مطار المزة العسكري

منذ الساعات الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، بدا واضحاً أن إسرائيل قرأت اللحظة السورية بوصفها «فراغاً أمنياً» وفرصة نادرة لإعادة تشكيل البيئة العسكرية في الشمال، أكثر مما قرأتها تحوّلاً سياسياً داخلياً في بلد مجاور.

فخلال أقل من أربع وعشرين ساعة، أعلن سلاح الجو الإسرائيلي تنفيذ واحدة من أكبر العمليات الهجومية في تاريخه، مستهدفاً أكثر من 250 هدفاً عسكرياً داخل الأراضي السورية، شملت مطارات وقواعد جوية ومستودعات ذخيرة ومقار سيادية، في ما يشبه «عملية صدمة» تهدف إلى شل البنية التحتية العسكرية للنظام السابق ومنع انتقالها إلى الجيش الجديد الذي تشكل بعد الثورة.

هذا النمط لم يكن امتداداً مباشراً لسلوك إسرائيل خلال سنوات الثورة السورية الأولى، حين كان السلاح بيد الفصائل، وكانت تل أبيب تلتزم – رسمياً على الأقل – بسياسة «الحياد»، مع تركيز ضرباتها على خطوط إمداد إيران وحزب الله، لا على بنية الجيش السوري نفسه.

منذ 2013، انخرطت إسرائيل في حملة جوية منتظمة ضد البنية العسكرية الإيرانية في سوريا، مستهدفة قواعد ومستودعات ومراكز قيادة للحرس الثوري والميليشيات المرتبطة به، في إطار ما عرف لاحقاً بعقيدة «المعركة بين الحروب» التي تهدف إلى إضعاف الخصوم دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

لكن ما جرى بعد سقوط الأسد مختلف نوعياً؛ إذ انتقلت إسرائيل من ضرب «الوجود الإيراني» داخل سوريا إلى ضرب «القدرة السورية» نفسها على إعادة بناء جيش وطني جديد، عبر سلسلة واسعة من الاستهدافات للمطارات والقواعد الجوية ومستودعات الذخيرة، ترافقت مع توغل بري محدود في الجولان السوري المحتل واحتلال نقاط استراتيجية مثل جبل الشيخ، وإلغاء عملي لاتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974.

أولاً: خريطة الاستهداف الإسرائيلي بعد سقوط النظام

المطارات والقواعد الجوية

خلال الفترة الممتدة من 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى منتصف أغسطس/آب 2026، استهدفت إسرائيل – وفق تحليل خرائط وصور أقمار صناعية – ما لا يقل عن 14 مطاراً وقاعدة عسكرية سورية، من بينها مطارات المزة، القامشلي، تدمر، حماة، دير الزور، مطار درعا الزراعي، مطار خلخلة، مطارات المروحيات، مطار الشعيرات، وقاعدة التيفور الجوية، إضافة إلى مستودعات مطار الشعيرات ومطار أبو الظهور في إدلب.

اللافت في هذه الضربات ليس عددها فقط، بل طبيعتها الدقيقة؛ إذ ركزت الغارات على العناصر التشغيلية للمطارات: المدارج الرئيسية، هنغارات الطيران، مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفاع الجوي المرتبطة بها.

في قاعدة التيفور وحدها، التي تعد من أكبر القواعد الجوية السورية، نفذت إسرائيل سلسلة من الغارات المكثفة في مارس/آذار 2025، استهدفت المدرج الرئيسي وهناغر الطيران، في نمط يعكس هدفاً واضحاً: تعطيل القدرة التشغيلية الكاملة للمطار ومنع استخدامه في أي عملية إعادة بناء لسلاح الجو السوري.

المستودعات والمخازن: انفجارات بلا إعلان

بالتوازي مع هذه الضربات المعلنة أو شبه المعلنة، شهدت سوريا أكثر من ستة عشر انفجاراً ضخماً في مستودعات ذخيرة ومخازن عتاد خلال أقل من عامين، دون إعلان رسمي عن الأسباب الحقيقية، في مشهد لم يكن مألوفاً خلال سنوات الثورة عندما كان السلاح موزعاً بين الفصائل ولا يخضع لبنية مخزنية مركزية.

أصابع الاتهام توجهت في معظم هذه الحالات نحو إسرائيل، سواء عبر ضربات جوية مباشرة أو عبر عمليات تخريب واختراق أمني، مستفيدة من هشاشة منظومة الحماية حول هذه المخازن في مرحلة إعادة التشكيل العسكري.

