دعوى قضائية ضد الطبيب تيسير الزعبي على خلفية تسمية مشفى باسم شهيد تفتح نقاشاً حول المسؤولية القانونية والعدالة الانتقالية في سوريا.
أثارت دعوى قضائية معلنة ضد الطبيب “تيسير الزعبي”، المعروف بلقب “طبيب الثورة”، جدلاً واسعاً على خلفية إطلاق اسم الطبيب الشهيد “علي” على أحد المشافي الميدانية خلال سنوات الثورة السورية، مع مطالبة قضائية بإجراءات بحق الزعبي وتعويضات مالية عن أضرار يقول ذوو الشهيد إنها لحقت بهم بعد تسمية المشفى. وتعيد القضية إلى الواجهة سؤالاً أكثر اتساعاً حول حدود المسؤولية الفردية عن نتائج الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وكيف يمكن معالجة مثل هذه الملفات ضمن مسار العدالة الانتقالية من دون تحويل القضاء إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وبحسب ما نشره الزعبي عبر حسابه الرسمي، فقد تسلم وثيقة تتعلق بالدعوى المقدمة من نقابة الأطباء، وتتضمن طلباً بإلقاء القبض عليه وإنزال العقوبات القانونية بحقه، إلى جانب المطالبة بتعويضات مادية عن أضرار يُقال إنها لحقت بأفراد من أسرة الشهيد نتيجة ملاحقتهم أمنياً.
وأرفق الزعبي صورة عن الوثيقة القضائية، وعلّق على القضية بالقول: “الظاهر بدأت محاكمة الثوار…”.
تسمية مشفى باسم شهيد تتحول إلى نزاع قضائي
تتمحور القضية، وفق المعطيات المتاحة، حول قرار تسمية أحد المشافي الميدانية باسم الطبيب الشهيد “علي غصاب المحاميد”، الذي قُتل خلال السنوات الأولى للثورة السورية.
ويربط ذوو الشهيد بين إطلاق الاسم على المشفى وبين ما تعرض له أفراد من العائلة من ملاحقة واعتقال وتهجير من جانب أجهزة النظام السابق، بينما ينفي الطرح الذي قدمه “الزعبي”، بحسب روايته المنشورة، أن تكون تسمية المشفى قد تمت بقصد إلحاق الضرر بالعائلة، وإنما جاءت في سياق تخليد ذكرى طبيب قُتل أثناء أداء دوره الإنساني والمهني.
وتضع هذه الجزئية جوهر القضية أمام سؤال قانوني يتجاوز الخلاف حول تسمية المشفى: هل يمكن تحميل شخص مسؤولية أضرار ارتكبها طرف آخر، لمجرد أن فعلاً قام به كان مرتبطاً بالواقعة أو سبق تلك الأضرار زمنياً؟
وهنا تصبح مسألة الفعل الجرمي، والضرر المباشر، والرابطة السببية، عناصر أساسية في تحديد المسؤولية، بدلاً من الاكتفاء بالصلة الزمنية أو السياسية بين الأحداث.
تسمية “سرية طبية” كانت مرتبطة بطبيعة العمل الطبي الميداني للفريق
قال الدكتور “تيسير الزعبي”، المدعى عليه في القضية، في تصريح خاص لـ”مؤسسة جولان”، إن الجهة الطبية التي كان يعمل ضمنها لم تكن مشفى ميدانياً تابعاً لأي فصيل عسكري، موضحاً أنها كانت “سرية طبية” مستقلة، ولم تكن تابعة للجيش الحر أو لأي تشكيل عسكري آخر.
وأوضح “الزعبي” أن المركز الرئيسي للسرية كان في المدينة القديمة بمدينة بصرى الشام، وأن الفريق كان يتنقل بين القرى لتقديم العلاج للمصابين، سواء نتيجة الحواجز أو إطلاق النار أو غيرها من الإصابات التي كانت تقع في تلك المرحلة.
وأضاف أن تسمية “سرية طبية” كانت مرتبطة بطبيعة العمل الطبي للفريق، وليس بانتماء عسكري، مؤكداً: “إحنا مع الشباب الثوار كطبية، ومع المدنيين طبعاً”، ومشيراً إلى أن الفريق كان يعمل لخدمة المدنيين في المنطقة.
