مياه درعا تواصل حملات الرقابة على الآبار المخالفة (خاص مؤسسة جولان)

تعيش محافظة درعا أزمة مائية متصاعدة، فرضتها عوامل عدة، في مقدمتها تراجع الهطولات المطرية، وانخفاض مناسيب المياه الجوفية، واتساع الاعتماد على الآبار في تأمين مياه الري والشرب.

ومع اتساع رقعة الجفاف وتراجع قدرة شبكات الري الحكومية على تلبية احتياجات المزارعين، أصبح البئر الارتوازي بالنسبة إلى كثير من أبناء المحافظة الوسيلة الوحيدة للحفاظ على أراضيهم الزراعية ومصدر رزقهم.

وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود عشرات آلاف الآبار في محافظة درعا، بعضها مرخّص وبعضها الآخر حُفر بصورة مخالفة أو جرى تشغيله من دون استكمال الإجراءات القانونية. وقد أدى هذا التوسع، إلى جانب الضخ الجائر، إلى استنزاف متزايد للمخزون الجوفي، وانخفاض مناسيب المياه، الأمر الذي انعكس على الزراعة ومياه الشرب معاً. وقد ناقشت الجهات المعنية في المحافظة إجراءات تنظيم الآبار، بما في ذلك إغلاق الآبار المخالفة، وترشيد الاستهلاك، وربط تشغيل الآبار المرخصة بالعدادات والخطة الزراعية.

ولا يمكن إنكار حاجة المحافظة إلى سياسة مائية واضحة وحازمة، لأن استمرار حفر الآبار بصورة عشوائية يهدد ما تبقى من مخزونها الجوفي، ويضع مستقبل الزراعة ومياه الشرب أمام مخاطر جدية.

غير أن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تقوم على الإجراءات الأمنية والعقابية وحدها، ولا أن تتحول حماية الموارد المائية إلى ذريعة لاتخاذ قرارات مفاجئة تمسّ أرزاق المزارعين وممتلكاتهم من دون ضمانات قانونية وإدارية واضحة.

وفي هذا السياق، أثارت قضية مصادرة معدات وتجهيزات أحد المزارعين، بعد إقدامه على حفر بئر ارتوازي لري أرضه الزراعية، جدلاً واسعاً بين الأهالي. فالمزارع، وفق ما يتداوله أبناء المنطقة، لم يحفر البئر بغرض الاتجار بالمياه أو استثمارها خارج أرضه، بل لجأ إليه لتأمين مصدر ري يساعده على زراعة أرضه والحفاظ على محصوله. كما أن تركيب منظومة طاقة شمسية لتشغيل المضخة يعكس محاولة لتقليل كلفة الإنتاج في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات والكهرباء، وليس بالضرورة دليلاً على وجود نية للإضرار بالمصلحة العامة.

إن مصادرة المضخة أو ألواح الطاقة الشمسية أو المعدات المرتبطة بالبئر تعني عملياً تعطيل قدرة المزارع على استثمار أرضه، وربما تهديد مصدر دخله الأساسي.

ومن هنا، فإن أي قرار بالمصادرة ينبغي أن يستند إلى مخالفة مثبتة، وضبط أصولي، وقرار صادر عن الجهة المختصة، مع منح صاحب العلاقة حق الاعتراض والدفاع أمام القضاء. فالمحافظة على المياه هدف مشروع، لكن الوصول إليه يجب أن يتم في إطار القانون، وبما يضمن التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الملكية والعمل والإنتاج.

وتؤكد الإجراءات المعلنة في درعا أن السلطات اتجهت إلى تشديد الرقابة على الآبار المخالفة، وتنظيم عمليات الحفر، ومصادرة المعدات المستخدمة في المخالفات، وإحالة أصحابها إلى القضاء المختص.