هذا النمط من «الانفجارات الغامضة» يتسق مع سياسة إسرائيل التقليدية في إدارة «حرب الظل»؛ إذ تتجنب أحياناً تبني الضربات، وتترك المجال لتسريبات استخباراتية أو تقارير صحفية تكشف لاحقاً طبيعة الاستهداف، بما يحقق الردع المطلوب دون إلزام نفسها باعتراف رسمي يمكن أن يفتح الباب أمام ردود سياسية أو قانونية دولية.

التوغل البري في الجولان

إلى جانب السماء، تحركت إسرائيل على الأرض في الجولان السوري المحتل، حيث أعلنت – من طرف واحد – إلغاء اتفاقية فض الاشتباك، وبدأت بالتوسع التدريجي داخل المنطقة المنزوعة السلاح، وصولاً إلى السيطرة على مواقع استراتيجية مثل جبل الشيخ، وإقامة حواجز داخل الأراضي السورية، مع تسجيل حالات اعتقال وخطف لمواطنين سوريين، وفق تقارير ميدانية وحقوقية.

هذا التوسع البري لا يمكن قراءته بمعزل عن الضربات الجوية؛ فإسرائيل تعمل على تثبيت «واقع أمني جديد» في الجنوب السوري، يقوم على إبعاد أي تشكيل عسكري سوري – مهما كانت طبيعته – عن حدودها، وتحويل الجولان إلى منطقة نفوذ شبه مباشر، تحت ذريعة منع الفوضى ومنع عودة تهديدات من نوع حزب الله أو الحرس الثوري.

ثانياً: من استهداف إيران إلى منع قيام جيش سوري جديد

المرحلة الأولى: المعركة مع إيران داخل سوريا

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتخذت إسرائيل موقفاً معلناً بالحياد، لكنها عملياً نفذت عشرات – وربما مئات – الضربات الجوية ضد أهداف مرتبطة بإيران وحزب الله داخل سوريا، مستهدفة خطوط الإمداد، ومستودعات الصواريخ، ومراكز القيادة، في محاولة لمنع تشكل «جسر بري» إيراني يمتد من العراق عبر سوريا إلى لبنان.

هذه الضربات كانت جزءاً من صراع أوسع بين إيران وإسرائيل، استخدمت فيه سوريا كساحة مواجهة غير مباشرة؛ إذ رأت تل أبيب أن تثبيت وجود إيراني عسكري دائم قرب الجولان يشكل تهديداً إستراتيجياً لا يمكن القبول به، بينما رأت طهران في سوريا حلقة أساسية في منظومة الردع عبر حزب الله.

المرحلة الثانية: سقوط الأسد وتبدل الأولويات

مع سقوط النظام في دمشق، تغيرت المعادلة. لم تعد المشكلة بالنسبة لإسرائيل مقتصرة على الوجود الإيراني، بل أصبحت تشمل «هوية الجيش السوري القادم» نفسه.

فوجود جيش وطني جديد، يحظى بشرعية ثورية وشعبية، ويعيد بناء قدراته الجوية والصاروخية، يعني – من منظور تل أبيب – عودة دولة عربية مجاورة تمتلك أدوات قوة مستقلة، خارج معادلة الردع التقليدية التي اعتادت عليها إسرائيل مع نظام الأسد، الذي كان – رغم شعاراته الخلبية – منضبطاً في إطار اتفاقية فض الاشتباك منذ 1974.

لذلك، يمكن قراءة الضربات على المطارات والقواعد الجوية بعد 2024 بوصفها رسالة مزدوجة: من جهة، منع أي إعادة بناء لسلاح الجو السوري في المدى المنظور؛ ومن جهة أخرى، فرض سقف لقدرات الجيش الجديد، بحيث يبقى ضعيفاً في المجالين الجوي والصاروخي، ويعتمد – في أحسن الأحوال – على دعم خارجي غربي أو إقليمي، يمكن لإسرائيل التأثير فيه عبر علاقاتها مع هذه القوى.

ثالثاً: البعد السياسي والقانوني للاستهدافات

انتهاك السيادة أم «ضرورات أمنية»؟

من الناحية القانونية، تشكل الضربات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية – سواء قبل سقوط الأسد أو بعده – انتهاكاً واضحاً لمبدأ سيادة الدول المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، خاصة عندما تستهدف بنية عسكرية رسمية لدولة لا توجد معها حالة حرب فعلية معلنة، بل ترتبط معها باتفاقيات فض اشتباك ورقابة دولية عبر قوات الأمم المتحدة في الجولان.

