لم يسقط نظام، ولم تُرفع راية بدل أخرى، إلا وكان أبناء الجولان النازحون أول من يُطالَب بالفرح، وآخر من يُسأل إن كان لديه ما يفرح به. فمنذ سبعة وخمسين عاماً وهذه الشريحة من السوريين تعيش حالة انتظار مزدوجة: انتظار الأرض التي لم تعد، وانتظار الدولة التي لم تصل. وفي كل مرحلة سياسية جديدة، يُعاد إنتاج الخطاب ذاته عن “القضية المقدسة” و”الحق الثابت”، بينما تبقى تفاصيل الحياة اليومية لأولئك الذين يحملون هذا الحق على أكتافهم، خارج أي حساب.
لم يكن يُفترض أن تكون هذه القصة قابلة للتكرار مرتين في حياة جيل واحد. لكنها تكررت. فبعد أن جرّب أبناء الجولان النزوح الأول عام 1967، عاشوا مع سائر السوريين المأساة العامة التي اجتاحت البلاد بعد 2011، فتشرّد كثيرون منهم نزوحاً ثانياً، أو هاجروا هجرة ثالثة خارج الحدود. وها هم اليوم، بعد التحول السياسي الكبير الذي عاشته سوريا، يقفون من جديد أمام السؤال نفسه الذي لم يُجب عليه أحد منذ نصف قرن: من يرى فيهم قضية وطنية حية، ومن يراهم عبئاً إدارياً مؤجلاً؟
الزائر لتجمعات النازحين في ريف دمشق، أو لمحافظة القنيطرة التي لا تزال تحت وطأة الإهمال، لن يحتاج إلى إحصائيات ليدرك حجم الفجوة بين الخطاب والواقع. شبكات مياه شرب غائبة في تجمعات بأكملها، فيضطر الأهالي لاستجرار المياه بجهد ذاتي. مدارس مهدمة أو غير موجودة أصلاً، فيرسل الأهل أبناءهم إلى قرى مجاورة، إن استطاعوا. كهرباء لا تصل إلا عبر مبادرات شعبية يموّلها السكان أنفسهم، يمدّون بها الأسلاك على أكتافهم كيلومتراً كاملاً من بلدة إلى أخرى، وكأن الدولة تتفرج من بعيد على مواطنيها وهم يخترعون خدماتهم بأيديهم.
والمفارقة أن هذا الإهمال لا يتوقف عند حدود الخدمات، يمتد إلى الاعتراف نفسه. فبينما فُتحت في المرحلة الجديدة ملفات إعادة الحقوق والأملاك لمكونات سورية تعرّضت للتهجير والغبن، لم يظهر حتى الآن أي مسار واضح يخص أراضي وممتلكات نازحي الجولان تحديداً، وكأن هذه الفئة، التي تحمل أقدم قضية تهجير في تاريخ سوريا الحديث، ما زالت تنتظر دورها في آخر الطابور.
ليس المطلوب هنا خطاب اتهام من أحد، فالمسؤولية عن هذا التقصير ممتدة عبر عقود وأنظمة متعاقبة، لا تخص طرفاً بعينه. لكن المطلوب أن تتوقف اللحظة السياسية الراهنة، بما تحمله من فرصة نادرة لإعادة بناء العقد بين الدولة ومواطنيها، عند هذا الملف تحديداً. فالجولان الذي يُرفع اسمه في كل خطاب عن السيادة والكرامة الوطنية، يستحق أن يكون حاضراً أيضاً في كل خطة عن الخدمات والإعمار وإعادة توزيع العدالة. فالقضايا الوطنية الكبرى تُختبر أيضاً في أنبوب مياه يصل إلى بيت، ومدرسة تُبنى من جديد، وعداد كهرباء لا يحتاج إلى تبرع من الجيران.
خمسة وخمسون عاماً ونيّف من الانتظار كافية لتأسيس قاعدة بسيطة: من يريد استعادة الجولان أرضاً، عليه أولاً أن يستعيد أهله مواطنين كاملي الحقوق. أما أن تبقى القضية شعاراً يُستحضر عند الحاجة السياسية، ويُنسى عند توزيع الميزانيات، فذلك تكرار لخطيئة قديمة، لا تستحقها هذه المرحلة التي يُفترض أنها تكتب فصلاً جديداً في تاريخ البلاد.