وبيّن “الزعبي” أن السرية الطبية استمرت في عملها بصورة مستقلة، وأنها رفضت في مرحلة لاحقة عرضاً للحصول على دعم مالي غير محدود مقابل الانضمام إلى جهة عسكرية، قائلاً إن موقف الفريق كان واضحاً في عدم التبعية لأي فصيل، وأن عمله كان موجهاً لخدمة أبناء حوران بشكل عام.
وشدد “الزعبي” على أن الفريق كان يعمل بصفة مدنية وطبية، ولم يكن مرتبطاً بأي فصيل عسكري، معتبراً أن طبيعة عمله في تلك المرحلة يجب أن تُقرأ في إطار تقديم الخدمات الطبية للمصابين والمدنيين بعيداً عن الاصطفاف العسكري.
محامي عدالة انتقالية: المسؤولية يجب أن تقوم على الفعل الفردي
وفي تصريح خاص لـ”مؤسسة جولان”، قال المحامي “سليمان القرفان”، المختص في قضايا العدالة الانتقالية، إن معالجة الانتهاكات المرتبطة بالمرحلة السابقة تحتاج إلى إطار قانوني يميز بين الجرائم الجسيمة وبين الأفعال والتصرفات التي ارتبطت بظروف الصراع.
وقال القرفان:
“إن معالجة الانتهاكات المرتبطة بظروف المرحلة السابقة ينبغي أن تتم ضمن إطار قانوني واضح يميز بين الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة، وبين الأفعال والتصرفات التي ارتبطت بطبيعة الصراع والظروف الاستثنائية التي عاشها المجتمع السوري خلال سنوات الحرب.
وتبرز هنا خشية حقيقية من أن يؤدي فتح باب الملاحقات على مصراعيه، من دون معايير قانونية دقيقة تحدد المسؤولية الفردية والضرر المباشر وعلاقة السببية، إلى تحويل القضاء من وسيلة لتحقيق العدالة إلى مساحة لتصفية الحسابات والانتقام والثأر بين أبناء المجتمع الواحد، ولا سيما في المناطق التي شهدت انقسامات وصراعات عميقة خلال سنوات الحرب”.
ويضيف ” القرفان” إن ترك المجال مفتوحاً أمام كل من يدعي تضرره من فعل أو تصرف قام به أحد المنخرطين في الثورة، لمجرد ارتباط ذلك الفعل بمرحلة الصراع، قد يفتح باباً لا ينتهي من الادعاءات المتبادلة، ويقود في مرحلة لاحقة إلى تشظٍّ مجتمعي يصعب احتواؤه. فقد نجد أنفسنا أمام دعاوى لا تستند إلى مسؤولية جنائية فردية واضحة، وإنما إلى محاولة تحميل أشخاص أو مجموعات مسؤولية النتائج العامة للصراع، وهو أمر لا يستقيم قانوناً ما لم تتوافر عناصر الجريمة وأدلتها وعلاقة السببية المباشرة.
ولتوضيح خطورة هذا المسار، يتابع المحامي “سليمان القرفان” “يمكن أن نتصور مستقبلاً ادعاءات توجه إلى عسكريين أو مقاتلين شاركوا في معارك الثورة بهدف مواجهة قوات النظام السابق أو تحرير المناطق من سيطرته، بحجة أن مشاركتهم في تلك المعارك كانت سبباً في قيام النظام السابق بقصف مناطق معينة بالبراميل المتفجرة أو الصواريخ، وما نجم عن ذلك من سقوط ضحايا مدنيين. ومثل هذا المنطق، إذا أُخذ على إطلاقه، قد يؤدي إلى تحميل من واجه الاعتداء مسؤولية الجريمة التي ارتكبها المعتدي، بدلاً من بحث المسؤولية وفق الفعل الجرمي المحدد ومرتكبه والرابطة السببية التي يثبتها القانون”.
و يُبيّن “القرفان”
هنا تبرز أهمية العدالة الانتقالية بوصفها إطاراً يسعى إلى تحقيق التوازن بين كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وجبر الضرر، وتحقيق المصالحة، والحفاظ على السلم الأهلي. فالعدالة الانتقالية لا تعني إلغاء مبدأ المساءلة، كما لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لمعاقبة الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى طرف من أطراف الصراع أو لمجرد مشاركتهم في أحداث تلك المرحلة.