إسرائيل، في المقابل، تقدم هذه الضربات بوصفها «إجراءات دفاعية استباقية» لمنع تهديدات مباشرة لأمنها القومي، سواء من إيران وحزب الله أو من أي تشكيل عسكري سوري جديد قد يقترب من حدودها.

هذا التبرير يجد صدى لدى بعض القوى الغربية التي تتبنى مفهوم «الدفاع الوقائي» في حالات معينة، لكنه يبقى محل جدل واسع في القانون الدولي، خاصة عندما يتحول إلى سياسة مستمرة تتجاوز حالات الخطر المباشر إلى إعادة تشكيل البيئة العسكرية لدولة أخرى.

موقف القوى الدولية والإقليمية

المفارقة أن الضربات الإسرائيلية على سوريا بعد سقوط الأسد لم تواجه إدانة دولية حادة، مقارنة بما كان يحدث عند استهدافات مشابهة في عهد النظام السابق؛ إذ انشغلت القوى الكبرى بملف الانتقال السياسي في دمشق، وبإعادة ترتيب النفوذ بين واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران، بينما بدت إسرائيل تتحرك في هامش واسع من الحرية، مستفيدة من غياب سلطة مركزية قوية في سوريا ومن تشتت أولويات الفاعلين الدوليين.

تركيا، التي ظهرت كحليف رئيسي للجيش السوري الجديد، وجدت نفسها أيضاً في مرمى الرسائل الإسرائيلية؛ فاستهداف مطار أبو الظهور في إدلب، الذي قيل إن وفوداً عسكرية تركية زارته سابقاً، حمل رسالة واضحة لأنقرة بعدم المضي في دعم إعادة بناء سلاح الجو السوري، أو استخدام قواعد شمالية لتثبيت حضور تركي طويل الأمد قرب الجولان.

رابعاً: أثر الضربات على بنية الجيش السوري الجديد

جيش بلا سماء تقريباً

النتيجة المباشرة لهذه السياسة أن الجيش السوري الجديد وجد نفسه أمام مهمة شبه مستحيلة في إعادة بناء سلاح الجو؛ فمعظم المطارات الرئيسية تعرضت لتدمير جزئي أو كامل في عناصرها التشغيلية، ومعظم مخازن الذخيرة المرتبطة بها شهدت انفجارات أو استهدافات، ما جعل أي خطة لإعادة تشكيل قوة جوية فاعلة تحتاج إلى استثمارات هائلة وزمن طويل، في بيئة أمنية غير مستقرة وتحت تهديد مستمر من ضربات جديدة.

هذا الواقع يدفع الجيش الجديد إلى الاعتماد على قدرات برية وصاروخية محدودة، وعلى دعم من حلفاء إقليميين ودوليين، مع إدراك دائم أن أي محاولة نوعية لتطوير قدرات جوية أو دفاعية قد تصبح هدفاً مباشراً لإسرائيل، كما حدث في استهداف وزارة الدفاع في قلب دمشق عام 2025، في ضربة رمزية تهدف إلى القول إن «مراكز القرار العسكري نفسها ليست بمنأى عن القصف».

هشاشة منظومة التخزين والحماية

تكرار انفجارات المستودعات والمخازن – سواء بفعل ضربات مباشرة أو عمليات تخريب – يكشف هشاشة منظومة الحماية حول العتاد العسكري في مرحلة ما بعد الثورة؛ فانتقال السلاح من يد الفصائل إلى بنية جيش نظامي جديد يتطلب إعادة تنظيم كاملة لسلاسل التخزين والنقل والتوزيع، وهو ما لم يتحقق بعد بشكل كامل، ما يجعل هذه المستودعات أهدافاً سهلة للاختراق أو الاستهداف، ويضاعف كلفة إعادة بناء القدرات.

إسرائيل تستثمر هذه الهشاشة عبر ضربات دقيقة تستهدف نقاط الضعف في هذه المنظومة، فتمنع تراكم مخزون إستراتيجي من الذخيرة والصواريخ، وتحول دون بناء قدرة ردع متوسطة المدى، حتى لو امتلك الجيش الجديد إرادة سياسية للمواجهة.

