يحيي الشراكسة حول العالم في 28 أيلول من كل عام “يوم الزي الوطني الشركسي”، مناسبة مخصصة للحفاظ على الزي التقليدي الشركسي وإبراز مكانته بوصفه جزءاً من الهوية الثقافية للأديغة وذاكرتهم التاريخية. ويُعرف هذا اليوم أيضاً باسم “يوم اللباس الشركسي”.
لباس صُمم للحياة في الجبال
لا يرتبط الزي الشركسي بالمظهر التقليدي فقط، بل يعكس طبيعة الحياة التي عاشها الشراكسة في بيئة جبلية، إذ تطور الزي عبر قرون ليتلاءم مع المناخ وطبيعة الحركة وركوب الخيل.
وتشير مصادر ثقافية رسمية إلى أن الزي الرجالي التقليدي تطور على مدى قرون، وصُمم بما يتيح للفارس حرية الحركة ويحافظ على خفة حركته أثناء ركوب الخيل، إلى جانب ملاءمته لطبيعة الحياة في المناطق الجبلية.
ويتكون الزي الرجالي التقليدي من “الشركسكا” أو المعطف الشركسي، إلى جانب “البشمت” والسروال والقبعة وغيرها من القطع التقليدية، فيما تشكل “الغزريات” المثبتة على جانبي الصدر إحدى أبرز سماته المعروفة. وكانت هذه الجيوب تستخدم تاريخياً لحمل ذخيرة السلاح.
من لباس الفرسان إلى رمز ثقافي
ارتبط الزي الشركسي تاريخياً بالفروسية والقتال، إذ كان تصميمه يسمح بالحركة على ظهر الخيل وفي التضاريس الجبلية، فيما حملت بعض عناصره وظائف عملية مرتبطة بالحياة العسكرية.
وتوضح المصادر المتخصصة أن “الشركسكا” انتقلت لاحقاً من كونها لباساً مرتبطاً بشعوب القوقاز إلى لباس واسع الانتشار بين مجموعات أخرى في المنطقة، كما تبنتها قوات القوزاق في منطقتي كوبان وتيريك، وأصبحت جزءاً من زيهم العسكري، قبل أن تتحول إلى أحد الرموز البصرية المعروفة في القوقاز.
وأطلقت المصادر الروسية على هذا النوع من اللباس اسم “شركيسكا” (Cherkeska)، نسبة إلى الشراكسة، فيما عُرف بأسماء مختلفة لدى شعوب القوقاز. وتشير المصادر التاريخية إلى أن القوزاق في كوبان وتيريك ارتدوا المعطف الشركسي الطويل ذي الجيوب المخصصة للذخيرة.
زي يحمل دلالات اجتماعية وثقافية
لم يكن الزي الشركسي موحد الدلالة من الناحية الاجتماعية، إذ ارتبطت بعض ألوانه وتفاصيله في فترات تاريخية بالمكانة الاجتماعية، كما أمكن من خلال بعض عناصر لباس الرجل والمرأة التعرف إلى المنطقة أو الانتماء العشائري والحالة الاجتماعية.
كما حمل الزي الرجالي دلالات مرتبطة بالفروسية والمكانة، بينما تميز الزي النسائي بتفاصيله الخاصة التي جعلته جزءاً من منظومة المظهر الاجتماعي والثقافي لدى الشراكسة.
شراكسة الجولان.. الزي في ذاكرة المهجر
يحضر الزي الشركسي أيضاً في ذاكرة شراكسة الجولان السوري، الذين استقروا في قرى ومدن الجولان قبل أن تؤدي أحداث عام 1967 إلى تهجير معظم سكان المنطقة.
وكانت القرى الشركسية في الجولان جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية لشراكسة المنطقة، ومع انتقال المهجرين إلى مناطق مختلفة داخل سوريا وخارجها، بقي الزي التقليدي أحد العناصر التي تساعد على حفظ الذاكرة والهوية الشركسية ونقلها بين الأجيال.
وفي مناسباتهم الاجتماعية والثقافية، يستعيد أبناء الجولان الشراكسة الزي التقليدي بوصفه جزءاً من موروثهم، إلى جانب اللغة والعادات والفنون والرقصات الشركسية، بما يحافظ على صلة الأجيال الجديدة بتاريخ مجتمعهم الذي عاش في الجولان لعقود.
مناسبة حديثة للحفاظ على الزي الوطني
ويعود الاحتفال الحديث بـ”يوم الزي الوطني الشركسي” إلى عام 2011، قبل أن يكتسب المناسبة طابعاً رسمياً في جمهورية أديغيا عام 2014، وفق مصادر ثقافية مرتبطة بالمناسبة. ويُحتفل بها في 28 أيلول من كل عام من خلال ارتداء الزي التقليدي والتعريف بعناصره ودلالاته الثقافية.
وبذلك تحوّل الزي الشركسي من لباس ارتبط بالحياة اليومية والفروسية في القوقاز إلى رمز ثقافي تتوارثه الأجيال، ويحضر اليوم في المناسبات العامة والفنون والاحتفالات بوصفه أحد أبرز عناصر الهوية الشركسية.
- محمد جابر