ومن ثم، أردف: إن الحاجة تبدو ملحة إلى وضع معايير وضوابط قانونية دقيقة للتعامل مع هذه الملفات، تضمن عدم الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة، وفي الوقت ذاته تمنع استخدام القضاء في الملاحقات الكيدية أو المنازعات الشخصية أو الانتقام السياسي والاجتماعي. كما أن تفعيل آليات الصلح والمصالحة المجتمعية وجبر الضرر، حيثما كان ذلك جائزاً قانوناً، يمكن أن يشكل جزءاً مهماً من معالجة آثار الماضي.
وأكد على أن بناء دولة القانون لا يتحقق بكثرة الدعاوى، وإنما بعدالة منضبطة ومستقلة تقوم على الأدلة، وتحدد المسؤولية على أساس الفعل الفردي لا الانتماء الجماعي، وتحمي حقوق الضحايا دون أن تجعل المجتمع أسيراً لدائرة مفتوحة من الثأر والانتقام.
و ختم “القرفان” بأن التحدي الحقيقي أمام العدالة الانتقالية هو أن تحقق العدالة للضحايا من دون أن تتحول إلى وقود لصراعات جديدة، وأن تفتح الطريق أمام السوريين للانتقال من مرحلة الحرب والانقسام إلى مرحلة المصالحة وسيادة القانون، مع عدم التفريط بحقوق من تعرضوا للانتهاكات الجسيمة.”
ياسر المسالمة: المسؤولية عن الضرر تقع على من ارتكب الفعل
من جانبه، قال الكاتب السوري “ياسر المسالمة” في تصريح لـ”مؤسسة جولان” إن القضية لا تتعلق فقط بالرابطة التي تجمع أبناء مدينة درعا، وإنما بالمسؤولية القانونية عن الأضرار التي تعرضت لها أسرة الشهيد.
وقال المسالمة:
“من المؤسف ان تقام هذه الدعوة القضائية، الأمر لا يتعلق فقط بالرباط الذي يجمع أبناء مدينة درعا، ولكن الأمر يتعلق بالمسؤولية القانونية، فليس من مسؤولية الدكتور تيسير الاضرار التي حصلت لعائلة الشهيد الدكتور علي، إذ أن الفعل الجرمي في هذه الحالة قام به النظام البائد لا الدكتور تيسير الذي حاول تكريم ذكرى أول طبيب شهيد في الثورة السورية عن حسن نية”
وأضاف “المسالمة” اعتقد ان هذه الدعوى سيتم قبولها شكلا وسيتم رفضها موضوعاً كونه لا يوجد فعل جرمي أصلاً من قبل الدكتور تيسير.. بالتأكد نقدر تماماً الألم الذي تسبب به النظام البائد بحجة اطلاق اسم الشهيد علي على احد المشافي الميدانية ونقدر حجم التضحيات التي قدمتها الأسرة ولكن النظام البائد لم يكن بحاجة لحجج ليقوم بإجرامه وقصة استشهاد الدكتور علي أكبر مثال وهو الذي جاء ليلبي واجبه الانساني والمهني بعد ان تم اعطائهم الامان من قبل قوات النظام البائد لتغدر به بعد ذلك على مرأى مئات الشهود، اعتقد الان ان هذه القضية سيتم حلها من خلال العقلاء وسيتم التخلي عنها من قبل السيد عاكف والعائلة بعد ادراك الحقائق.”
وتعكس شهادة المسالمة جانباً آخر من الجدل، يتمثل في الفصل بين الضرر الذي تعرضت له الأسرة وبين الشخص الذي اتخذ قرار إطلاق اسم الشهيد على المشفى. لكن هذا الطرح يبقى، في الإطار القانوني، بحاجة إلى أن يحسمه القضاء بناءً على وقائع الدعوى وأدلتها وعناصر المسؤولية التي ينص عليها القانون.
أين تبدأ مسؤولية الفاعل وأين تنتهي مسؤولية النظام السابق؟
تضع القضية مسألة السببية في مركز النقاش. فمجرد وقوع ضرر بعد فعل معين لا يعني، بالضرورة، أن صاحب الفعل مسؤول قانوناً عن ذلك الضرر؛ إذ يتطلب تحديد المسؤولية معرفة طبيعة الفعل، والنية أو القصد حيث يشترط القانون ذلك، وحجم الضرر، والفاعل المباشر، والعلاقة التي تربط الفعل بالنتيجة.
وفي الحالة المطروحة، تتداخل عدة مستويات من الوقائع: إطلاق اسم طبيب شهيد على مؤسسة طبية، معرفة أجهزة النظام السابق بالاسم، وما تعرض له أفراد من أسرته لاحقاً من ملاحقة أو اعتقال أو تهجير، ثم محاولة تحديد ما إذا كانت هناك علاقة قانونية مباشرة بين هذه الوقائع.
