأهلي من جهة أخرى، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً وعدالة لجميع السوريين.
- أحمد المحمود






