صورة تعبيرية أسواق (خاص مؤسسة جولان)

لم يخطر لنا يوماً أن العودة إلى الوطن ستتحول إلى امتحان يومي في الصبر. ولا أن أبسط حقوق الحياة ستصبح قرارات تُحسب بالقلم والورقة، وتنتهي أحياناً بتنازلات مؤلمة. في الأيام الأولى يظن العائد أن الصدمة كلها في أسعار العقارات.
يشتري بيتاً فيحتاج إلى ثروة، ويستأجر فيُطلب منه إيجار سنة كاملة قبل أن يدخله. ثم يقنع نفسه بأن الباقي أهون، وأن شيئاً من التوفير وحسن التدبير يكفي. لكنه يكتشف بعد قليل أن الغلاء ليس في البيوت وحدها. هو على رفوف المحلات، وفي كيس الخضار، وفي علبة الزيت وعلبة الحليب، وفي فاتورة الكهرباء وثمن الدواء. يفهم عندها أن العيش اليومي نفسه صار مشروعاً مكلفاً، وأن أبسط الحاجات تكفي لتربك ميزانية أسرة بأكملها.
يقف في السوبرماركت ولا يعود يهمه أي صنف أفضل. يسأل نفسه أيها أرخص، وكم يكفيهم منه، وماذا يستغنون عنه حتى يبقى في الجيب ما يغطي بقية القائمة. أسئلة كهذه مألوفة في أي بيت. غير أنها حين تصير الميزان الذي يحكم كل عملية شراء، تدل على خلل أكبر من الأرقام، خلل يمس معنى الحياة نفسها.
لب المشكلة أن الرواتب تركض وراء الأسعار ولا تلحق بها، وأن الواحد منا يُترك وحده أمام معادلة يعرف نتيجتها قبل أن يبدأ: مهما اقتصد، سيجد في آخر الشهر أشياء ضرورية لم يستطع شراءها. هكذا يصير التقشف أسلوب حياة، ويصير “تدبير الحال” نظاماً اقتصادياً لم يعلنه أحد. الأمهات يتولين حساباته بدقة، والآباء يحملون همه بقلق صامت، والأسر تعيشه تأجيلاً بعد تأجيل، وحرماناً، ثم ديناً جديداً.
تؤجل الأسرة شراء الثياب، وتقلل الزيارات، وتستبدل بما اعتادت عليه أصنافاً أقل جودة، وتعيد ترتيب أولوياتها مع كل مصروف طارئ. وقد يقف الأب أمام طفله ليشرح له لماذا لا يستطيع شراء شيء كان قبل وقت قريب من أبسط متع الطفولة. ومع مرور الوقت تزداد المفارقة قسوة. يتوقف الناس عن التفكير في تحسين معيشتهم، ويكتفون بالسؤال كيف يحافظون على ما وصلوا إليه، مهما كان متواضعاً.
وأكثر ما يوجع أن الناس تعودوا على هذا المشهد. صار الحرمان مألوفاً، وتقلصت الأحلام إلى إيجار وطعام ودواء، وصار الشهر الناجح هو الذي يمر دون دين جديد ودون حاجة مؤجلة. المواطن الذي يعيد سلعة إلى الرف لا يحتاج من يشرح له أسباب التضخم، ولا من يذكره بأن الأسعار تتأثر بالظروف الاقتصادية. هو يعرف ذلك كله. يحتاج إلى دخل يكفيه ليشتري ما يلزمه، وإلى حياة لا تجبره على المفاضلة بين حاجات أساسية لا غنى له عن أي منها.
لا أحد يطالب بأن يعيش الناس في رخاء لا تحتمله إمكانات البلد. المطلوب أن ينفق العامل على أسرته من أجر عمله، وأن يجد الموظف في راتبه ما يحفظ كرامته، وأن يكون السكن والغذاء والدواء في المتناول دون حسابات استثنائية.
وأخطر ما تتركه الأزمة الاقتصادية أن ينخفض سقف ما يحلم به الإنسان، فيكف عن طلب حياة أفضل، ويرضى بحياة يمكن احتمالها فقط. وحين نصل إلى هذه النقطة، لا يكفي أن نسأل الناس كيف يدبرون أمورهم. علينا أن نسأل: لماذا صار التدبير بهذه الصعوبة أصلاً؟ فليس من الطبيعي أن يحتاج المرء إلى مهارة خارقة ليؤمّن حاجاته الأساسية، ولا أن يصبح شراء الضروريات إنجازاً يستحق الاحتفال.
في النهاية، المشكلة أن الضروريات نفسها بدأت تفلت من يد المواطن، والكماليات صارت خارج الحديث أصلاً. وحين تصير لقمة الطعام عبئاً، والبيت حلماً بعيداً، والدواء حساباً مؤجلاً، يتحول الكلام عن غلاء المعيشة إلى كلام عن كرامة الإنسان، وعن حقه في حياة لا يضطر فيها إلى التفاوض كل يوم مع أبسط احتياجاته.
المواطن يريد أن يعمل، ويقبض راتبه، ويشتري حاجاته، ويرجع إلى بيته مطمئناً، دون أن يشعر أن الحياة كلها فاتورة لا يقدر على دفعها.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top