لم تعد التقارير الأمنية الكاذبة التي ملأت أرشيف أجهزة النظام البائد مجرد “وشاية”، بل أصبحت اليوم جريمة مكتملة الأركان تصل عقوبتها إلى الإعدام شنقاً حتى الموت، بعد أن فتحت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية بدمشق الباب واسعاً لمحاسبة ما كان يعرف بـ”العواينية”.
الحكم التاريخي الصادر بحق أحد كُتّاب التقارير الذي تسبب تقريره الكيدي بوفاة مواطن تحت التعذيب، أسس لمعادلة قانونية جديدة: التوصيف من القانون الدولي، والعقوبة من القانون السوري.
في القانون السوري.. لا يوجد نص اسمه «تقرير أمني»
المشرع السوري لم يضع مادة خاصة باسم «كتابة تقرير أمني»، لكن القضاء يكيّف الفعل على أنه أخطر أنواع الجرائم المخلة بسير العدالة.
أولاً: الافتراء الجنائي المفضي للموت – المادة 393 عقوبات
وهي حجر الأساس في الملاحقة. وتنص:
«من قدم شكاية أو إخباراً إلى سلطة قضائية أو إلى سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائية فعزا إلى أحد الناس جنحة أو مخالفة يعرف براءته منها أو اختلق عليه أدلة مادية عوقب بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات. وإذا كان الفعل المعزو يؤلف جناية عوقب بالسجن المؤقت عشر سنوات على الأكثر. وإذا أفضى الافتراء إلى حكم بالإعدام أو بعقوبة مؤبدة فلا تنقص عقوبة السجن عن عشر سنوات ويمكن إبلاغها إلى خمس عشرة سنة.»
وتعتبر محكمة النقض أن التقرير الأمني هو إخبار لسلطة يجب عليها إبلاغ القضاء، وبالتالي إذا أدى إلى موت الضحية يتحول المُخبر من مفترٍ إلى شريك في القتل.
ثانياً: الشهادة الكاذبة – المادتان 398 و408
إذا ثبت أن التقرير الكاذب كان سبباً مباشراً في صدور حكم إعدام أو تنفيذ تصفية جسدية، فإن عقوبة كاتب التقرير ترتفع إلى الإعدام، لأنه يعد محرضاً وشريكاً معنوياً في إزهاق الروح.
ويشترط القضاء لإدانة المخبر ثلاثة أركان لا بد منها: وجود تقرير خطي، وعلم يقيني ببراءة الضحية، وقصد جرمي خاص للإضرار وتصفية الحسابات.
في القانون الدولي.. ليست وشاية بل جريمة ضد الإنسانية
هنا يكمن التحول الأخطر. العدالة الانتقالية لا تنظر للمخبر ككاذب فردي، بل كجزء من منظومة قمع ممنهجة.
وبحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية – المادة 7، فإن التقارير الكيدية التي تسببت في اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب مفضٍ للموت، ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية لأنها ارتكبت في إطار هجوم واسع ومنهجي ضد السكان المدنيين.
وبموجب مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، فإن من يكتب التقرير يتساوى في المسؤولية مع من نفذ التعذيب ومن أصدر أمر الاعتقال، لأنه كان يعلم يقيناً ما ستؤول إليه وشايته.
جدل الإعدام.. بين مطالب الضحايا ومعايير العالم
تطبيق الإعدام على كُتّاب التقارير فتح جدلاً حقوقياً واسعاً.
التوجه الدولي العام يتجه نحو إلغاء الإعدام، وتدعو منظمات كالعفو الدولية إلى الاكتفاء بالسجن المؤبد دون عفو، تجنباً للأخطاء القضائية.
أما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، في مادته السادسة، والذي صادقت عليه سوريا، فهو لا يمنع الإعدام، لكنه يقيده بشرطين صارمين: أن يكون في أشد الجرائم خطورة، وأن يصدر عن محكمة مستقلة وفرت محاكمة عادلة كاملة.
في المقابل، يرى قضاة العدالة الانتقالية في دمشق أن الإعدام هو القصاص العادل الوحيد لآلاف الأسر التي دمرت بسبب كلمة كاذبة كتبها جار أو زميل، وأنه السبيل لكسر ثقافة الإفلات من العقاب التي حمى بها النظام البائد مخبريه لعقود.
ما يجري اليوم هو نهاية حقبة. فالعدالة لم تعد تلاحق الجلاد الذي نفذ التعذيب فقط، بل تلاحق اليد الخفية التي كتبت التقرير الذي أوصله إلى المعتقل.
الكلمة التي كانت بالأمس تمنح صاحبها امتيازات أمنية، أصبحت اليوم دليل إدانة يقوده إلى المشنقة.