وهذه النقطة تحديداً تجعل القضية مختلفة عن مجرد نزاع حول تسمية مؤسسة؛ لأنها تمس كيفية قراءة الأفعال التي وقعت خلال مرحلة الحرب بعد انتهاء تلك المرحلة، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها عندما تتعدد الأطراف والأسباب.
العدالة الانتقالية لا تعني تجاهل حقوق الضحايا
تقوم العدالة الانتقالية، في جوهرها، على التعامل مع إرث الانتهاكات والانقسامات التي خلفتها مراحل الصراع من خلال مجموعة من الآليات، من بينها كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة، بما يوازن بين حقوق الضحايا ومتطلبات الانتقال إلى دولة القانون.
وفي هذا السياق، فإن حماية حقوق المتضررين لا تتعارض مع ضرورة تحديد المسؤولية الفردية بصورة دقيقة. كما أن فتح المجال أمام المتضررين للمطالبة بحقوقهم لا يعني تلقائياً ثبوت المسؤولية على كل شخص ارتبطت أفعاله بصورة ما بأحداث الحرب.
المسألة الأساسية هي المعايير التي سيجري اعتمادها للتمييز بين الجرائم والانتهاكات التي تستوجب المحاسبة، وبين الأفعال التي وقعت في سياق الحرب ولا يمكن تحميل أصحابها نتائج جرائم ارتكبها آخرون من دون إثبات العلاقة القانونية المباشرة.
من الذاكرة إلى القضاء.. اختبار جديد للمرحلة الانتقالية
تتجاوز دلالات هذه القضية اسم طبيب أو مشفى بعينه، لتصل إلى سؤال أوسع حول كيفية تعامل السوريين مع ذاكرة السنوات الماضية، ولا سيما أن كثيراً من أسماء الشهداء والضحايا ارتبطت بمؤسسات وأماكن وشعارات نشأت خلال سنوات الثورة والحرب.
فالذاكرة العامة قد تكون جزءاً من جبر الضرر وتكريم الضحايا، لكنها في الوقت نفسه قد تتقاطع مع حقوق ومخاوف عائلات تعرضت للملاحقة أو التهجير بسبب تلك الأسماء، وهو ما يجعل تنظيم هذه الملفات بحاجة إلى قواعد واضحة تفرق بين تكريم الضحايا وبين تحميل أفراد مسؤولية انتهاكات لم يرتكبوها.
كما أن استمرار النزاعات الفردية دون إطار جامع قد يؤدي إلى انتقال آثار الصراع من ساحات القتال إلى ساحات التقاضي، وهو ما يطرح أمام المؤسسات القضائية والعدلية تحدياً يتمثل في حماية حق التقاضي، مع ضمان ألا تتحول الدعاوى إلى وسيلة للانتقام أو تحميل المسؤولية بصورة جماعية.
القضية أمام اختبار الأدلة والقانون
حتى الآن، تبقى المواقف الواردة في هذه القضية موزعة بين رواية الزعبي بشأن طبيعة الدعوى، ووجهة نظر المحامي “سليمان القرفان” بشأن ضرورة ضبط المسؤولية الفردية والسببية، ورؤية الكاتب “ياسر المسالمة” الذي يرى أن الضرر الذي تعرضت له الأسرة لا يمكن إسناده إلى الطبيب الذي أطلق اسم الشهيد على المشفى.
أما الحسم القانوني، فيتوقف على مضمون الدعوى والأدلة المقدمة فيها، والوقائع التي تثبتها المحكمة، ومدى توافر أركان المسؤولية القانونية بحق أي طرف.
وبين حق عائلات الضحايا في معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف، وحق الأفراد في محاكمة تقوم على فعل محدد وأدلة واضحة، تبدو هذه القضية اختباراً مصغراً لمسار أوسع تنتظره سوريا في مرحلة العدالة الانتقالية: كيف يمكن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، وفي الوقت نفسه منع انتقال منطق الحرب إلى مرحلة ما بعد الحرب.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المؤسسات القضائية معالجة مثل هذه الملفات على أساس المسؤولية الفردية والأدلة، بما يحفظ حقوق الضحايا ويمنع في الوقت نفسه فتح دائرة جديدة من الخصومات المرتبطة بإرث الصراع؟

- طارق أبو البراء - أحمد التلاوي













