في مسار العدالة الانتقالية قضت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بالسجن المؤبد بحق “أحمد بدر الدين حسون”، بعد إدانته بجرائم بينها التحريض على القتل وإثارة الحرب الأهلية وإساءة استعمال الوظيفة.
أصدرت المحكمة، بالإجماع، حكماً بحق مفتي النظام السوري السابق “أحمد بدر الدين حسون”، قضى بالسجن المؤبد مدى الحياة، بعد إدانته بجملة من الجرائم التي قالت المحكمة إنها ارتُكبت بعد عام 2011 في سوريا، وصنفتها ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع حرمانه من الاستفادة من العفو العام أو الخاص والإفراج المشروط ووقف تنفيذ العقوبة.
ويأتي الحكم بعد محاكمة تناولت، وفق ملخص القرار، دور المؤسسة الدينية الرسمية خلال سنوات النزاع، والأفعال المنسوبة إلى حسون، بما في ذلك خطابات وتصريحات علنية، وتقديم دعم مالي، وعلاقاته مع شخصيات وتشكيلات مرتبطة بالعمليات العسكرية والأمنية للنظام السابق.
أحمد بدر الدين حسون أمام القضاء: من الخطاب إلى المسؤولية الجنائية
استعرضت المحكمة في بداية قرارها السياق العام للأحداث التي بدأت عام 2011، وما رافقها من عمليات عسكرية وأمنية واسعة، قالت إنها استهدفت السكان المدنيين وتضمنت القتل والتعذيب والعنف الجنسي والنهب وتدمير الممتلكات والإخفاء القسري.
ووفق القرار، بحثت المحكمة في دور المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها دار الإفتاء، في تبرير العمليات العسكرية والأمنية أمام الرأي العام، بما في ذلك تبرير استخدام البراميل المتفجرة في المناطق المأهولة.
ورأت المحكمة أن بعض الأفعال القولية والعلنية المنسوبة إلى حسون لم تكن منفصلة عن سياق العمليات العسكرية، بل شكلت، بحسب توصيفها، مساهمة فاعلة من خلال المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي.
تصريحات ووقائع تناولتها المحكمة
تضمن قرار المحكمة الإشارة إلى تسجيل مصور ظهر فيه حسون موجهاً رسائل إلى أبناء محافظة إدلب تضمنت، بحسب القرار، عبارات تهديد بالقتل والتدمير، وربطت المحكمة هذه التصريحات بموجة تصعيد وقعت بين 23 أيلول و24 تشرين الأول 2019.
كما أشار القرار إلى تسجيل ظهر فيه حسون إلى جانب عصام زهر الدين، وإلى ما وصفته المحكمة بدعائه له بالتوفيق والحماية والنصح.
وتناول الحكم كذلك شهادات بشأن تلقي حسون مبالغ مالية ومساعدات عينية مقابل التدخل لإطلاق سراح محتجزين مدنيين لدى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق.
ووفق القرار، قدم حسون بصورة دورية دعماً مالياً لقيادة لواء القدس، وهو تشكيل مسلح شارك في العمليات العسكرية في سوريا. واعتبرت المحكمة أن هذا الدعم لم يكن عملاً خيرياً مجرداً، بل مورداً مادياً ساهم في تعزيز قدرات التشكيل على مواصلة نشاطه العسكري.
كما تناولت المحكمة تسجيلات ومواقف مرتبطة بموقف حسون من التدخل الإيراني والروسي في سوريا.
المحكمة: الأفعال تدخل في إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
خلصت المحكمة إلى أن الوقائع التي ثبتت لديها تندرج ضمن إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، معتبرة أن جانباً أساسياً منها تمثل في أفعال قولية وعلنية قالت إنها ساهمت في تعزيز عزيمة منفذي الجرائم أو إضفاء المشروعية على أفعالهم وتشجيعهم على الاستمرار فيها.
وبناءً على ذلك، رفضت المحكمة تطبيق الأسباب المخففة التقديرية، مشيرة إلى جسامة الأفعال التي ثبتت بحق المتهم.
كما أكدت أن الجرائم المصنفة ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تخضع للتقادم أو العفو العام، وفق الأساس القانوني الذي استند إليه القرار.
ما العقوبات التي صدرت بحق حسون؟
تضمن الحكم عدة إدانات، أبرزها:
- السجن المؤبد مدى الحياة عن جناية الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والقتال الطائفي.
- السجن لمدة 20 عاماً عن جناية التحريض على القتل قصداً.
- السجن لمدة 10 سنوات عن جناية التدخل الأصلي بالقتل قصداً.
- السجن لمدة 3 سنوات وغرامة قدرها 195 ألف دولار عن إساءة استعمال الوظيفة، وفق الوصف الجرمي الذي اعتمدته المحكمة.
- الحبس ستة أشهر وغرامة مالية عن جرم إثارة النعرات المذهبية والعنصرية، مع الحرمان من الحقوق المدنية.
وقررت المحكمة تنفيذ العقوبة الأشد، وهي السجن المؤبد مدى الحياة، مع جمع الغرامات المحكوم بها.
مصادرة الأموال والتعويض للمتضررين
لم يقتصر الحكم على العقوبات السالبة للحرية، إذ قررت المحكمة إلزام المحكوم عليه بالتعويض للمتضررين الذين قُبلت دعاواهم الشخصية، مع الاحتفاظ بحقوق المتضررين الآخرين وذوي الضحايا والمفقودين في اللجوء إلى المرجع القضائي المختص.
كما قررت تثبيت الحجز الاحتياطي على أموال حسون المقبوضة وغير المقبوضة وتحويله إلى حجز تنفيذي، ومصادرة الأموال لصالح الخزانة العامة بعد تنفيذ الالتزامات المدنية.
واحتفظ القرار بحق الجهات الرسمية في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمال العام والمرافق العامة.
الحكم لا يغلق ملف المسؤولية
في بند لافت، أبقت المحكمة الباب مفتوحاً أمام النيابة العامة لملاحقة سائر المسؤولين والمساهمين في الأفعال موضوع الدعوى، ما يعني أن القرار لا يتعامل مع المسؤولية باعتبارها محصورة بشخص حسون وحده.
ويضع الحكم الصادر بحق مفتي النظام السابق مسؤولية الخطاب الديني والسياسي خلال سنوات النزاع أمام القضاء، بعدما اعتبرت المحكمة أن بعض المواقف والتصريحات والدعم المادي يمكن أن تشكل، وفق الوقائع التي ثبتت لديها، مساهمة في جرائم ارتكبت خلال النزاع المسلح.
وبذلك لا يقتصر أثر الحكم على العقوبة الصادرة بحق أحمد بدر الدين حسون، بل يمتد إلى مسار أوسع يتعلق بمساءلة الشخصيات والمؤسسات التي رأت المحكمة أن أفعالها أو أدوارها ساهمت في دعم الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات الحرب السورية.
- طارق أبو البراء