خامساً: دلالات إستراتيجية وخيارات سورية ممكنة

إسرائيل تخاف «جيشاً وطنياً قوياً» أكثر من خوفها من الفوضى

يمكن تلخيص السلوك الإسرائيلي في عبارة واحدة: تل أبيب تخاف من قيام جيش سوري وطني قوي أكثر مما تخاف من الفوضى أو من تعدد الفصائل.

فالفصائل، مهما بلغت قوتها، تبقى في نظر إسرائيل كيانات غير مركزية، يمكن احتواؤها أو التعامل معها عبر تفاهمات موضعية أو عبر ضربات محدودة، بينما يشكل الجيش الوطني – إذا اكتملت بنيته – إطاراً مؤسسياً للقوة، يمتلك شرعية داخلية وقدرة على التخطيط طويل الأمد، ويعيد سوريا إلى معادلة الدول القادرة على ممارسة ضغط عسكري وسياسي على حدود إسرائيل.

لذلك، تعمل إسرائيل على إبقاء الجيش الجديد في حالة «نقص بنيوي» في أهم عنصرين من عناصر القوة الحديثة: سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، مع قبول ضمني بوجود قوة برية محدودة، ما دامت هذه القوة لا تمتلك غطاءً جوياً ولا قدرة على تهديد العمق الإسرائيلي.

الخيارات السورية: بين الردع السياسي وتثبيت قواعد اشتباك جديدة

في مواجهة هذا الواقع، تبدو خيارات سوريا الجديدة معقدة. فالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل في ظل هذا الخلل في ميزان القوى ليس خياراً واقعياً، كما أن القبول الدائم بالضربات دون رد أو دون بناء منظومة ردع سياسية وقانونية يكرس حالة «الاستباحة» ويضعف شرعية الدولة الجديدة أمام مواطنيها.

يمكن لسوريا أن تتحرك في عدة مسارات متوازية:

1_ مسار سياسي وقانوني: عبر توثيق كل الاستهدافات الإسرائيلية، وتقديم ملفات متكاملة إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، بما يثبت نمط الانتهاكات المتكررة للسيادة، ويحول القضية من ملف أمني إلى ملف قانوني وسياسي دائم، حتى لو لم ينتج عنه ردع فوري، لكنه يراكم شرعية الموقف السوري.

2_ مسار دفاعي تدريجي: عبر إعادة بناء قدرات دفاع جوي متواضعة في البداية، تعتمد على منظومات متنقلة وصغيرة، يصعب استهدافها، مع التركيز على حماية مراكز القيادة والسيطرة، ثم الانتقال تدريجياً إلى تطوير قدرات جوية محدودة، بالتعاون مع حلفاء إقليميين ودوليين، في إطار تفاهمات تقلل احتمالات الاستهداف المباشر.

3_ مسار تفاهمات أمنية مشروطة: يمكن لسوريا أن تدخل في مفاوضات غير مباشرة حول ترتيبات أمنية في الجنوب، تضمن عدم اقتراب قواتها من خطوط معينة، مقابل وقف الاستهدافات الإسرائيلية للمطارات والمخازن، لكن هذا المسار يحتاج إلى حذر شديد حتى لا يتحول إلى تكريس دائم لواقع «الجيش الضعيف» الذي تريده إسرائيل.

معركة على شكل الجيش لا على شكل النظام

ما تكشفه السنوات التي تلت سقوط النظام البائد في سوريا هو أن إسرائيل لا تخوض معركة على شكل النظام السياسي في دمشق بقدر ما تخوض معركة على شكل الجيش السوري نفسه. فالنظام السابق، رغم عدائه المزعوم، كان جزءاً من معادلة ردع مستقرة نسبياً، بينما يحمل الجيش الجديد – إذا اكتملت بنيته الوطنية – احتمالاً لولادة دولة مختلفة، أكثر استقلالاً في قرارها وأكثر حساسية لقضايا السيادة والحدود.

من هنا، يصبح فهم الضربات الإسرائيلية على المطارات والمخازن والمدرجات، والانفجارات المتكررة في المستودعات، ضرورة لأي تحليل جدي لمستقبل الأمن القومي السوري؛ فهي ليست مجرد أحداث عسكرية متفرقة، بل حلقات في سلسلة إستراتيجية تهدف إلى إبقاء سوريا دولة بلا سماء تقريباً، وبلا قدرة مكتملة على بناء جيش قوي ووطني، في لحظة تاريخية كان يفترض أن تكون لحظة استعادة الكرامة والسيادة بعد سقوط النظام، فإذا بها تتحول إلى لحظة صراع جديد على تعريف القوة وحدودها في بلاد الشام.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top