كما أعلنت المحافظة في حالة حديثة ردم بئر قيل إنه حُفر بالقرب من خط الإرواء المغذي لمدينة درعا، مع مصادرة تجهيزاته وإحالة صاحبه إلى القضاء، بحجة حماية مياه الشرب ومنع التعدي على مصادرها.

وهذه الإجراءات قد تكون مبررة عندما يثبت وجود خطر مباشر على مياه الشرب أو على الشبكات العامة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى شفافية في الإعلان عن أسباب كل حالة، وحدود المخالفة، والجهة التي اتخذت القرار.

المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ تنظيم الآبار، بل في طريقة تطبيقه. فمن غير المنطقي التعامل مع جميع الآبار بالمعيار نفسه، من دون التمييز بين بئر يقع قرب مصدر مياه للشرب، وبئر زراعي صغير يخدم مساحة محدودة، وبئر تجاري يستنزف المياه على نطاق واسع.

كما لا يصح وضع المزارع الذي يعتمد على بئر واحد لري أرضه في الخانة نفسها مع أصحاب المشاريع التي تقوم على الضخ المكثف وبيع المياه أو استثمارها بصورة مخالفة.

لذلك، تحتاج محافظة درعا إلى خطة متكاملة تقوم على جملة من الإجراءات، أبرزها:

– إجراء مسح مائي شامل يحدد عدد الآبار وأعماقها ومواقعها وكميات الضخ منها.
– تصنيف الآبار وفق درجة تأثيرها في المياه الجوفية ومصادر مياه الشرب.
– منح أصحاب الآبار غير المرخصة فرصة حقيقية لتسوية أوضاعهم، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى المصادرة والردم.
– اعتماد عدادات ومقننات مائية عادلة تراعي مساحة الأرض ونوع المحصول وعمق البئر.
– منع زراعة المحاصيل الشرهة للمياه في المناطق التي تعاني انخفاضاً حاداً في المخزون الجوفي.
– توفير بدائل للمزارعين، مثل مشاريع الري الحديث، وحصاد مياه الأمطار، والطاقة الشمسية المنظمة، وإعادة تأهيل شبكات الري العامة.
تشكيل لجان رقابة تضم ممثلين عن الموارد المائية والزراعة والسلطات المحلية والمزارعين، بما يضمن الشفافية ويحد من القرارات الفردية.
– عدم مصادرة أي معدات أو ممتلكات إلا بموجب محضر رسمي وقرار معلل، مع حفظ حق المتضرر في التظلم واللجوء إلى القضاء.

إن حماية الأمن المائي في درعا ليست قضية إدارية عابرة، بل مسألة تتصل بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي ومستقبل آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة. ولهذا فإن الحل لا يكون بردم الآبار ومصادرة المعدات فقط، بل بإدارة عادلة ومستدامة للمياه، تضع حداً للحفر العشوائي والاستنزاف التجاري، وفي الوقت نفسه لا تعاقب المزارع الذي اضطر إلى البحث عن وسيلة لإنقاذ أرضه في ظل غياب البدائل.

المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة التخطيط. فالمزارع يحتاج إلى معرفة القواعد التي تنظم عمله، والجهات المختصة تحتاج إلى بيانات دقيقة، والمحافظة مطالبة بتطبيق القانون على الجميع من دون انتقائية أو استنسابية.

أما مصادرة أملاك المزارعين من دون توضيح كافٍ، أو من دون منحهم فرصة لتسوية أوضاعهم، فلن تؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان وتعميق الفجوة بين الأهالي والإدارة المحلية.

إن درعا تحتاج إلى حماية مياهها، لكنها تحتاج أيضاً إلى حماية مزارعيها. والعدالة المائية لا تعني إغلاق الآبار المخالفة فحسب، بل تعني كذلك تنظيمها وفق معايير واضحة، ومحاسبة المستنزفين الكبار، وتوفير بدائل واقعية، وضمان ألا يتحول تطبيق القانون إلى عبء إضافي على من يعملون في الأرض ويعتمدون عليها في معيشتهم.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top